مكفارلين، روبرت كارل
كان «رابرت کارل مکفارلین»المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي «ريغان» في الزيارة السرّية إلى إيران في یونیو 1986(خرداد 1365هـ.ش) بهدف حلّ قضية الرهائن الأمريكيين في «لبنان» و بيع الأسلحة لإيران و هي الزيارة غير القانونية التي كشفت عن المساعي الخفية للولايات المتحدة لإعادة التواصل مع إيران، وعُرفت لاحقًا باسم قضية «مكفارلين.»
وُلد «رابرت کارل مکفارلین» في 12 يوليو 1937(21 تیر 1316هـ.ش). بعد إنهاء دراسته الثانوية، التحق عام 1955م بأكاديمية البحرية في «أنابوليس» و تخرّج ضابطًا، ثم أصبح قائدًا لسلاح المدفعية و لاحقًا مدرّبًا للمدفعية.من عام 1968 إلى 1971 عمل في العمليات التخطيطية للبحرية الأمريكية.في عام 1959م التحق رسميًا بالبحرية الأمريكية و شارك في الحرب مرّتين في «فيتنام».
ثم أصبح مستشارًا عسكريًا ل«هنری کسینجر» في مجلس الأمن القومي و تولّى مسؤولية تبادل المعلومات الاستخباراتية الحساسة مع «الصين» بين 1973و1976؛ بعد ذلك التحق بجامعة الدفاع الوطني و في 1979 اختاره السيناتور «جان تاور» ليكون القائم بأعمال لجنة الخدمات العسكرية في مجلس الشيوخ حتى 1981و في العام نفسه أصبح مستشارًا لوزارة الخارجية، ثم عيّنه «ريغان» في 1982 مستشارًا للأمن القومي.
كان مكفارلين في 1985 من أبرز الداعمين لصفقة بيع الأسلحة لإيران مقابل إطلاق سراح الرهائن الأمريكيين في «لبنان» و بعد تقاعده في مايو 1986 عمل مبعوثًا خاصًا في إرسال الأسلحة إلى إيران.[1]
في الوقت الذي كانت فيه إيران تحت حظر تسليحي و كانت الحرب المفروضة من العراق مستمرة، تمّ اختطاف 7 مسؤولين أمنيين و سياسيين غربيين في 7 حوادث منفصلة بين مارس 1984(1362هـ.ش) حتی يونيو 1985(1364هـ.ش) في «بيروت» عاصمة «لبنان».
كان من بينهم «ویلیام باکلی» رئيس محطة وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) في «بيروت» والذي اختُطف في مارس 1984(اسفند1362هـ.ش).كانت الأجهزة الأمنية الأمريكية تعتقد أنّ الرهائن محتجزون لدى عناصر «حزب الله» المتأثرين بأفكار الثورة الإسلامية في إيران.رغم الجهود المكثفة، فشلت الولايات المتحدة في تحريرهم و في ظل هذا الوضع، تمّ اختطاف «طائرة TWA» الأمريكية في 14 یونیو 1985(24 خرداد 1364هـ.ش).
بعد فشل «سوريا» في حلّ هذه الأزمة، كان لإجراءات الحكومة الإيرانية ولاسيما زيارة حجة الإسلام «اکبر هاشمیرفسنجانی» رئيس مجلس الشورى الإسلامي آنذاك إلى «سوريا» و «لبنان»، تأثير كبير في حلّ مشكلة رهائن «طائرة TWA» و في المقابل، وعدت الولايات المتحدة بالمساعدة في إطلاق سراح الأسرى اللبنانيين من السجون الإسرائيلية.
إن امتلاك إيران قدرةً محتملة على حلّ مشكلة اختطاف الطائرة، دفع الولايات المتحدة إلى السعي لإقامة علاقات سرّية معها و خلص الأمريكيون إلى أنّ تزويد إيران ببعض قطع الغيار و المعدات العسكرية قد يساهم في كسب رضا المسؤولين الإيرانيين.[2]
كانت إيران، في ظلّ الحرب المفروضة و الحظر التسليحي الأمريكي و الغربي، تبحث في الأسواق الدولية عن شراء الأسلحة ولاسيما صواريخ «تاو»، قطع إطلاق صواريخ «هوك»، صواريخ «هارپون»، صواريخ «فونیکس»و قطع حساسة للرادارات و كلّها أمريكية الصنع و كانت تحاول تأمينها من مصادر مختلفة.[3]أما الولايات المتحدة، فكانت في بداية الحرب العراقية–الإيرانية تدّعي الحياد، لكنها دعمت العراق لاحقًا.
غير أنّ هزائم العراق أمام «إيران» و انتصارات الأخيرة المتتالية دفعت «واشنطن» إلى إعادة النظر في سياستها تجاه «إيران» و بناءً على توصيات خبراء مجلس الأمن القومي، حاولت الولايات المتحدة، في ظلّ حاجة «إيران» الماسّة إلى السلاح، أن تجعل بيع الأسلحة مدخلًا لإقامة علاقة مع إيران.[4]قد بدأ التواصل مع «إيران» عبر إرسال محدود للأسلحة من یونیو1985م(خرداد 1364هـ.ش) حتى مارس 1985(اسفند 1364هـ.ش).[5]و أرسلت الولايات المتحدة من جانب واحد أول و ثاني شحنة أسلحة أمريكية إلى إيران.[6]
فی 30 أغسطس 1985(8 شهریور 1364هـ.ش) تم إرسال 100 صاروخ «تاو»، و فی 14 سبتمبر(23 شهریور 1364 هـ.ش) تم إرسال 408 صواریخ «تاو» أخرى من مخازن الدول الثالثة إلى إیران. بعد يوم واحد، في 15 سبتمبر 1985(24 شهریور 1364هـ.ش)، أُطلق سراح «بنیامین ویر»، أحد أهم خمسة رهائن كانت الولايات المتحدة تسعى لتحريرهم.[7]
بعد ذلك، حاولت الولايات المتحدة إقامة اتصال مباشر مع إيران و إلغاء دور الوسطاء. أدّى هذا المسعى إلى زيارة «رابرت مکفارلین» مستشار الأمن القومي للرئيس الأمريكي إلى إيران، حيث وصلت طائرته إلى طهران في 25 مایو 1986(4 خرداد 1365هـ.ش).[8]
دخل «مكفارلين» و مرافقوه إيران بجوازات سفر إيرلندية مزوّرة و عرّفوا أنفسهم بأنهم طاقم الطائرة للحصول على إذن الدخول سرًا و نزلوا من الطائرة حاملين رسالة خاصة من الرئيس «ريغان»، إضافة إلى ثلاث مسدسات «كولت» لروساء السلطات الثلاث في إيران و كعكة على شكل «مفتاح».[9]لم يستقبلهم أيّ مسؤول إيراني رفيع المستوى و بعد أربع ساعات من الانتظار[10] نُقلوا إلى فندق «استقلال» (هیلتون).[11] و بعد استراحة مدّتها أربع ساعات، عُقد الاجتماع الأول معهم في الفندق.[12]
و كان من مرافقي «مكفارلين»:«اولیور نورث»، «جورج کیو»، «هاوارد تیچر»، «امیرام نیر» و مندوب وكالة الاستخبارات (CIA).أما الفريق الإيراني المفاوض فكان يضمّ أشخاصًا بأسماء مستعارة:«نجفي»، «مصطفوي»، «سميعي» و «كنگرلو».[13]
في الجولة الأولى من المفاوضات التي استمرت ساعتين، أعلن «مکفارلین» أنّ حضوره في إيران يهدف إلى إيجاد جسر للتواصل بين البلدين و قال إنّ الولايات المتحدة مستعدة لمساعدة إيران في توفير بعض احتياجاتها.
لكن في الجولة الثانية التي لم تتجاوز نصف ساعة، صرّح «مكفارلين»:«إنني بمستوى وزير و أتوقّع لقاء صنّاع القرار و إلا فيمكنكم التحدّث مع موظّفي فريقي».أمّا الجولة الثالثة فقد جرت من دون حضور «مكفارلين» واقتصرت على الدبلوماسيين الأمريكيين و الإيرانيين، واستمرت ست ساعات وانتهت من دون أي اتفاق.
في ختام الجلسة، حاول «هاوارد تیچر» استمالة الجانب الإيراني، فذكّرهم ببعض تهديدات الاتحاد السوفيتي ضد إيران، مثل حشد 26 فرقة على الحدود و نقل رغبة «مكفارلين» في لقاء أحد كبار قادة إيران.نُقلت هذه الطلبات إلى «الإمام الخمینی» و المسؤولين الكبار في الجمهورية الإسلامية و تمّ وضع استمرار المفاوضات تحت إشراف الإمام و بعد اطلاعه على التقرير، قال الإمام:«لا يتفاوض أيّ من المسؤولين معهم».
في الجولتين الرابعة و الخامسة، نوقشت موضوعات مثل:سبل و موانع تحرير الرهائن الأمريكيين في «لبنان»، بيع الأسلحة لإيران، التهديدات المحتملة من الاتحاد السوفيتي،الدعم الأمريكي للعراق في الحرب و كيفية إنهاء الحرب.في الجولة السادسة و بسبب عدم تحقيق الوفد الأمريكي النتائج التي كان يرجوها و مع إبدائهم رغبة في العودة، قدّموا مسودة مقترح لتطوير العلاقات تدريجيًا، ثم استلموا جوازات سفرهم لمغادرة البلاد.[14]
بعد فشل الزيارة في تحقيق أيّ من أهدافها، اضطرّ الوفد الأمريكي إلى تسليم قطع الطائرة التي جلبوها معهم إلى الجانب الإيراني، ثم غادروا البلاد.[15] وقد اعتُبرت هذه الإجراءات سرّية من الطرفين بغضّ النظر عن نجاحها أو فشلها.[16]
لكن المفاوضات كُشفت عندما نشرت مجلة «الشراع» اللبنانية خبر زيارة «مكفارلين» في 3 نوفمبر 1986 (12 آبان 1365هـ.ش). جاء هذا التسريب نتيجة اعتراض بعض أعضاء حزب الله على مسار تحرير الرهائن الأمريكيين، فسارع «مكفارلين» إلى نفي قيامه بالزيارة.[17]
عقب نشر هذا التقرير، قام حجة الإسلام «أکبر هاشمیرفسنجانی»، رئيس مجلس الشورى الإسلامي آنذاك و بناءً على توصية و أمر «الإمام الخميني» بشرح تفاصيل زيارة «مکفارلین» و وفده إلى إيران و ذلك في خطاب يوم 4 نوفمبر 1986(13 آبان 1365ه.ش) ثم في مقابلة مع الصحفيين و بذلك أصبحت زمام المبادرة بيد إيران، فيما واجهت الحكومة الأمريكية أزمة كبيرة.
بعد عشرة أيام من كشف القضية، اعترف «ريغان» رسميًا بالأمر و بدأ بتبريره، معلنًا أنّ أهدافه كانت:تجديد العلاقات مع إيران، إنهاء الحرب بين إيران و العراق، القضاء على «الإرهاب» و التخريب و المساعدة في تحرير الرهائن الأمريكيين في «لبنان».[18]
كان لهذه الزيارة تداعيات مختلفة داخل إيران.ففي ظلّ الأجواء المعادية لأمريكا، قدّم ثمانية نواب في مجلس الشورى سؤالًا لوزير الخارجية حول العلاقة مع الولايات المتحدة.لكن بعد خطاب الإمام الخمینی بمناسبة أسبوع الوحدة في 20 نوفمبر 1986(29 آبان 1365هـ.ش)، سحب النواب سؤالهم و قال الإمام:«ينبغي لرئيس الولايات المتحدة أن يعلن الحداد على هذه الفضيحة و أن يتحوّل البيت الأبيض إلى بيتٍ أسود و إن كان كذلك دائماً».[19]
في جلسة 5 نوفمبر 1986(14 آبان 1365هـ.ش)، أقرّ رؤساء السلطات الثلاث متابعة تحرير الرهائن الأمريكيين مقابل تأمين احتياجات إيران.في إطار هذه العملية، تسلّمت إيران نحو 2000 صاروخ «تاو» و عدة آلاف من قطع غيار صواريخ «هوك»، كما أُطلق سراح معظم الرهائن الأمريكيين في لبنان.[20]
تحوّلت القضية إلى أزمة عميقة داخل الحكومة الأمريكية.فقد شُكّلت لجنة للتحقيق برئاسة السيناتور «تاور» و عُرفت باسم لجنة «تاور».كما استجوب الكونغرس وزير الخارجية و «مكفارلين» و فريق التفاوض.تمّ إبعاد المفاوضين و تحويل متابعة الملف إلى وزارة الخارجية الأمريكية.في هذه الفترة، أصبح الحزب الجمهوري في موقع ضعف، ما أدّى إلى زيادة الضغط الأمريكي على إيران و بدأت المرحلة الثانية من العقوبات.[21]
في 9 فبراير 1987(20 بهمن 1365هـ.ش)، حاول «مکفارلین» الانتحار عبر تناول كمية كبيرة من «الفالیوم» لكنه نجا و في عام 1988 اعترف بإخفاء أربع قضايا معلوماتية عن الكونغرس و تعرّض لعقوبات.
لكن «جورج بوش الأب» أصدر عفوًا عنه و عن المشاركين في القضية في بداية رئاسته. أسّس «مکفارلین» بعد خروجه من العمل الحكومي، شركة باسم «مستثمري الطاقة».[22]في النهایة توفي «مکفارلین» في 12 مايو 2022(22 اردیبهشت 1401هـ.ش) عن عمر ناهز 84 عامًا.[23] قد عُرفت هذه القضية في الولايات المتحدة باسم فضيحة «ایرانگیت».[24]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منابع و ارجاعات:
- [1] هاشمی، محسن؛ حمیدالله حمیدی، ماجرای مکفارلین (فروش سلاح – آزادی گروگانها) (قضیة مكدفرلین – بیع السلاح و تحرير الرهائن)، طهران، مكتب نشر معارف الثورة، 2009م(1388ه.ش)، ص 228–229.
- [2] درودیان، محمد، سیری در جنگ ایران و عراق (فاو تا شلمچه) (جولة في حرب الإیرانیة و العراقیة –من فاو إلى شلمچه)، مجلد3، طهران، مركز دراسات و بحوث الحرب للحرس الثوري، الطبعة الثانیة، 1999(1378ه.ش)، ص 88 و90؛ دزفولی، سید محمدمهدی، قمار (رمزگشایی از پرونده ایران–کنترا) (القمار – فكّ شيفرة ملف إیران–كونترا)، قم، دار النشر:«شهید كاظمي»، 2020(1399ه.ش)، ص 24–25.
- [3] هاشمی، محسن و حبیب الله حمیدی، المصدر نفسه، ص 22،23 و 25.
- [4] معبادی، حمید، چالشهای ایران و آمریکا بعد از پیروزی انقلاب اسلامی ایران (تحدیات إیران و الولایات المتحدة بعد انتصار الثورة الإسلامیة)، طهران، مركز وثائق الثورة الإسلامیة، 2002م(1381ه.ش)، ص 123–124.
- [5] درودیان، محمد، المصدر نفسه، ص 91.
- [6] معبادی، حمید، المصدر نفسه، ص 124.
- [7] هاشمی، محسن؛ حمیدالله حمیدی، المصدر نفسه، ص 76.
- [8] درودیان، محمد، المصدر نفسه، ص 91.
- [9] علیزاده، فاطمه، با چشم باز – مکفارلین (بعین مفتوحة – مكفرلین)، طهران، مؤسسة نشر صحیفة «إیران»، 2009م(1388ه.ش)، ص 10.
- [10] دزفولی، سید محمدمهدی، المصدر نفسه، ص 59–60.
- [11] معبادی، حمید، المصدر نفسه، ص 124.
- [12] دزفولی، سید محمدمهدی، المصدر نفسه، ص 60.
- [13] علیزاده، فاطمه، المصدر نفسه، ص 10؛ دزفولی، سید محمدمهدی، المصدر نفسه، ص 59.
- [14] علیزاده، فاطمه، المصدر نفسه، ص 15–16.
- [15] دزفولی، سید محمدمهدی، المصدر نفسه، ص 67–68.
- [16] انصاری، مهدی و آخرون، روزشمار جنگ ایران و عراق(ماجرای مکفارلین) (یومیات حرب الإیرانیة و العراقیة – مجلد 44: قضیة مكفرلین)، طهران، مركز دراسات بحوث الحرب للحرس الثوري، 2000(1379ه.ش)، ص 40.
- [17] علایی، حسین، روند جنگ ایران و عراق (مسار حرب الإیرانیة و العراقیة)،مجلد 2، طهران، دار النشر «مرز وبوم»، 2012م(1391ه.ش)، ص 268.
- [18] انصاری، مهدی و آخرون، المصدر نفسه، ص 40؛ هاشمی رفسنجانی، اکبر، کارنامه و خاطرات هاشمی رفسنجانی سال 1365 – اوج دفاع (مذكرات «هاشمي رفسنجاني» لعام 1986 – ذروة الدفاع)، طهران، مكتب نشر معارف الثورة، 2009(1388ه.ش)، ص 13 و 334–335.
- [19] معبادی، حمید، المصدر نفسه، ص 125؛ کفاش، محمد، طعمه هتل هیلتون (طُعمة فندق هیلتون)، طهران، منظمة الدعوة الإسلامیة – شركة الطباعة و النشر الدولیة، 2023(1402ه.ش)، ص 385–386
- [20] علایی، حسین، المصدر نفسه، ص 269–271.
- [21] علایی، حسین، المصدر نفسه، ص 273–274؛ دزفولی، سید محمدمهدی، المصدر نفسه، ص 279.
- [22] رامین، علی و آخرون، موسوعة «دانشگستر» مجلد 15، طهران، مؤسسة «دانشگستر روز»، 2010(1389ه.ش)، ص 754؛ هاشمی، محسن و حبیب الله حمیدی، المصدر نفسه، ص 229–230.
- [23] وكالة «إیسنا» للأنباء، «وفاة مكفرلین»، 14 مایو 2022(24 اردیبهشت 1401ه.ش)
- [24] دزفولی، سید محمدمهدی، المصدر نفسه، ص 18