الأسرى الإيرانيون
خلال «الحرب المفروضة» التي شنّها العراق على إيران، وقع 40,214 من المقاتلين الإيرانيين و بعض المدنيين من سكان المناطق الحربية في الأسر لدى العراق. من بين هؤلاء، 574 أسيرًا تُوفّوا أو استُشهدوا أثناء فترة الأسر، بينما 500 شخص لجؤوا إلى العراق أو دول أخرى و عاد الباقون إلى إيران حتى عام 2003م(1382هـ.ش).
بعد الحرب العالمية الثانية، تمّ اعتماد عدد من القوانين المهمّة المتعلقة بحقوق أسرى الحرب، من بينها «اتفاقيات جنيف الأربع» والتي تُعتبر اتفاقية جنيف الثالثة منها بشأن معاملة أسرى الحرب منها ذات أحكام شاملة نسبياً تتضمن وجوب المعاملة الإنسانية، الحفاظ على أسرى الحرب و رعايتهم، الإعلان عن بياناتهم لبلدهم الأصلي و حظر إجبارهم على الكشف عن المعلومات.[1]
خلال ثماني سنوات من الدفاع المقدّس، بلغ مجموع الأسرى الإيرانيين لدى العراق 40,214 شخصًا،[2]سُجِّل منهم نحو 25,000 لدى اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بينما بقي الباقون في عداد المفقودين حتى نهاية الحرب و بداية تبادل الأسرى.[3] في هذه الفترة، تُوفّي أو استُشهد 574 أسيرًا إیرانیاً، كما لجأ 500 أسير إلى دول أخرى و لم يعودوا إلى إيران.[4]كان متوسط عمر الأسرى الإيرانيين 22 عامًا، في حين بلغ متوسط عمر خمسة أسرى أطفال قليلاً فوق سبع سنوات. أمّا أكبر الأسرى سنًا فكان يبلغ 97 عامًا عند أسره و قد أُطلق سراحه بعد 804 أيام.[5]
لا تتوفر إحصاءات دقيقة حول عدد الأسيرات الإيرانيات، إلا أنّ بعض المصادر تشير إلى وجود 171 أسيرة خلال الحرب المفروضة.[6] أطول مدة أسر كانت من نصيب الطيار «حسين لشکري»، الذي أصيب في حادث جوي و أسرته قوات البعث و عاد إلى الوطن بعد ثمانية عشر عاماً في 6 أبريل 1998(17 فروردین 1377هـ.ش).[7]
كان الحجة الإسلام «السيد علي أكبر أبو ترابي» (الراحل)، المعروف بـ «سيد الأحرار» (سيد آزادگان)، يُعتبر القائد الروحي للأسرى بفضل الخطط و الإجراءات التي قام بها في السجون العراقية.[8]
بعد أربعة أيام فقط من قبول إيران «القرار 598»، شنّ الجيش البعثي هجومًا واسعًا على الأراضي الإيرانية، و تمكّن خلاله من أسر أكبر عدد من الأسرى طوال الحرب؛ إذ إنّ نحو 25٪ من مجموع أسرى الحرب المفروضة (أي19,387أسيرًا) يعودون إلى هذا الهجوم العراقي الجديد في يوليو 1988(تیر 1367هـ.ش).[9] كان الأسرى الإيرانيون يُحتجزون في العراق داخل 22 معسكرًا موزّعة على أربع محافظات: «نينوى»، «الأنبار»، «صلاحالدين» و «ديالى».[10]
قد قُسِّمت معسكرات الأسرى الإيرانيين في العراق إلى ثلاث فئات رئيسية: معسكرات «الموصل 1، 2، 3، 4»، معسكرات «صلاحالدين» أو «تكريت» و معسكرات «الرمادي» و «الأنبار». جميع هذه المعسكرات أُنشئت في مناطق كانت الغالبية فيها من أنصار حزب البعث.[11]
رغم أنّ «اتفاقيات جنيف» و المبادئ الدينية تُلزمان بمعاملة الأسرى معاملة إنسانية و أخلاقية، فإنّ الأسرى الإيرانيين تعرّضوا لمعاملة قاسية، مهينة و مخالفة للقوانين الدولية و الإنسانية.فعند وصولهم، كانوا يُجبرون على المرور بين صفَّين من الجنود العراقيين الذين ينهالون عليهم ضربًا باستخدام الكابلات، القطع المعدنية و العصيّ.[12]
و من أساليب التعذيب الجسدي التي مورست في معسكرات العراق: قطع الماء و تقليل الحصص الغذائية، الحبس داخل المهاجع لعدة أيام، الضرب بالسياط و العصيّ و الأنابيب المعدنية، تعليق الأسير من السقف أو من المروحة و يداه مقيدتان، تعليق أوزان ثقيلة في أجزاء من جسده، إجبار الأسير على أكل الصابون أو مسحوق الغسيل، الحرمان من النوم، كيّ الجسد بالمكواة، نزع الأظافر، الصعق الكهربائي، إيصال التيار الكهربائي إلى أعضاء الجسد، خصوصًا الأذنين، كسر العظام و بتر بعض الأعضاء، فقء العيون، وضع الأسرى داخل أكياس و رميهم من أماكن مرتفعة أو على الدرج، إعطاء حبوب مخدّرة أو حقن مخدّرة خلال أيام «محرم» و مناسبات العزاء و غير ذلك من أنواع التعذيب الوحشي.[13]
من الأحداث البارزة في الدفاع المقدّس أسرُ 23 شابًا من قوات التعبئة (البسيج) التابعة لحرس محافظة «كرمان» خلال عملية «إلی بیتالمقدس». قد استغلّ النظام البعثي صِغر سنّهم، فعزلهم عن باقي الأسرى و اقتادهم للقاء رئيس جمهورية العراق. خلال هذا اللقاء أعلن «صدّام» أنّه و بالتنسيق مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، سيُعيدهم قريبًا إلى إيران. بعد اللقاء، حاولت وسائل الإعلام العراقية استغلال الحدث دعائيًا عبر تغطية واسعة.
غير أنّ الأسرى اليافعين الذين أضعفهم الدعاية الإعلامية العراقية في هذا الشأن، قرّروا الإضراب عن الطعام بهدف استعادة المبادرة و الانضمام إلى بقية الأسرى في معسكرات الأسر العراقية و نجحوا في نهاية المطاف في إحباط خطة الدعاية العراقية و عادوا إلى وطنهم بعد انضمامهم إلى الأسرى الآخرين إثر انتهاء الحرب المفروضة.[14]
قلّت محاولات الأسرى الإيرانيين للفرار من المعسكرات العراقية لأسباب منها التحصينات القوية للمعسكرات، الخوف من النتيجة غير الناجحة،[15] الاعتقال من قبل الحراس،[16]إيذاء و تعذيب الأسرى الآخرين في المعسكر و غيرها من العوامل.
مع ذلك، شهدت بعض السجون العراقية محاولات فرار ناجحة. فعلى سبيل المثال، تمكّن أسيران إيرانيان من الهرب من مدينة «بدرة» العراقية.[17]كما استطاع «السيّد رضا موسوي» مع اثنين من الأسرى الآخرين الهرب في الأشهر الأولى من الحرب من أحد سجون النظام البعثي و العودة إلى إيران.
كان السيّد رضا قد أُسر في اليوم الأخير من خدمته العسكرية، لكنه تمكّن في 16 أبريل 1980(27 فروردین 1359هـ.ش) من الفرار من سجن «السليمانية» و عند دخوله الأراضي الإيرانية، وقع في أسر «الحزب الديمقراطي الإيراني»، لكنه تمكّن لاحقًا من الإفلات منهم و العودة إلى بلاده.[18]
عاد 969 أسيرًا إيرانيًا إلى البلاد بين 1981و 1989(1360–1368هـ.ش) في 19 مرحلة، كما عاد 37,532 أسيرًا في عملية التبادل الكبرى عام 1990م(1369هـ.ش) عبر 42 مرحلة، ثم عاد 639 أسيرًا آخر بين 1990 و 2003م(1369–1382هـ.ش) في 17 مرحلة.[19]
في المرحلة الأولى من التبادل، كان نحو نصف الأسرى المُفرَج عنهم من المدنيين الذين أُسروا في الأيام الأولى للحرب في القرى الحدودية جنوب إيران، أو الذين اختطفتهم الجماعات الانفصالية مثل «كومله» و «الديمقراط» في «كردستان» و باعتهم للعراقيين. كما ضمّت هذه المرحلة 23 أسيرة، معظمهن من المدنيات في المناطق الحدودية، إضافة إلى خمسة من فرق الإغاثة.
من بين أسرى هذه الفترة، كان هناك أيضاً عدد من الجرحى و المعاقين و قد جرى تسليمهم للجانب الإيراني تحت إشراف ممثلي اللجنة الدولية للصليب الأحمر في مطارات «مهرآباد»، «أنقرة» (تركيا)، «لارنكا» (قبرص) و كذلك في معبر «خسروي – منذرية».[20]
في المرحلة الثانية من تبادل الأسرى، أي بعد عامين من قبول «القرار 598» جرى تسليم الأسرى الإيرانيين إلى السلطات الإيرانية في معبر «خسروي – منذرية» و في مطار «مهرآباد». قد تمّ هذا التبادل عبر 42 مرحلة؛ كانت أولى هذه المراحل في 17 أغسطس 1990(26 مرداد 1369هـ.ش)، في معبر «خسروي – منذرية» حيث سلّم ممثلو اللجنة الدولية للصليب الأحمر 1,272 أسيرًا إلى الجانب الإيراني.[21]
أمّا في المرحلة الثالثة من التبادل، والتي امتدّت بين 1990 و 2003م(1369–1382هـ.ش)، تم تسليم 639 أسيراً على 17 مرحلة بإشراف ممثلي الصليب الأحمر إلى السلطات الإيرانية.
في نهاية هذه المرحلة، في ديسمبر 2003م(آذر 1382هـ.ش)، أُغلِق ملف الأسرى الإيرانيين و العراقيين الأحياء؛ واتفق ممثلو اللجنة الدولية للصليب الأحمر و السلطات العراقية و الإيرانية على أنّه لا يوجد أي أسير حيّ من الطرفين في البلدين.[22]
منذ عام 1989م(1368هـ.ش) و في الدورة الثالثة لمجلس الشورى الإسلامي، تم إقرار موضوع توظيف، تعليم، علاج و سكن الأسرى المحررين (الأسرى الإيرانيين في العراق). بعد تحرير الأسرى، تغيّر اسم «مقر تحرير الأسرى»(ستاد آزادسازی اسرا) إلى «مقر رعاية شؤون الأسرى المحررين»(ستاد رسیدگی به امور آزادگان)، ثم دُمج لاحقًا في مؤسسة «الشهداء و شؤون المضحّين».
في عام 2005م(1384هـ.ش)، تم تأسيس «مؤسسة رسالة الأسرى المحررين الثقافية»(مؤسسه فرهنگی پیام آزادگان) من قبل مجموعة من الأسرى الإيرانيين في الحرب المفروضة، للقيام بأنشطة ثقافية حول الأسرى المحررين.[23]
في عام 2023م(1402هـ.ش)، بدأ مكتب «فنون و أدب الأسر» التابع لـ«حوزة الفن»(حوزه هنری) نشاطه بالاستفادة من قدرات مكتب «أدب الثورة الإسلامية» و مكتب «أدب و فن المقاومة» لنشر أعمال تتناول موضوع الأسرى الإيرانيين و العراقيين خلال الحرب المفروضة.
قد ركّز المكتب على الروايات الأقل تداولًا و نشر أعمالًا عن حياة الأسرى المحرَّرين و دور زوجاتهم و أمهاتهم، وأنتج حتى الآن 10 كتب، من بينها الكتب الثلاثة التي جرى تدشينها: «مطبخ»، «شبهای سفید» (الليالي البيضاء)، «برادران قلعه فراموشی» (إخوة قلعة النسيان).[24]
كما أُنتجت أفلام عديدة حول موضوع الأسرى، من بينها:«پرواز از اردوگاه»(التحليق من المعسكر)، «الکیمیاء»، «پاتک»(الهجوم المضاد)،«بوی پیراهن یوسف»(رائحة قميص يوسف)، «قاصدک»(نبتة الهندباء)، «مردی شبیه باران»(رجل يشبه المطر)، «معصوم»(البريء)، «یک قدم تا مرگ»(خطوة واحدة حتى الموت)، «دستهای خالی»(الأيادي الفارغة)، «رنجر»(الحارس/الرينجر)، «نفوذی»(المتسلل)، «اخراجیهای 2»(المُخرَجون 2)، «اتوبوس شب»(حافلة الليل)، «دوئل» (الدويل)، «بیداری رویاها»(صحوة الأحلام) و «خرس»(الدب).
في عام 2018م(1397هـ.ش)، أُنتج فيلم «آن 23 نفر»( أولئك الـ 23) من إخراج «مهدي جعفري» و المستند إلى كتاب «آن 23 نفر»( أولئك الـ 23) للكاتب «يوسف أحمدزاده» و الصادر عن منشورات «سوره».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منابع و ارجاعات:
- [1] موسوی بجنوردی، محمدکاظم، اسیر جنگی (أسیر الحرب)، موسوعة «إیران»، مجلد 4، تهران، مركز الموسوعة الإسلامیة الكبرى،2014م (1393هـ.ش)، ص 82 و83.
- [2] علاماتی، غلامرضا، واکاوی و تحلیل چگونگی تبادل اسرای جنگ ایران و عراق (1367-1359) (دراسة و تحلیل كیفیة تبادل أسرى حرب الإیرانیة و العراقیة 1979–1988)، المجلة العلمیة الفصلیة لدراسات الدفاع المقدس، العدد 2، صیف2021م(1400هـ.ش)، ص 235.
- [3] دهنمکی، مسعود، فرهنگنامه اسارت و آزادگان – معرفی اجمالی اردوگاه اسرای ایرانی (معجم الأسر و الأسرى – عرض موجز لمعسكر أسرى إیران)، ج 17، دار النشر: کتاب نشر، 2013م(1392هـ.ش)، ص 5.
- [4] علاماتی، غلامرضا، المصدر نفسه.
- [5] وكالة أنباء «إیسنا»، https://www.isna.ir/news/99072921362/%D8%A2%D9%.
- [6] وكالة أنباء الإذاعة و التلفزيون، https://www.iribnews.ir/fa/news/3948365/%D
- [7] موقع «ویکی آزادگان»، https://fa.wikiazadegan.com/index.php?title=%D8%AD%D8%B3%DB%8C%D9%8.
- [8] وكالة أنباء الإذاعة و التلفزيون،https://www.iribnews.ir/fa/news/
- [9] وكالة أنباء «ایمنا»، https://www.imna.ir/news/674874/%D8%B1%D9%88%D8%B2%DB%8C-%DA%A9%D9%87-.-
- [10] علاماتی، غلامرضا، المصدر نفسه، ص 234.
- [11] عزیزی، مجتبی، نگاهی به وضعیت اسیران ایرانی در عراق (نظرة إلى أوضاع الأسرى الإیرانیین في العراق)، المجلة الفصلیة للدراسات التاریخیة،العدد 29، صیف 2010م(1389هـ.ش)، ص 144 و 145.
- [12] المصدر نفسه، ص 148 و149.
- [13] المصدر نفسه، ص 149.
- [14] دهنمکی، مسعود، المصدر نفسه، ص 8؛ وكالة أنباء الجمهوریة الإسلامیة«إیرنا»، https://www.irna.ir/news/83634032/آن-23-ن%D
- [15] دهنمکی، مسعود، المصدر نفسه، ج 74، ص 834 و 905؛ «ویکی آزادگان» المصدر نفسه.
- [16] دهنمکی، مسعود، المصدر نفسه، ج 75، ص 523؛ دهنمکی، مسعود، المصدر نفسه، ج 69، ص 358، 886، 894.
- [17] دهنمکی، مسعود، المصدر نفسه، ج 75، ص 44.
- [18] جمشیدی، رضا، سیدرضا (نام: سیدرضا ـ بر اساس خاطرات سیدرضا موسوی، اولین اسیری که از زندان عراق فرار کرد) (الإسم:السید رضا – استناداً إلى مذكّرات «السید رضا موسوي» أول أسیر فرّ من سجن في العراق)، تهران، دارالنشر:«سوره مهر»، 2018م(1397 هـ.ش)، ص 71 و 244؛ موقع «همشهری أونلاین»، https://www.hamshahrionline.ir/news/288705/%D9%81%D8%B-%.
- [19] علاماتی، غلامرضا، المصدر نفسه، ص 235.
- [20] المصدر نفسه، ص 236.
- [21] المصدر نفسه، ص 238 و239.
- [22] المصدر نفسه، ص 241.
- [23] مؤسسه فرهنگی هنری آزادگان (المؤسسة الثقافیة الفنیة للأسرى المحرَّرین)، https://www.mfpa.ir/fa/aboutus
- [24] الموقع الإعلامي لـ«حوزة العلمیة»، https://hawzah.net/fa/Discussion/view/86568