الوصيّة
في الحرب المفروضة، كان المقاتلون، قبل بدء أيّ عملية، يكتبون نصّ «الوصيّة» أو يجدّدونه و يضعونه متعلّقاتهم الشخصية أو يسلّمونها أمانةً إلى «وحدة التعاون» التابعة لوحدتهم العسكرية.
كانت كتابة الوصيّة من السنن الشائعة بين المقاتلين خلال ثماني سنوات الدفاع المقدّس و هي مستندة إلى مبادئهم القيمية و العقائدية و مرتكزة إلى آيات «القرآن الكريم»[1] و أحاديث المعصومين (عليهم السلام).[2]
الوصيّة وثيقة مكتوبة و أحيانًا مسجّلة على شريط صوتي أو فيلم، تتضمّن وصايا الشهيد لأفراد عائلته و أصدقائه و رفاقه و المجتمع و تعكس معتقداته. تُعدّ وصايا الشهداء من أهم الوثائق المكتوبة للحرب و جزءًا من أدب الدفاع المقدّس و قد كُتبت بدافع الالتزام العقائدي و بأساليب جمالية ضمن أنماط مختلفة من النصوص الأدبية و كانوا يسعون في سطور وصاياهم إلى تبيين أسباب حضورهم في الجبهات و القوّة الدافعة التي حملتهم على ذلك و ما يتوقّعونه من ذويهم و من الأجيال القادمة.[3]
عادةً، عند الاستعداد لأيّ عملية، كانت تُوزَّع أوراق خاصة بين المقاتلين ليكتبوا وصاياهم.[4]و بعضهم كان يترك وصيّته مسجّلة بصوته.[5] كانت هذه الوصايا تُكتب في ظروف روحية خاصة، حيث يكون الفرد متخفّفًا من القيود و التعلّقات الدنيوية و لذلك تجلّت فيها الدوافع الخالصة و الإيمان الصافي و الروحانية العميقة.[6]
إنّ الوصايا التي كانت تُكتب في ظروف روحية خاصة و على أعتاب بدء العمليات مع احتمال نيل الشهادة و بمشاعر عارفية متدفّقة، كانت تنعكس بطبيعة الحال على مضمونها أيضًا، إذ كان من الممكن في أيّ لحظة أن يستشهد كاتبها.
بعض المقاتلين كانوا يكتبون وصاياهم قبل العملية بأيام و في وقت مناسب و كانت هذه الوصايا مقارنة بغيرها، أطول و أكثر تنظيمًا. مع ذلك، فقد اشتملت وصايا المقاتلين أحيانًا على إشارات إلى بعض المسائل المادية و توصيات تتعلّق بأموالهم و متعلّقاتهم الشخصية.
من الناحية الشكلية، تتّبع وصايا الشهداء نمطًا محدّدًا غالبًا: المقدّمة (آيات القرآن الكريم، روايات المعصومين(ع)، الصلاة على رسول الله(ص) و الأئمة(ع)، التحية لـ«الإمام الخميني» و الشهداء، الشهادة بوحدانية الله و ...)؛ التمهيد (النصيحة و الإرشاد، رسم أهداف الثورة، المناجاة...)؛ الوصيّة (الوصية للعائلة، للشعب...)؛ الخاتمة (شعارات، توصيات عامة، مناجاة، التذكير بقضاء الواجبات الدينية كالصلاة و الصوم...)؛ ثم الاسم الکامل و التوقيع (الاسم الكامل، التاريخ، دعاء أو شعار، التوقيع). مع ذلك، قد تختلف هذه البنية في بعض الوصايا و في حالات قليلة لا يُلتزم بها و قد تكون بعض الوصايا طويلة أو قصيرة، أو تأتي بمقدّمة مطوّلة و خاتمة موجزة، أو تحتوي جميع عناصر الوصيّة.[7]
من الناحية المضمونية، فإنّ التأكيد على قيادة «الإمام الخميني (ره)» و ضرورة دعم ولاية الفقيه و شخص الوليّ الفقيه، الإشارة إلى واقعة «كربلاء» و شهادة «الإمام الحسين»(عليه السلام)، التحذير من خطر الاستكبار العالمي و في مقدمته الولايات المتحدة الأمريكية، ضرورة مقارعة الاستكبار، التوصية بالحجاب و اتخاذ سيرة السيدة «فاطمة» (عليها السلام) و السيدة «زينب»(عليها السلام) قدوةً للنساء و الفتيات، التوصية للأمهات بألّا يبكين على شهادة أبنائهن و أن يبكين على الحسين (عليه السلام)، الدعوة إلى حضور صلاة الجماعة و صلاة الجمعة، رفض التعلّق بالدنيا و اعتبار حضور الجبهة فرصة للتطهّر من الذنوب الدنيوية، تُعدّ من أبرز المحاور الواردة في وصايا الشهداء و أكثرها تكرارًا هو اتباع ولاية الفقيه و الإمام الخميني (قد).[8]
من الناحية الأدبية، يلحظ في معظم الوصايا حضور إحساس خاص و إيقاع مميّز، فضلًا عن توظيف أساليب بلاغية مثل التشبيه و الاستعارة و المجاز و الصور البيانية و اللغة الشعرية و غيرها. كما أنّ الجمل فيها غالبًا ما تكون قصيرة.[9]
قد أكّد «الإمام الخميني (ره)» و«آية الله خامنهای» على ضرورة قراءة وصايا الشهداء. ففي خطاب الإمام بمناسبة استشهاد الدكتور «مصطفى چمران» و مع عتبه على بعض القوى الملی ـ مذهبی و بعض المتديّنين الذين كانوا ينظرون بسطحية إلى الأحداث و ينتقدون مواجهة النظام البعثي أو التعامل مع المنافقين في الداخل، أوصى بقراءة وصايا الشهداء، قائلًا: «هذه الوصايا التي يكتبها هؤلاء الأعزاء، اقرؤوها. خمسون سنة عبدتم الله، نسأل الله أن يقبل، خذوا يومًا واحدًا واقرؤوا إحدى هذه الوصايا و تفكّروا فيها».[10]
كما اعتبر «آية الله خامنهای» وصايا الشهداء البيان المعنوي للأمة و أنها تحمل أهداف شعبٍ كامل و أنّ الالتزام بها يمهّد لسعادة المجتمع، قائلًا: «البيان الرسمي و القانوني للثورة و البلاد هو دستورنا. كل ما تحتاجه إدارة شؤون الأمة موجود فيه بشكل متين و محكم. أمّا البيان المعنوي للثورة فهو وصية الإمام و وصايا الشهداء. اقرأوا هذه الوصايا وانظروا لماذا ضحّى الشهداء بأرواحهم في ساحة الحرب؟ و ما الذي كانوا يطلبونه؟ هل يمكن لأحد أن يتخلّى بسهولة عن مجموعة من التضحيات و الأهداف التي تخصّ أمّة كاملة؟ هذه هي طريقنا و هذه هي أسباب سعادتنا التي يجب أن نتبعها».[11]
قد جُمع حتى الآن 53,000 وصية من وصايا شهداء ثماني سنوات الدفاع المقدّس في المؤسسات الثقافية.[12]و من الكتب التي تناولت وصايا الشهداء: «پنجاه سال عبادت»(خمسون سنة عبادة)، «گزیده موضوعی وصیتنامه شهدا»( المختارات الموضوعية من وصايا الشهداء، في موضوعات الحجاب، البسيج، ولاية الفقيه، الأمر بالمعروف النهي عن المنكر، الإمام المهدي «عج»)، «وصیتنامه کامل شهدای کشور»( الوصايا الكاملة لشهداء البلاد)، «وصیتنامه شهدا»(وصايا الشهداء) من تأليف «أميد محمدي»، و «سبک زندگی اسلامی در وصیتنامههای شهدای 8 سال دفاع مقدس»(أسلوب الحياة الإسلامي في وصايا شهداء الدفاع المقدس لمدة ثمان سنوات) من تأليف «داود زادهعلی».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منابع و ارجاعات:
- [1] القرآن المجید، سورة البقرة، الآیتان 180 و 182؛ سورة المائدة، الآیة 106.
- [2] وسائل الشیعة، کتاب الوصایا، الباب 1، الحدیث 8؛ تفسیر القمي، مجلد1، ص65؛ آقایی، حسین، تحلیل ساختاری و محتوایی وصیتنامههای شهدای دفاع مقدس (تحلیل البنیة و المضمون لوصایا شهداء الدفاع المقدس)، رسالة ماجستیر في اللغة و الأدب الفارسي، جامعة «أصفهان»، 2011م(1390هـ.ش)، ص16.
- [3] نظری، محمود، تحلیل مبانی فلسفی وصیتنامه شهدای دانشجوی دوران دفاع مقدس (تحلیل الأسس الفلسفیة لوصایا شهداء الجامعات في فترة الدفاع المقدس)، أطروحة دكتوراه في فلسفة التربیة – التربیة الإسلامیة، جامعة «پیام نور»(مركز طهران-جنوب)، 2019م(1398هـ.ش)، ص16 و17.
- [4] آقایی، حسین، المصدر نفسه، ص16.
- [5] اکبری، منوچهر، آثار و اسناد شهدا و ایثارگران، وصیتنامه کامل شهدای استان همدان – دفتر اول (آثار و وثائق الشهداء و المضحین – الوصایا الكاملة لشهداء محافظة «همدان»، الدفتر الأول، ج34)، طهران،دار النشر:«شاهد» 2016م(1395 =هـ.ش)، ص18 و 19.
- [6] المصدر نفسه، ص15.
- [7] اکبری، منوچهر، المصدر نفسه، ص17 و 18؛ آقایی، حسین، المصدر نفسه، ص16.
- [8] ربیعی، علی؛ تمنایی، امیرحسین، تحلیل گفتمان وصیتنامه شهدای جنگ تحمیلی (تحلیل الخطاب في وصایا شهداء الحرب المفروضة)، مجلة الدراسات السوسیولوجیة الفصلية)، الدورة 20، العدد 2، الخریف و الشتاء 2013م(1392هـ.ش)، ص175، 176، 180.
- [9] آقایی، حسین، المصدر نفسه، ص19.
- [10] موسویالخمینی، روحالله، صحیفة الإمام الخميني، مجلد 14، طهران: مؤسسة تنظیم و نشر آثار الإمام الخميني، 1999م(137 هـ.ش)، ص482–494.
- [11] الموقع الإعلامي لمكتب حفظ و نشر آثار آیة الله العظمی «السید علي الخامنئي»، كلمات في خطب صلاة الجمعة،22 نوفمبر 2001(01/09/1380)»، https://khl.ink/f/3155
- [12] نشرة طلاب إیران، «وصیتنامه 53000 شهید چاپ میشود» (سیتم طباعة وصایا 53000 شهید)»، https://iusnews.ir/fa/news-details/148136/