اتفاق يونيو 1984
كان «اتفاق يونيو 1984» موافقةً بين إيران و العراق على وقف «حرب المدن» في عام1984م (1363هـ.ش) بناءً على طلب الأمين العام للأمم المتحدة، إلا أنّه لم يستمر بسبب خرقه من جانب العراق.إنّ استمرار الهجمات المدفعية على المدن السكنية و المدنيين كان من الأساليب المعتادة للعراق في الحرب المفروضة.في عام1984م(1363هـ.ش) اتخذ هذا الأسلوب أبعادًا جديدة،[1]إذ تعرّضت المناطق السكنية في «آبادان» منذ بداية مایو1984(أردیبهشت 1363ه.ش) لقصفٍ متواصل بالأسلحة الثقيلة العراقية.[2]
إلى جانب «آبادان»، تمثّل أبرز مظهرٍ عملي لحرب المدن، في هذه الفترة في الهجمات الجوية و الصاروخية العراقية على المناطق الكردية و بعض مدن غرب إيران، والتي بدأت منذ منتصف یونیو1984(خرداد1363ه.ش) مع الهجوم العراقي ذي الخسائر الكبيرة على «بانه» في 5 یونیو1984(15خرداد 1363ه.ش) استهدف العراق في خطوة غير مسبوقة تجمع أهالي «بانه» خلال مراسم ذكرى «15 خرداد».
في هذا الهجوم، أغارت 6 طائرات عراقية على المدينة في مرتين متتاليتين و قصفت 8 نقاط، من بينها موقع تجمع الناس في مراسم 5 یونیو1984«15خرداد1363ه.ش» و مبنى محافظة «بانه»، كما أطلقت الصواريخ و الرشاشات على المدنيين، ما أسفر عن 250 شهيدًا و 400 جريح.كان ثلثا الشهداء من القوات العسكرية و البقية من عامة الناس و المقاتلين المسلمين الكرد (البيشمركة). وقعت حرائق في بعض مناطق المدينة، وانقطع التيار الكهربائي.بسبب الخوف من تكرار الهجوم، غادر السكان المدينة و لجؤوا إلى القرى المحيطة.[3]
بالتزامن مع هذا الهجوم، انتهكت المقاتلات العراقية المجال الجوي لمدن «كرمانشاه»، «گيلان غرب»، «همدان»، «نهاوند»، «دهلران» و «جوانرود»، و قصفت بعض المناطق السكنية في «نهاوند». واستمرت الهجمات الجوية العراقية على مدن غرب البلاد، إلى جانب قصف «آبادان» و «خرمشهر»، كما تعرّضت مدينتا «مسجد سليمان» و «دزفول» لهجمات صاروخية.
قد أدّت الهجمات الجوية و الصاروخية العراقية على المدن الإيرانية ولا سيما قصف المدنيين في «بانه» إلى تصعيد التهديدات الكلامية بين مسؤولي البلدين و إعلان حالة التأهّب للقوات العسكرية لتنفيذ هجماتٍ مضادة في إطار حرب المدن.بعد أيام قليلة من بدء العراق لهذه الحرب، شنّت إيران، في خطوة انتقامية، هجمات جوية على منشآت مدينتي «علي شرقي» و «علي غربي» و قصفت مدنًا حدودية عراقية في جنوب البلاد.
مع تصاعد «حرب المدن»، أعلن القيادة المشتركة للجيش الإيراني، أنّ صواريخ العراق جاهزة للإطلاق قرب «البصرة» و أنّ قاعدة الشعيبية الجوية العراقية أعلنت استعدادها لتنفيذ هجمات جوية و صاروخية على أهداف داخل إيران.في ظل هذا الوضع، حيث كانت الهجمات الجوية و الصاروخية و المدفعية العراقية على المدن و المناطق السكنية الإيرانية مستمرة، إلى جانب الهجمات الجوية و المدفعية الإيرانية المحدودة على المناطق السكنية و الصناعية العراقية، وجّه «خافيير بيريز دي كويار»، الأمين العام للأمم المتحدة، رسالتين منفصلتين إلى رئيسي جمهوريتي إيران و العراق.[4]و طلب منهم أن يوقفوا الهجمات العسكرية على المناطق السكنية في بلدَي بعضهم البعض.
و أعرب في رسالته عن أسفه لتلقيه خبر الخسائر البشرية الكبيرة بين المدنيين في الغارة الجوية على مدينة «بانه» في 5 یونیو 1984(15 خرداد 1363ه.ش) التی أقرّتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر و كذلك الهجمات الانتقامية المتبادلة على مدن إيران و العراق التي تلت ذلك.و أشار إلى أنّ المجتمع الدولي لا يمكنه تجاهل الهجمات العسكرية المتعمّدة على المناطق المدنية و لذلك يجب وقف هذه الهجمات فورًا.
بناءً على ذلك، طلب «دي كويار» من حكومتي العراق و إيران وقف الهجمات العسكرية عبر القصف الجوي، إطلاق الصواريخ و القصف المدفعي على المناطق المدنية بالكامل و الامتناع عن تكرارها مستقبلًا.أشار الأمين العام للأمم المتحدة إلى حلول شهر «رمضان»، واعتبر إعلان وقف إطلاق النار خلال هذا الشهر أمرًا مناسبًا، مضيفًا أنّه في حال تلقيه ردًا إيجابيًا سريعًا من الطرفين، سيكون مستعدًا لإعلان وقف إطلاق النار باسم المجتمع الدولي في 12 يونيو 1984(22خرداد1363ه.ش) عند الساعة 12:00 بتوقيت غرينيتش.[5]
قد لقي هذا الطلب من الأمين العام للأمم المتحدة ترحيبًا من إيران و العراق و أعلن الطرفان موافقتهما على وقف الهجمات ضد المدنيين و بدأ تنفيذ الاتفاق في 12يونيو 1984(22 خرداد 1363ه.ش) عند الساعة 12:00 بتوقيت غرينيتش.
للمرة الأولى خلال ثلاث سنوات و نصف من الحرب، توقّفت الهجمات على المدنيين رسميًا منذ فجر 12یونیو1984(22خرداد 1363ه.ش) و تمّ إعلان وقف إطلاق النار في حرب المدن.أصدر رئيس جمهورية إيران أوامر للقوات المسلحة بوقف أيّ قصف أرضي أو جوي على المدن و المناطق السكنية في العراق، و أنه في حال قيام العراق بقصف مدفعي أو إطلاق صواريخ أو تنفيذ هجوم جوي على المدن و المناطق السكنية في إيران، تقوم الوحدات المسلحة بالرد وفق أوامر مقر القيادة العامة للقوات المسلحة.
مع إعلان وقف الهجمات على المدنيين، امتنع العراق و للمرة الأولى عن مهاجمة المناطق السكنية في «آبادان» و أبلغ الأمين العام للأمم المتحدة في رسالة رسمية التزامه بوقف الهجمات على المدنيين، لكنه ربط استمرار ذلك، بالتزام إيران بالمثل.رحّب الأمين العام للأمم المتحدة بوقف الهجمات على المدنيين و وجّه رسائل منفصلة إلى رئيسي جمهوريتي إيران و العراق، شكرهما فيها على استجابتهما الإيجابية لطلب الأمم المتحدة و امتناعهما عن مهاجمة المناطق السكنية.[6]
بناءً على هذا الاتفاق و بناءً على طلب الأمين العام للأمم المتحدة، تقرّر أن تُرسل هيئات المراقبة التابعة للأمم المتحدة إلى «طهران» و «بغداد»[7] للإشراف على تنفيذ بنود الاتفاق. قد وصلت المجموعات الموفدة إلى طهران و بغداد من 20 إلى 26 يونيو 1984(30 خرداد إلی 5 تیر 1363ه.ش) و قد تواجدت في مقارّ مهمّاتها استجابةً لطلبات التحقيق المقدَّمة من الدولتين المضيفتين.[8]
رغم الاتفاق بين إيران و العراق، فقد تجاهل العراق مرارًا «اتفاق 12يونيو».[9]فعلى سبيل المثال، في14یونیو1984( 24 خرداد 1363ه.ش) استهدف مدينة «آبادان» بقذائف المدفعية و الهاون.[10]و في17یونیو1984(27خرداد1363ه.ش) تعرّضت«آبادان» في مرتين لقصفٍ بالأسلحة الثقيلة العراقية.[11]و على إثر هذه الاعتداءات، قدّمت إيران رسالة احتجاج إلى «الأمم المتحدة».[12]بعد تلقي الأمم المتحدة هذا الإخطار، أرسلت «هيئة المراقبة» المتمركزة في طهران لزيارة المناطق المستهدفة و أقرّ المفتشون في تقريرهم إلى مجلس الأمن» صحة هذه الهجمات.[13]
بالتزامن مع استمرار الهجمات العراقية على المناطق المدنية في إيران، حاول العراق اتهام إيران بخرق الاتفاق المتعلق بوقف الهجمات على المناطق السكنية، بهدف تبرير أعماله.في هذا السياق، ادّعى العراق في بيان عسكري بتاريخ 15 سبتمبر 1984(24 شهریور 1363ه.ش)[14]أنّ المدفعية الإيرانية قصفت ضواحي «البصرة» في12سبتمبر1984(21 شهریور1363ه.ش) ما أدى إلى مقتل شخص واحد و إصابة 6 آخرين، بينهم 3 أطفال و تدمير 6 منازل.[15]
بناءً على هذه الادعاءات و طلب العراق من الأمم المتحدة التحقيق، بدأ خبراء الأمم المتحدة تحقيقاتهم في منطقة «البصرة» و في 19 سبتمبر1984(28 شهریور1363ه.ش) أعلن الأمين العام، استنادًا إلى تقرير الخبراء، رفض ادعاء العراق بشأن قصف إيران لمنطقة سكنية في البصرة و في 19 سبتمبر1984(28 شهریور1363ه.ش) أيضًا، أبلغت إيران الأمين العام عبر رسالة رسمية 77 موردًا من الهجمات العراقية على مناطق غير مدنية، معظمها في «آبادان» و «خرمشهر»، من 13یونیو إلی 8 سبتمبر1984(24 خرداد إلی 17 شهریور 1363ه.ش).
رغم اعتراضات إيران على الهجمات العراقية ضد المناطق المدنية، استمر هذا النهج بدرجات متفاوتة. في مارس 1985(اسفند 1363ه.ش) حين شعر العراق بأنّ إيران تستعد لتنفيذ عملية واسعة على الجبهة، كثّف هجماته على المناطق السكنية في إيران و قبل أسبوع من بدء عملية «بدر» 10 مارس 1985(19 اسفند 1363ه.ش) أدّت الهجمات الجوية و الصاروخية العراقية على 10 مدن إيرانية إلى قيام إيران بردٍّ مماثل و هكذا بدأت حرب المدن بين البلدين.[16] و فقد «اتفاق يونيو 1984» فعاليته عمليًا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منابع و ارجاعات:
- [1] يزدانفام، محمود،«یومیّات الحرب الإیرانیة‑العراقیة،ـ بداية حرب ناقلات النفط»، المجلد 31، طهران، مركز الوثائق و بحوث الدفاع المقدس، 2018م(1397 ه.ش.)، ص 23.
- [2] المصدر نفسه، ص 57.
- [3] المصدر نفسه، ص 23.
- [4] المصدر نفسه، ص 24.
- [5] المصدر نفسه، ص 587.
- [6] المصدر نفسه، ص 25.
- [7] غلامي، فتاح، بازخوانی یک پرونده تاریخی: جنگ شهرها«إعادة قراءة ملف تاريخي: حرب المدن»، موقع «عصر إيران» الإخباري التحليلي، 23 سبتمبر 2007م(1386ه.ش.)،الرابط: https://www.asriran.com/fa/news/25826
- [8] نعمتی وروجنی، یعقوب و حجتالله کریمی (یومیّات الحرب الإیرانیة‑العراقیة:الجمود في الجبهة، التحرك في الدبلوماسية)، مجلد 32، طهران،مركز الوثائق و بحوث الدفاع المقدس ، 2019 (1398 ه.ش.)، ص 873.
- [9] غلامي، فتاح، المصدر نفسه.
- [10] يزدانفام، محمود، المصدر نفسه، ص 631.
- [11] المصدر نفسه، ص 657.
- [12] المصدر نفسه، ص 683.
- [13] «غلامي، فتاح، المصدر نفسه.
- [14] نعمتي وروجني، المصدر نفسه، ص 22.
- [15] المصدر نفسه، ص 23.
- [16] المصدر نفسه.