الطريق إلى القدس يمرّ عبر كربلاء
كان شعار «الطريق إلى القدس يمرّ عبر كربلاء» من الشعارات المحورية خلال فترة الحرب العراقية المفروضة على إيران. قد أطلق «الإمام الخميني» هذا الشعار في خضمّ الهجوم الإسرائيلي على لبنان في يونيو 1982م (خرداد 136هـ. ش)، بالتزامن مع إرسال قوات من لواء «محمد رسول الله» (صلى الله عليه وآله) إلى سوريا. من خلال طرح هذا الشعار، رسم الإمام «الخميني» التوجه الأساسي لتحركات و إجراءات الجمهورية الإسلامية الإيرانية بعد تحرير «خرمشهر». في فجر 6 يونيو 1982م، أصدر وزير الحرب الإسرائيلي الجنرال «أريئيل شارون» أوامره بشنّ هجوم شامل بحري و جوي و مدرع و ميكانيكي للجيش الإسرائيلي على الأراضي اللبنانية، لتبدأ بذلك عملية «بليتز كريغ» (Blitzkrieg) أو ما يُعرف بالحرب الخاطفة الإسرائيلية.[1]
شنّ الجيش الصهيوني هجومًا واسع النطاق، تمكّن خلاله من الوصول إلى «بيروت» عاصمة «لبنان» في غضون ثلاثة أيام من التقدم السريع و بعد فرض حصار على المدينة و قطع المياه و الكهرباء عنها، أقدم على قتل مواطنين لبنانيين و لاجئين فلسطينيين، كما هاجم أجزاءً من غربي و جنوبي الأراضي السورية.[2]و في رسالة أصدرها «الإمام الخميني»، أدان العدوان الإسرائيلي الوحشي على جنوب «لبنان» و «سوريا»، واستهلّ بيانه بالآية الكريمة: ﴿إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، معربًا عن استيائه من صمت الدول الإسلامية و لامبالاتها تجاه هذه المأساة.
و جاء في الرسالة التي أصدرها بتاريخ 7 يونيو 1982م (17 خرداد 1361هـ. ش): «إنني لا أقول كلمة الاسترجاع المباركة بسبب جرائم إسرائيل و استشهاد و إصابة أعداد كبيرة من المسلمين المظلومين في جنوب «لبنان» العزيز و إن كان ذلك يستوجب الاسترجاع أيضًا... و إنما أقول الاسترجاع بسبب دعم كثير من الحكومات لإسرائيل و «صدام»، هذين الولدين غير الشرعيين لأمريكا».[3]عقب ذلك، أقرّ «المجلس الأعلى للدفاع» برئاسة آية الله «السيد علي الخامنئي» إرسال جزء من لواء «محمد رسول الله» (صلى الله عليه وآله) مع اللواء «58 ذو الفقار» التابع للقوات البرية للجيش إلى «لبنان» و تقرر أن تتحرك هاتان القوتان ضمن تشكيل قتالي موحّد يحمل اسم «قوات محمد رسول الله» (صلى الله عليه وآله)، بقيادة الحاج «أحمد متوسليان»، إلى أراضي سوريا.[4]
وصلت الدفعة الأولى من «قوات محمد رسول الله» (صلى الله عليه وآله) إلى مطار «دمشق» مساء يوم السبت 11 يونيو 1982م (21 خرداد 1361هـ. ش).[5]و ما إن أُذيع خبر وصول القوات الإيرانية إلى «دمشق»، حتى اتخذت الحكومة الإسرائيلية إجراءات غير مسبوقة. فبعد وصول أول طائرة تقلّ هذه القوات مباشرة، أعلنت «إسرائيل» وقفًا أحادي الجانب لإطلاق النار و كان ذلك أول خطوة في إطار انسحاب تكتيكي.[6]بعد رفع التقارير و المشاهدات الميدانية للمسؤولين العسكريين إلى القائد العام للقوات المسلحة، أكّد الإمام «الخميني» للمسؤولين السياسيين و العسكريين في البلاد أن الهجوم الإسرائيلي على سوريا و لبنان لم يكن سوى مؤامرة تهدف إلى صرف إيران عن قضيتها الأساسية، المتمثلة في مواصلة الحرب ضد نظام «صدام» المعتدي و المشعل للحرب.[7]
في 21 يونيو 1982م (31 خرداد 1361هـ. ش)، رسم الإمام «الخميني» في خطابه الشهير بحسينية «جماران» الاستراتيجية الدفاعية للبلاد لمواصلة الحرب من خلال معادلته المعروفة: «الطريق إلى القدس يمرّ عبر كربلاء».[8]و قال في هذا الخطاب: «يجب أن تعود القوات سريعًا؛ لأن إسرائيل تريد أن تُبعدنا عن حربنا الأساسية. إنهم يعلمون مدى حساسيتنا تجاه «فلسطين» و لذلك شنّوا هجومهم لكي يُشغلونا عن جبهاتنا الأصلية. قد انطلت علينا هذه المؤامرة إلى حدٍّ ما.[9]... لقد دبّروا مؤامرة لصرف أنظارنا نحو «لبنان» و من هذا الطريق يوجّهون إلينا الضربة... إن منهجنا يقوم على أن يتحرر «العراق» أولًا من شرّ هؤلاء المفسدين و الغاصبين، ثم بعد ذلك، إن شاء الله، نتجه إلى «القدس».[10]... نحن نريد تحرير «القدس» ولكن لا يمكننا تحقيق ذلك من دون إنقاذ «العراق» من هذا الحزب المشؤوم. نحن نعدّ لبنان جزءًا منّا، غير أن المقدمة الضرورية لإنقاذ «لبنان» هي إنقاذ العراق. فلا ينبغي أن نترك المقدمة و نتوجه مباشرة إلى ذي المقدمة بلا رابط و نستهلك جميع إمكاناتنا هناك، بينما يُحكم العراق تثبيت أوضاعه و مواقعه».[11]
سجّل «هاشمي رفسنجاني» في مذكراته اليومية لعام 1982م (1361هـ. ش) نتائج اجتماع «المجلس الأعلى للدفاع» الذي عُقد صباح 29 يونيو 1982م (8 تیر 1361هـ. ش) للبتّ في مسألة الوجود العسكري الإيراني على الجبهة السورية-اللبنانية، قائلًا: «في الساعة العاشرة صباحًا، عقد المجلس الأعلى للدفاع اجتماعًا في مكتب السيد رئيس الجمهورية... واتخذنا أيضًا قرارات بشأن عدم إرسال قوات إلى سوريا و في المحصلة توصلنا إلى أن هذا القرار كان في محلّه... ثم حضر السفير السوري و أبدى ارتياحه لأننا أعطينا الأولوية للحرب مع العراق، و لأن عدم إرسال قوات من «إيران» لن يفرض عليهم ضغوطًا لمواصلة القتال و كان يقول: إن إسرائيل استخدمت أسلحة جديدة غير معروفة و نحن في الوقت الراهن لا نرغب في خوض حرب معها».[12]
المصادر والمراجع
- [1]. بهزاد، حسین؛ بابایی، گل علی، همپای صاعقه (رفقة الصاعقة)، تهران، دار النشر: «سوره مهر»، 2000م (1379هـ. ش)، ص754.
- [2]. بابایی، گل علی، در هاله ای از غبار (في هالةٍ من الغبار)، تهران، دار النشر «صاعقه»، 2012م (1391هـ. ش)، ص153– 154.
- [3]. بهزاد، حسین؛ بابایی، گل علی، همپای صاعقه (رفقة الصاعقة)، ص756
- [4]. المصدر نفسه، ص762.
- [5]. المصدر نفسه، ص776.
- [6]. بابایی، گل علی، در هاله ای از غبار (في هالةٍ من الغبار)، ص163.
- [7]. المصدر نفسه، ص181.
- [8]. المصدر نفسه، ص200.
- [9]. شیرعلی نیا، جعفر، دایرةالمعارف مصور تاریخ زندگی امام خمینی (الموسوعة المصورة لتاريخ حياة «الإمام الخميني»)، طهران، منشورات «سایان»، ص336.
- [10]. صحيفة الإمام، مجلد16، طهران، مؤسسة تنظيم و نشر آثار الإمام الخميني، 1999م (1378هـ. ش)، ص393.
- [11]. مرندی، مهدی؛ سلیمانی، داود، دفاع مقدس در اندیشه امام خمینی (الدفاع المقدس في فكر «الإمام الخميني»)، تهران، مؤسسة تنظيم و نشر آثار الإمام الخميني، الطبعة الرابعة، 2013م (1392هـ. ش)، ص127.
- [12]. بابایی، گل علی، در هاله ای از غبار (في هالةٍ من الغبار)، ص190– 191