الأمراض الحربية

كانت التسمم الغذائي، التيفود، الإسهال الدموي البكتيري، داء الجيارديا، الأمراض الفطرية الجلدية، الجرب، داء الليشمانيات، التهاب السحايا، عدوى المسالك البولية، الملاريا، البلهارسيا، الإنفلونزا، تشنجات العضلات من الأمراض الشائعة بين المقاتلين في المناطق العملياتية خلال الحرب المفروضة.

خلال عمليات الإرسال العمليات العسكرية، يؤدي مزيج من العوامل النفسية و البيئية و الفيزيائية إلى تغير في جهاز المناعة لدى الأفراد العسكريين، مما يؤدي في النهاية إلى انتشار الأمراض الوبائية في المناطق الحربية. و لهذه الأمراض تأثير مهم على العسكريين و قد تؤدي إلى إلغاء عملية عسكرية أو شلّها. من أمثلة تأثير الأمراض على مجرى القتال في ساحة المعركة: شلّ جيش «خشايارشاه» بسبب الإصابة بالإسهال و شلّ جيش «تيمور لنك» بسبب الكوليرا، موت «الإسكندر و رفاقه» بسبب الملاريا في العصور القديمة و هزيمة الجيش الألماني في الاتحاد السوفييتي بسبب الإصابة بالصقيع.⁠[1]

مع بداية الحرب المفروضة، انتشرت أمراض مختلفة بين القوات العسكرية الإيرانية و تولت الطبابة القتالية مهمة مواجهة انتشار الأمراض و علاج المرضى. تُقسم الأمراض الحربية الشائعة في الدفاع المقدس من حيث مصدر انتشارها إلى: «الأمراض الهضمية»، «الأمراض الجلدية»، «الأمراض المعدية»، «الأمراض الطفيلية»، «الأمراض الفيروسية» و «الأمراض الناتجة عن ضعف اللياقة البدنية للمقاتلين». رغم أن المقاتلين الإيرانيين كانوا أكثر التزاماً بالنظافة الشخصية و العامة مقارنة بالقوات العراقية لأسباب متعددة مثل الثقافة و المعتقدات الدينية و المتطلبات الشرعية، إلا أن نقص الإمكانيات و المناخ غير المناسب و القيود الحربية و غيرها أدت إلى انتشار الأمراض بين القوات.

كانت اضطرابات الجهاز الهضمي العامل الأول و الأهم في ظهور الأمراض بين المقاتلين و سببها عوامل متعددة مثل التوتر، ضغط الحرب، المشاكل الأساسية و الطفيليات. كان التسمم الغذائي من أكثر الأمراض الهضمية شيوعاً، خاصة أثناء العمليات، حيث ينتشر عبر تناول طعام أو مياه شرب غير صحية أو تناولها في ظروف غير صحية. كان الإسهال، القيء، الألم، تشنجات العضلات، الجفاف و الخمول من الأعراض الشائعة للتسمم الغذائي في الدفاع المقدس و كانت الأدوية الكيميائية، اللبن، الحنزاب، خل التفاح، شاي الزنجبيل و الليمون الطازج من الطرق الشائعة لعلاج هذه الأمراض.⁠[2]

من الأمراض الهضمية الشائعة الأخرى في الحرب، «التيفود» و شبه التيفود و كان الأطباء يعتمدون في التشخيص و العلاج بشكل أساسي على أعراض مثل الحمى المستمرة، الخمول، الذهول، هزال الوجه، تقعر ما تحت العينين.⁠[3] و من الأمراض الهضمية التي شوهدت بين المقاتلين، الإسهال الدموي البكتيري المعروف بـ «الشيغيلوز». كان هذا المرض يظهر بشكل حالات فردية و متفرقة و نادراً ما شوهد بشكل وبائي في الجبهات. كان ينتقل في الغالب عبر الماء، الطعام، الفم و الجهاز الهضمي و غالباً ما كان مصحوباً بإسهال مائي و دموي. كانت وحدات الصحة القتالية تقوم بتثقيف القوات حول نظافة الماء، الطعام و غسل اليدين قبل الأكل و الشرب للوقاية من الإصابة بهذا المرض.⁠[4]

كان داء الجيارديا أو عدوى الجهاز الهضمي و المرض الإسهالي من الأمراض الشائعة الأخرى في الحرب المفروضة و ينتقل عبر الاتصال بالمصابين أو تناول طعام أو شرب مياه ملوثة.⁠[5]من الأمراض الهضمية الشائعة الأخرى في الجبهات اضطرابات المعدة و الاثني عشر و كان التوتر، ضغط الحرب، الجهد المستمر و الطويل الأمد و أحياناً سوء التغذية و وجود تاريخ مرضي بقرحة المعدة و الاثني عشر من الأسباب الرئيسية لهذا المرض.⁠[6]

كانت الأمراض الجلدية الفئة الثانية من الأمراض الشائعة في المناطق الحربية و كانت تنشأ عادة من الطفيليات و الحشرات اللاسعة. كانت الأمراض الفطرية الجلدية من الأمراض الحربية في فترة الدفاع المقدس و تُصنف ضمن الأمراض الجلدية. كانت تُشاهد أكثر بين القوات البرمائية و الغواصين. كانت الرطوبة أحد العوامل المهمة و المؤثرة في إصابة المقاتلين بهذا المرض و كان يُعالج بالمراهم الموضعية أو الأدوية الغذائية أو الحقن.⁠[7]

كان «الجرب» من الأمراض الجلدية المعدية التي شوهدت في جبهات جنوب إيران و في حال إصابة أحد المقاتلين بالجرب كان يتم فحص جميع الأفراد الموجودين في تلك المجموعة. من الإجراءات الشائعة لمواجهة الجرب إنشاء مرافق مشابهة للحمامات للمصابين.⁠[8]

كان داء الليشمانيات (القرحة الشرقية) من الأمراض الجلدية الأخرى في المناطق الحربية و هو مرض معدٍ يسببه طفيل يُدعى «الليشمانيا» و ينتقل عبر لدغة نوع من ذباب الرمل من الشخص المصاب إلى الشخص السليم و يسبب جروحاً واسعة و طويلة الأمد في الأجزاء المكشوفة من الجسم مثل الوجه و الرقبة و اليدين، و أحياناً في الأجزاء المغطاة. في زمن الحرب سُجلت حالة واحدة فقط من هذا المرض في الجبهة. لا يوجد لقاح لداء الليشمانيات و أفضل طريقة للوقاية منه استخدام مراهم طاردة للحشرات و الرش بمبيد الـ «د. د. ت» و الالتزام بالنظافة الشخصية و نظافة البيئة و منع التلوث.⁠[9]

كانت الأمراض المعدية فئة أخرى من الأمراض الحربية التي أثرت على القوات المسلحة في الدفاع المقدس. و كان التهاب السحايا (أو السرسام) من الأمراض المعدية التي كان التطعيم ضدها يتم بكثرة في الجبهات و كان ينتقل عبر السعال، العطس، الجهاز التنفسي العلوي و من خلال الاتصال القريب من شخص إلى آخر أو عبر الأشياء الملوثة بإفرازات الجهاز التنفسي. نظراً لكثرة حالات الإصابة بالتهاب السحايا في الجبهات و لأن الأدوية الشائعة لهذا المرض في تلك الفترة لم تكن فعالة جيداً ضد بعض السلالات الميكروبية، استُخدم التطعيم ضد التهاب السحايا من عام 1984م (1363هـ. ش) حتى نهاية الحرب.⁠[10]

كانت عدوى المسالك البولية من الأمراض المعدية الأخرى في الدفاع المقدس و كانت ظروف الجبهات الصعبة و الحرجة من عوامل ظهور هذا المرض، حيث كان المقاتلون أحياناً يحبسون البول لساعات طويلة، إضافة إلى استخدام المياه الملوثة للطهارة و الاستحمام، دخول المياه الملوثة في الأنهار، المشي في المستنقعات الملوثة و البقاء في الخنادق الرطب و التوتر.⁠[11] كانت الأمراض الطفيلية فئة أخرى من الأمراض الحربية الشائعة في الدفاع المقدس و كانت تُشاهد أكثر في المناطق الجنوبية من البلاد. كانت الملاريا (مرض حمى الملاريا) أكثر أنواع الأمراض الطفيلية شيوعاً في المناطق الحربية.⁠[12]

كانت البلهارسيا من الأمراض الطفيلية الأخرى المستوطنة في محافظتي «خوزستان» و «كرمانشاه» و ظهرت مراراً بين المقاتلين المتمركزين في الجبهة الجنوبية و في بعض الحالات في محافظة «كرمانشاه»، منذ بدء الأنشطة البرمائية في الجبهات. كان هذا المرض يصيب بالإضافة إلى المسالك البولية، الكبد و الجلد أيضاً و للتصدي لهذا المرض كان يتم رش المناطق الملوثة بالديدان و القواقع الناقلة.⁠[13]

من بين أنواع الأمراض الحربية، كانت الأمراض ذات المنشأ الفيروسي الأقل تنوعاً و كانت الإنفلونزا المرض الفيروسي الوحيد في المناطق الحربية. في الدفاع المقدس لم يكن لقاح الإنفلونزا متوفراً بكثرة كما هو اليوم و كان استخدامه محدوداً، لكن في السنوات الأخيرة من الحرب عندما انتشر فيروس هذا المرض، قدمت منظمة الصحة العالمية خططاً و أصبح استخدام لقاح الإنفلونزا شائعاً، و ستُخدمت أنواع اللقاحات متعددة التكافؤ في المراكز التدريبية خاصة مع بداية فصل الخريف.⁠[14]

كان العامل الأخير الشائع لظهور الأمراض بين القوات ضعف اللياقة البدنية للمقاتلين، مما أدى إلى ظهور تشنجات عضلية لديهم. كانت التقلصات العضلية من الأمراض الشائعة الأخرى في الدفاع المقدس و كانت تصيب غالباً القوات الجديدة بسبب التدريبات البدنية الشديدة و المشي لمسافات طويلة و عندما كانت هذه الظاهرة تترافق مع حرارة المناطق الجنوبية، التعرق الشديد و فقدان كميات كبيرة من صوديوم الدم، كان الألم يشتد.⁠[15]

بالطبع كانت كل هذه الأمراض غير المضاعفات الناتجة عن استخدام العراق للأسلحة الكيميائية التي كان المقاتلون يعانون منها، والتي كانت تُعالج بشكل خاص. لرعاية المرضى الذين كانوا يمرون بمرحلة نقاهة المرض، استغلت وحدة الطبابة القتالية التابعة لحرس الثورة الإسلامية، مراكز نقاهة في الجنوب و الغرب و  الشمال الغربي من البلاد بمجموع 12140 سريراً، منها: «أنصار الحسين»، «الشهيد خداپرست»، «سيد الشهداء»، «ولي العصر» (عج)، «الشهيد باكري»، «شوشتر»، «جامعة جمران» في «الأهواز»، «القاعدة الجوية» في «دزفول»، مركز إعادة بناء القوى البشري في مقر «الأهواز»، «خاتم الأنبياء» (ص)، «فاطمة الزهراء» (س)، «الشهيد رهنمون»، «الشهيد دشتبان»، «ثامن الأئمة» (ص)، «ثار الله» (ع) في الجنوب، «شهداء إيلام»، «بهمن» في «كرمانشاه»، «فارابي» في «كرمانشاه»، مقر إخلاء مطار «إسلام آباد»، «إلهية»، ثكنة «الله أكبر»، نادي شركة النفط في «كرمانشاه»، ثكنة «أبوذر»، «گيلانغرب»، «الشهيد نجمي» في «سرپل ذهاب»، «تازه آباد» في «كرمانشاه»، «پاوه» في غرب البلاد، «أورمية»، «نقده»، «مهاباد»، «مراغة»، «مياندوآب»، «أشنوية»، «پيرانشهر»، «سردشت»، «بوكان»، «بانه»، «سقز»، «سنندج»، «مريوان» و «سروآباد» في الشمال الغربي.⁠[16]

بالإضافة إلى علاج المرضى، وضعت وحدات الطبابة القتالية في برنامج عملها لمنع انتشار الأمراض و تحسين صحة المناطق القتالية: مكافحة الحشرات الناقلة للأمراض، مكافحة العقارب و الثعابين، تطهير و دفن جثث العسكريين العراقيين و الحيوانات، الإشراف على توفير و تسليم مياه الشرب النظيفة، الإشراف على توفير و تسليم الطعام الصحي، توفير المواد و الإمداد و اللوجستيات الصحية، تحديد مواقع المعسكرات و القوات و الإمكانيات الصحية المطلوبة، حماية الخيام و الكبائن و صهاريج المياه و أماكن الصلاة، توفير الإضاءة و التهوية اللازمة، تركيب لوحات إرشادية، الإشراف على شق الطرق و الأرصفة، توفير المياه النظيفة للاستحمام، الإشراف على جمع النفايات و وضع حاويات النفايات و التخلص منها، إنشاء المرافق الصحية مثل الحمامات و المغاسل و المراحيض و آبار المراحيض و أماكن الوضوء.⁠[17]

كان التطعيم الإجباري ضد أمراض مختلفة مثل الكزاز و التهاب السحايا، قبل الإرسال و أثناء التواجد في المنطقة و تسجيله في بطاقة تطعيم المقاتلين، من الإجراءات الأخرى لوحدات الطبابة القتالية لمواجهة انتشار الأمراض.⁠[18] أدت إجراءات وحدات الطبابة القتالية في مواجهة انتشار الأمراض من جهة و التزام المقاتلين بالمسائل الصحية من جهة أخرى، إلى انتهاء الحرب المفروضة دون حدوث وباء للأمراض المعدية بين المقاتلين.⁠[19]

في حين أنه في أقرب حرب من حيث الزمان و المكان-حرب الخليج الأولى في العراق- أصيب ما بين 15 إلى 20 ألف جندي أمريكي و 4 آلاف من جنود الدول الحليفة لأمريكا بمجموعة من الأعراض مثل آلام المفاصل، التعب المزمن، ضعف الذاكرة، الصداع، ضعف التركيز، اضطرابات النوم، الطفح الجلدي و الشرى، الاكتئاب،   تشنجات العضلات، العصبية، الإسهال، ضعف الرؤية، القلق، المشاكل التنفسية، آلام الصدر و القلب، الدوخة،   الغثيان، آلام المعدة، زيادة الحساسية للمواد الكيميائية المختلفة، ضعف التوازن، السعال المتكرر و نزيف اللثة؛ و بعد عجز الأطباء الأمريكيين عن تحديد أسباب هذه الأعراض و علاجها، أطلقوا على هذه الحالة اسم «مرض الخليج الفارسی».⁠[20]


المصادر والمراجع

  • [1]. امینیان‌ فر، محمد و زملائه، «پیشگیری از بیماری‌ های عفونی در اعزام‌ های نظامی» (الوقاية من الأمراض المعدية في البعثات العسكرية)، المجلة العلمية البحثية لجامعة العلوم الطبية التابعة لجيش جمهورية إيران الإسلامية)، السنة العاشرة، العدد 1، ربيع عام 2012م (1391هـ. ش)، ص88؛ صحيفة «دنياي اقتصاد»، العدد 2735، السبت، 15 سبتمبر 2012م (25 شهریور 1391هـ. ش)، ص31.
  • [2]. صفایی هوادرق، مهناز و زملائها، «بررسی عملکرد بهداشت رزمی در دفاع مقدس» (دراسة أداء الخدمات الصحية القتالية في الدفاع المقدس)، مجلة الجمعية الإيرانية للتخدير و الرعاية المركزة، السنة الثانية و الأربعون، العدد 107، ربيع عام 2019م (1398هـ. ش)، ص51 و52.
  • [3]. المصدر نفسه، ص52.
  • [4]. المصدر نفسه، ص52 و53.
  • [5]. المصدر نفسه، ص50 و51.
  • [6]. المصدر نفسه، ص50.
  • [7]. المصدر نفسه، ص49.
  • [8]. المصدر نفسه، ص49 و50.
  • [9]. المصدر نفسه، ص47 و48.
  • [10]. المصدر نفسه، ص47.
  • [11]. المصدر نفسه، ص53.
  • [12]. المصدر نفسه، ص48 و49.
  • [13]. المصدر نفسه، ص53.
  • [14]. المصدر نفسه، ص48.
  • [15]. المصدر نفسه، ص50.
  • [16]. اخوان مهدوی، احمد، «مروری بر نقاهتگاه‌ های عملیات دفاع مقدس» (استعراض لمراكز النقاهة في عمليات الدفاع المقدس)، المجلة الفصلية للخدمات الطبية القتالية للدفاع المقدس والمقاومة، المجلد الأول، العدد 2، أكتوبر 2018م (مهر1397هـ. ش)، ص116.
  • [17]. صفایی هوادرق، مهناز و زملائها، المصدر نفسه، ص53– 55.
  • [18]. مهرابی توانا، علی، «ایمونیزاسیون در جنگ» (التحصين في الحرب)، المجلة الفصلية للخدمات الطبية القتالية للدفاع المقدس و المقاومة، المجلد الثاني، العدد 1، ربيع عام 2019م (1398هـ. ش)، ص50– 52.
  • [19]. وكالة «فارس» للأنباء، https://farsnews.ir/social/1317116340000808718.
  • [20]. خوشینی، سامان و آخرون، «بیماری جنگ خلیج فارس ((Persian Gulf War Illness) (مرض حرب الخليج الفارسي)، مجلة «كوثر» الفصلية الطبية، العدد 24، صيف عام 2002م (1381هـ. ش)، ص177.

إكمال أو تعديل أو الإبلاغ عن خطأ