عملية مرواريد

تُعد عملية مرواريد إحدى العمليات النوعية الناجحة للقوات البحرية لجيش الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والتي نُفذت بإسناد جوي مباشر في 28 نوفمبر 1980. استهدفت العملية تدمير ميناء 'أم القصر' الاستراتيجي وشل منصتي 'البكر' و'العمية' النفطيتين العراقيتين في مياه أروندرود، وذلك استكمالاً لعمليتي 'أشكان' و'الشهيد صفري'. وبناءً على النتائج الحاسمة لهذه العملية، أُعلن هذا التاريخ (28 نوفمبر 1980) يوماً للقوات البحرية.⁠[1]
عقب اندلاع الحرب المفروضة رسمياً في أواخر سبتمبر 1980، سعت القيادة العراقية إلى تقويض العمق الاستراتيجي الإيراني لتحقيق مآربها، حيث وضعت تدمير المراكز الاقتصادية ومنشآت تصدير النفط كأولوية عملياتية.⁠[2] وفي المرحلة الافتتاحية للصراع، وجهت الهجمات العراقية ضربات قاصمة للبنية التحتية النفطية.⁠[3] وقد اعتمدت البحرية العراقية في عدوانها على السفن التجارية شمال الخليج الفارسي على زوارق الصواريخ من طراز (أوزا) ومروحيات (سوبر فريلون) المسلحة بصواريخ 'إكسوسيت' الجوالة. ولمجابهة هذا المسعى، أصدرت هيئة الأركان المشتركة تكليفاً عملياتياً تحت مسمى 'خطة ذوالفقار'، يقضي بفرض السيطرة البحرية لتأمين خطوط المواصلات اللوجستية ومنع العدو من اختراقها أو تعطيل الملاحة بها.⁠[4]
تمثلت الخطوة الاستباقية لسلاح البحرية في تنفيذ هذه المهام بتشكيل "مجموعة 421 القتالية" ضمن المقر العملياتي البحري في 'بوشهر'. تأسست هذه المجموعة، التي عُرفت لاحقاً بالقوة القتالية، في 21 سبتمبر 1980 بقيادة العقيد البحري 'مصطفى مدني نجاد' لإحكام السيطرة العملياتية على الوحدات البحرية.⁠[5]

وضمن العقيدة الدفاعية لتحييد خطر زوارق الصواريخ العراقية وتأمين السفن التجارية، وُضعت خطة تدمير مينائي 'البكر' و'العمية' على جدول أعمال القوات البحرية. وبناءً عليه، شنت المروحيات والمدفعية البحرية، بإسناد جوي، هجومين مكثفين في أواخر أكتوبر وأوائل نوفمبر 1980 ضمن عمليتي 'أشكان' و'الشهيد صفري'. أسفرت هاتان العمليتان عن إلحاق دمار واسع النطاق بالأرصفة والمنشآت الحيوية، مما أدى إلى شلل شبه تام في عمليات تصدير النفط العراقي. ويُعزى ذلك إلى أن رصيفي 'البكر' و'العمية' كانا يشكلان المحاور الرئيسية ومنافذ التصدير الأساسية للنفط في العراق قبل تنفيذ هذا الاستهداف.⁠[6]

شهدت الفترة الختامية من شهر تشرين الثاني 1980 زيادة في وتيرة العمليات البحرية العراقي، حيث اعتمدت زوارق العدو تكتيك 'الضرب والهروب' والتحصن تحت أرصفة 'البكر' و'العمية' عقب مهاجمة القطع التجارية.⁠[7] وبناءً عليه، قررت قوة 421القتالية، بهدف وضع حدٍ لنشاطات العدو في شمال الخليج الفارسي وتثبيت السيادة البحرية الإيرانية، استغلال منصات 'البكر' و'العمية' كنقاط مراقبة متقدمة ورؤوس جسور لرصد تحرکات القطع البحرية والجوية والتجارية المعادية المنطلقة من ميناء 'أم القصر' و'الفاو'. وفي هذا الصدد، تم صياغة أمر عمليات 'درفش' مع إسناد مهام الدعم الناري والدفاع الجوي لسلاح الجو، وقد عُدّل مسمى العملية لاحقاً إلى 'عملية مرواريد'.⁠[8] شمل مسرح العمليات رقعة جغرافية بطول 400 كم (من بوشهر إلى أقصى شمال الخليج الفارسي) وبعرض 50 كم، حيث بلغت المساحة الإجمالية لمنطقة العمليات 20,000 كم مربع تحت القيادة المباشرة لمقر عمليات 421 القتالي.⁠[9]

تم تجهيز فريق التخريب والاستطلاع بكامل معداتهم التقنية، وكان من المقرر انطلاق العملية في 25 نوفمبر 1980، إلا أنها أُرجئت بسبب الظروف الجوية والبحرية القاهرة. وخلال فترة الانتظار، نُفذت طلعات جوية استطلاعية بواسطة المروحيات وضباط الدوريات لجمع المعلومات التكميلية ومراقبة المنصات النفطية وتحركات العدو.⁠[10] تشكلت القوة المشاركة من: فريق عمليات خاصة مكون من 7 أفراد (قائد الفريق، ضابط استخبارات، ضابط إشارة، و4 مغاوير بحريين من فئة SBS)؛ ومروحيتين تابعين للطيران البحري لنقل الفريق، ومقطورة لنقل الذخائر والإمدادات؛ بالإضافة إلى زوارق صواريخ من لواء الأسطول السابع لتأمين عملية الأنزال وتأمين الاتصالات مع مقر العمليات 421، مع تغطية جوية من القاعدة الجوية السادسة في بوشهر.

في السادس والعشرين من نوفمبر، وبناءً على التقرير المرفوع من ضابط الاستطلاع الجوي، صَدَر تكليف لزورق صواريخ بقصف رصيف 'البكر' لتقدير الموقف وتحديد نقاط تمركز القوات العراقية فوق المنصة. تكرر هذا الإجراء في اليوم التالي، إلا أنه لم يتم رصد أي رد فعل قتالي من الجانب العراقي. وعقب تنفيذ ثلاث طلعات استطلاع جوي بواسطة المروحيات، اتخذت 'قوة 421 القتالية ' قراراً ببدء العمليات الهجومية في ظهيرة يوم السابع والعشرين من نوفمبر.⁠[11]

في ظهيرة يوم 27 نوفمبر 1980، أقلعت مفرزة العمليات الخاصة التابعة للمغاوير البحريين على متن مروحيتين من طراز (AB-212) ومروحية واحدة من طراز (SH-3D)، مع فرض حالة 'الصمت اللاسلكي' التام من قاعدة بوشهر البحرية. وفرت مقاتلات اعتراضية من طراز (F-14) ومحطة رادار بوشهر المظلة الجوية للتشكيل، بينما وُضعت الخصاصة 'بيكان' وسفينة إسناد لوجستي في حالة 'التأهب القتالي القصوى'. وفور تنفيذ الإنزال على منصة 'البكر'، نجح المغاوير في أسر القائد العراقي واثنين من مرافقيه، وجرى إخلاؤهم إلى بوشهر بعد استخلاص المعلومات الأولية منهم. تلا ذلك تنفيذ عملية تطهير شاملة للمنصة وإحكام السيطرة العسكرية عليها.⁠[12]

وفي تمام الساعة 20:30 من اليوم ذاته، بدأت المرحلة البحرية للعملية؛ حيث رست الخصاصة 'بيكان' في الجانب الجنوبي للمنصة بالتنسيق مع قائد المغاوير، ليتم نقل الأسرى إلى السفينة وتفريغ الذخائر والمعدات إلى الرصيف. وعقب ذلك، انخرطت 'بيكان' في اشتباكات ضارية مع القطع البحرية العراقية استمرت حتى 28 نوفمبر.⁠[13] وقد تكللت العملية المشتركة بين القوات البحرية والجوية بالنجاح في بسط السيطرة الكاملة على المنصة ورفع علم الجمهورية الإسلامية الإيرانية فوق المنشآت الحيوية للمنصة.⁠[14]

خلال هذه المرحلة من الاشتباك، تعرضت الخصاصة 'بيكان' لهجوم صاروخي عراقي أدى إلى غرقها، مما أسفر عن استشهاد عدد من طاقمها، وفي مقدمتهم قائد الخصاصة المقدم البحري محمد إبراهيم همتي، وإصابة آخرين.⁠[15] وعلى الفور، باشرت مروحيات القوة البحرية عمليات 'البحث والإنقاذ' (SAR)، حيث تمكنت من انتشال عدد من الناجين، بالإضافة إلى إنقاذ 19 عنصراً عراقياً نُقلوا كأسراء إلى بوشهر.⁠[16]

وبالإجمال، أسفرت 'عملية مرواريد' عن تدمير 12 قطعة بحرية عراقية وإعطاب 3 أخرى بشكل جسيم. كما تم إسقاط 11 طائرة عراقية، وبلغت خسائر العدو البشرية أكثر من 600 قتيل وجريح، بالإضافة إلى وقع 26 فرداً في الأسر. تمثلت المحصلة النهائية للعملية في شل القدرات القتالية للجزء الأكبر من القوة البحرية العراقية.

أدّى نجاح 'عملية مرواريد' إلى ترسيخ السيادة البحرية لسلاح البحرية في جيش الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لا سيما في قطاع شمال الخليج الفارسي.⁠[17] وتُعد هذه العملية تجربة عملياتية ثرية ونقطة تحول جوهرية في تاريخ العمليات المشتركة (الجو-بحرية)، حيث وضعت الحجر الأساس للتنسيق والتخطيط المتكامل بين القوتين الجوية والبحرية طوال سنوات الحرب الثماني.⁠[18] وقد برز الدور المحوري في هذه الملحمة لكل من القادة: الرائد حسين خلعتبری، والمقدم عباس دوران، والعقيد علیرضا یاسینی، والعقيد کیان ساجدی، والعقيد مهدی دادپی، والعقيد محمد ابراهیم کاکاوند.⁠[19]

وفي الثاني من ديسمبر 1980، وبعد مضي خمسة أيام على العملية، أعلن قائد القوة البحرية آنذاك، بهرام أفضلي، في بلاغ رسمي اعتماد تاريخ 28 نوفمبر 'يوماً للقوة البحرية'. كما تقرر إعادة تسمية 'المنطقة البحرية الثانية في بوشهر' لتصبح 'منطقة المقدم البحري الشهيد محمد إبراهيم همتي'، وتغيير مسمى 'لواء الأسطول السابع' -الذي يضم خصاصات بيكان- إلى 'لواء بيكان الأسطولي'.⁠[20]

 


منابع و ارجاعات:

  • [1] مسبوق، محمد؛ وجواهري، علي رضا. عملیات مروارید: حماسه بزرگ‌ترین عملیات مشترک هوا- دریای دفاع مقدس، هفتم آذر 1359(عملية مرواريد: ملحمة كبرى العمليات المشتركة (جو-بحر) في الدفاع المقدس، 28 نوفمبر 1980). طهران: ارتش جمهوری اسلامی ایران، نیروی هوایی، مرکز انتشارات راهبردی (جيش الجمهورية الإسلامية الإيرانية، القوة الجوية، مركز النشر الاستراتيجي)، 2015، ص 63.
  • [2] لطف الله زادكان، علي رضا. آشنایی با جنگ، ج2: پاسخ به ابهامات(التعريف بالحرب، ج2: الإجابة على التساؤلات). طهران: مرکز مطالعات و تحقیقات جنگ سپاه پاسداران انقلاب اسلامی،(مركز الدراسات والبحوث الحربية التابع لحرس الثورة الإسلامية)، 2000، ص 40.
  • [3] نافياس، مارتن؛ وهوتن، إي آر. جنگ نفتکش‌ها: حمله به کشتیرانی تجاری در جنگ ایران و عراق، مترجم: پژمان پورجباری، رحمت قره (حرب الناقلات: الهجوم على الملاحة التجارية في الحرب الإيرانية العراقية. ترجمة: بجمان بورجباري، رحمت قره). طهران: بنیاد حفظ آثار و نشر ارزش‌های دفاع مقدس (مؤسسة حفظ آثار ونشر قيم الدفاع المقدس)، 2013، ص 65 و66.
  • [4] مسبوق، محمد؛ وجواهري، علي رضا. عملية مرواريد، ص 63.
  • [5] المصدر السابق، ص 63 و64.
  • [6] نمكي عراقي، علي رضا؛ رمضاني، رضا؛ وجواهري، علي رضا. تاریخ نبردهای هوایی ارتش جمهوری اسلامی، ج6: عملیات مروارید و نصر نبردهای هوایی آذر و دی‌ماه 59(تاريخ المعارك الجوية لجيش الجمهورية الإسلامية، ج6: عمليتا مرواريد ونصر (المعارك الجوية لنوفمبر وديسمبر 1980). طهران: ارتش جمهوری اسلامی ایران، نیروی هوایی، مرکز انتشارات راهبردی (القوة الجوية، مركز النشر الاستراتيجي)، 2017، ص 38 و39.
  • [7] المصدر السابق، ص 39.
  • [8] مجلة صف الشهرية، العدد 382، نوفمبر 2012، ص 59.
  • [9] منصوري، مجيد. طلیعه پیروزی. طهران: ارتش جمهوری اسلامی ایران، نیروی دریایی، دفتر پژوهش‌های نظری و مطالعات راهبردی (جيش الجمهورية الإسلامية الإيرانية، القوة البحرية، مكتب البحوث النظرية والدراسات الاستراتيجية)، 2009، ص 131.
  • [10] سليماني سوادكوهي، شاهرخ. اقدامات و نتایج عملیات نیروی دریایی ارتش جمهوری اسلامی ایران در مقابله با تجاوزات و مداخلات عراق و نیروهای فرامنطقه‌ای در خلیج‌فارس(إجراءات ونتائج عمليات القوة البحرية للجيش في مواجهة الاعتداءات والتدخلات العراقية والقوى الأجنبية في الخليج الفارسي. طهران: ارتش جمهوری اسلامی ایران، دانشگاه فرماندهی و ستاد آجا (جيش الجمهورية الإسلامية الإيرانية، جامعة القيادة والأركان، منشورات "دافوس"، 2018، ص 206.
  • [11] اطلس عملیات‌های ماندگار نیروی دریایی: نیروی دریایی راهبردی ارتش جمهوری اسلامی ایران در هشت سال دفاع مقدس (أطلس العمليات الخالدة للقوة البحرية: القوة البحرية الاستراتيجية في ثماني سنوات من الدفاع المقدس). طهران: دار سورة مهر، 2016، ص 164 و165.
  • [12] مسبوق، محمد؛ وجواهري، علي رضا. عملية مرواريد، ص 96 و97.
  • [13] المصدر السابق، ص 105.
  • [14] أطلس العمليات الخالدة للقوة البحرية، ص 169.
  • [15] نیروی هوایی در عملیات مروارید (القوة الجوية في عملية مرواريد)، ص 61.
  • [16] سليماني سوادكوهي، شاهرخ. اقدامات و نتایج عملیات نیروی دریایی ارتش جمهوری اسلامی ایران در مقابله با تجاوزات و مداخلات عراق و نیروهای فرامنطقه‌ای در خلیج‌فارس (إجراءات ونتائج عمليات القوة البحرية للجيش في مواجهة الاعتداءات والتدخلات العراقية والقوى الأجنبية في الخليج الفارسي)، ص 214 و216.
  • [17] مجلة صف الشهرية، العدد 382، نوفمبر 2012، ص 45.
  • [18] نمكي عراقي، علي رضا؛ وآخرون. تاریخ نبردهای هوایی ارتش جمهوری اسلامی (تاريخ المعارك الجوية لجيش الجمهورية الإسلامية)، ج6، ص 88.
  • [19] القوة الجوية في عملية مرواريد، ص 61.
  • [20] سياري، حبيب الله؛ منصوري، مجيد؛ وجعفري جبلي، علي. تقویم تاریخ دفاع مقدس نداجا، ج6: مروارید، حوادث و رویدادهای یکم تا پانزدهم آذرماه 1359(تقويم تاريخ الدفاع المقدس للقوة البحرية (نداجا)، ج6: مرواريد، أحداث ووقائع الفترة من 22 نوفمبر إلى 6 ديسمبر 1980). طهران: ارتش جمهوری اسلامی ایران، نیروی دریایی، دفتر پژوهش‌های نظری و مطالعات راهبردی (القوة البحرية، مكتب البحوث النظرية والدراسات الاستراتيجية)، 2011، ص 359 و360.

تکمیل، ویرایش یا گزارش خطا