الكُزاز

خلال الحرب المفروضة التي شنّها العراق على إيران، تمّت السيطرة على مرض «الكُزاز» بين المقاتلين بفضل الرعاية الصحية و التطعيمات.

إنّ صحة القوات العسكرية و المقاتلين تؤدي دورًا حاسمًا في مصير الحروب.فانتشار الأمراض السارية و غير السارية أثناء الحرب يمكن أن يشلّ حتى الجيوش المتفوّقة عددًا و تجهيزًا و يجبرها على الهزيمة أو التراجع.من أهم هذه الأمراض «الكُزاز».

يُعدّ مرض «الكُزاز» نوعًا من العدوى الناتجة عن دخول سمّ«بكتيريا كلستريديوم تتاني» إلى الدم.‌‌⁠[1]تعيش هذه البكتيريا في التربة و يمكنها عبر الجروح و التمزقات الجلدية أن تدخل الجسم و تُنتج سمًّا خارج خلوي، يؤدي إلى انقباض دائم و تشنّج في العضلات.يُستخدم السمّ المُعطَّل منها كلقاح.‌‌⁠[2]

تشنّج عضلات الوجه يسبّب ظهور «ابتسامة كزازية»، كما أنّ تشنّج عضلات الظهر يؤدي إلى انحنائه إلى الأمام.يستمر المرض من عدة أيام إلى عدة أسابيع و ينتهي غالبًا بوفاة المريض.⁠[3]يُحقَن كل مريض مصاب بالكُزاز بـ 200 ألف وحدة من المصل المضاد للكُزاز عبر الوريد، ثم يُعطى «البنسيلين». و عادةً ما يكون سمّ «كلستريديوم تتاني» حساسًا للبنسيلين.‌⁠[4]

في الحرب الأهلية الأمريكية، توفي واحد من كل 500 جريح بسبب الكُزاز.في الحرب العالمية الأولى و بسبب حقن المصل المضاد للكُزاز، انخفضت الوفيات إلى أقل من حالة واحدة لكل 5000 جندي أمريكي جريح.مع إدخال اللقاح عام 1924م و تطبيق التطعيم في «الحرب العالمية الثانية»، لم يُسجَّل سوى 12 حالة كُزاز بين 2.5 مليون جندي أمريكي جريح.‌⁠[5]لكن المرض حصد أرواح 50,000 جندي من قوات الحلفاء في الحرب العالمية الثانية بسبب غياب التطعيم.‌⁠[6]

في إيران، صُنِع لقاح الكُزاز عام 1942م(1321هـ.ش) في معهد «رازي» لأبحاث اللقاحات و الأمصال.⁠[7]في عام 1949م(1328هـ.ش) صُنِع لقاح «الدفتريا ـ الكُزاز الثنائي»⁠[8]و في عام 1955م(1334هـ.ش) صُنِع «اللقاح الثلاثي» (السعال الديكي، الكُزاز، الدفتريا).‌‌⁠[9]بعد انتصار الثورة الإسلامية، تمكّن منظمة «نقل الدم الإيرانية» عام 1981م(1360هـ.ش) من إنتاج «الغلوبيولين المناعي المضاد للكُزاز» أو مضاد سمّ الكُزاز.‌‌⁠[10]

في بداية «الحرب المفروضة» و بسبب تشتّت عمليات الإيفاد و سرعة إرسال القوات إلى مناطق العمليات، لم يكن من الممكن تنفيذ برنامج تطعيم منتظم ضد «الكُزاز»، كان يُستخدم المصل الجاهز المضاد لسمّ الكُزاز، المعروف باسم «تتابولين» في غرف الطوارئ و المستشفيات الميدانية لعلاج المقاتلين الجرحى.‌‌⁠[11] كان عادةً مسعفو الخطّ الأمامي، يقومون بالإجراءات الأولية مثل حقن إبرة مضاد الكُزاز و استخدام المضادات الحيوية، إيجاد الوريد، إيقاف النزيف و… ثمّ يُنقل الجرحى إلى الخطوط الخلفية.‌‌⁠[12]

مع بدء الحرب، كان لقطاع الصحّة و الطبابة في الجيش هيكلٌ منظّم، بينما لم يكن جهاز الصحّة في حرس الثورة الإسلامية، قد تأسّس بعد.قد أسّس الدكتور «عبدالفتاح صرّاف‌نژاد» بالتنسيق مع الدكتور «علي مهرابي توانا» النواة الأولى لطبابة الحرس في معسكر «وليّ عصر«عج»». في أول ندوة لمسؤولي الطبابة في المناطق الحربية و الوحدات القتالية الذي عُقد في 6 ینایر 1983(16 دی 1361ه.ش) في «اندیمشک»، تمّ اختيار لجنة لتنظيم الشؤون الصحية للحرب.قد عقدت هذه اللجنة أول ندوة لها في مايو 1983(اردیبهشت 1362ه.ش) في «اندیمشک» و كان محوره التطعيم ضد الكُزاز و تم إرسال النتائج المستخلصة منها إلى الخدمات الطبية للقوات المسلحة لإعلامها.[13]

في فترة الدفاع المقدّس، كانت الخدمات الصحية تبدأ من المعسكرات التدريبية، حيث تُجرى الفحوصات العامة، تُنشأ الملفات الصحية، يُنفّذ التطعيم ضد «الكُزاز» و «التهاب السحايا» و تُقدَّم تدريبات الرعاية الصحية الأولية.بعد اكتساب الخبرات الأولية و تحقيق التنسيق اللازم، أصبح الرقابة الصحية و التطعيم إلزاميًا اعتبارًا من 12 یونیو 1983(22 خرداد 1362ه.ش).‌‌⁠[14]و كان يشمل أساسًا لقاحات «الكُزاز»، «التهاب السحايا»، أحيانًا «الليشمانيا (سالک)» و يتمّ في المعسكرات التدريبية و قبل إرسال القوات إلى الجبهات.‌‌⁠[15]

لا يوجد دواء خاص يعالج «الكُزاز» نفسه سوى إبرة «تتابولين»، قد كانت هذه الإبرة متوفّرة للجميع خلال الحرب بالقدر المطلوب.يحتوي هذا المستحضرعلى الغلوبيولينات المضادة للسمّ المنتَجة بواسطة «كلستريديوم تتاني» و كان من الأدوية المستوردة و الغالية الثمن في زمن الحرب، إذ بلغ سعر كل إبرة 5 دولارات.‌‌⁠[16]

في «الفرز الطبي» (ترتيب أولويات العلاج) الجرحى بأسلحة كيميائية و المصابين بإصابات جراحية، كان حقن مضاد السموم الكزاز (تيتانوس) في حالات جروح الحرب المقترنة بتلوث بالمواد المسببة للبثور (البلّاط) أمراً بالغ الأهمية.‌‌⁠[17]

بلغ عدد التطعيمات المنفَّذة ضدّ مرض «الكُزاز» خلال ثماني سنوات الحرب، 864,404 حالة، كان منها 307,500 حالة بين عامي 1980–1985م (1359حتى نهاية 1363هـ.ش) و 556,904 حالة بين عام 1985م(1364هـ.ش) حتى نهاية الحرب.كان لقاح الكُزاز يُعطى للجميع، من الجنود حتى القادة و كان متوفّرًا بكثرة و بسعر منخفض داخل البلاد.

و في الجبهات، كان لقاح الكُزاز يُعطى على ثلاث جرعات:الجرعة الأولى عند إرسال المقاتلين إلى الجبهة أو وصولهم إلى معسكر التجمع، الثانية بعد شهر واحد و الثالثة بعد ستة أشهر من الجرعة الثانية.بعد إكمال دورة التطعيم الكاملة، تتكوّن مناعة تستمرعشر سنوات. في حال تلقّي التطعيم الكامل، لا حاجة لإعادة اللقاح بعد الإصابة، أمّا إذا لم تُستكمل جرعة أو جرعتان، فكان يُعطى عند حدوث جرح، لقاح واحد مع مصل مضاد الكُزاز.‌‌⁠[18]

كانت شركة «داروپخش» المساهمة، تتولّى تأمين «المصل» و «لقاح الكُزاز» في المناطق الحدودية.⁠[19] كان لقاح الكُزاز يُنتَج في معهد «رازي» لإنتاج اللقاحات و الأمصال، في «حصارك كرج»، ثم يُوزَّع عبر سلسلة الأمصال التابعة لوزارة الصحة و يُطعَّم المقاتلون بواسطة فرق التطعيم التابعة لوزارة الصحة و العاملين الصحيين في القوات المسلحة.كان اللقاح يُحقَن عضليًا في عضلة «الدلتوئيد» في الذراع.

كانت الجهود تُبذل لتطعيم المقاتلين بجرعتين يفصل بينهما شهر واحد، مع ختم بطاقة التطعيم الخاصة بهم.أظهرت الدراسات حول فعالية لقاح الكُزاز لدى المقاتلين أنّ مستوى «الأجسام المضادة» المنتَجة ضد مستضدّ (سم الكُزاز) كان أعلى من المعيار الدولي لدى حوالي 92% من المقاتلين الذين شملتهم الدراسة.

من مفاخر إيران في الحرب المفروضة أنّه رغم شيوع هذا المرض في الحروب المختلفة و ما سبّبه من وفيات، لم تُسجَّل أيّ حالة انتشار للكُزاز بين المقاتلين و الجرحى خلال ثماني سنوات الدفاع المقدّس، رغم وجود ما لا يقلّ عن مليون مقاتل جريح.‌‌⁠[20]

تقدّمت «وزارة الصحة»، كليات الصحّة في جامعات «طهران»، «أصفهان»، «شيراز»، معهد «پاستور» و معهد «رازي» خدمات قيّمة لطبابة الحرب.بذل قطاع الصحّة جهودًا كبيرة في ترسيخ الالتزام بالنظافة الفردية و الجماعية.‌‌⁠[21]

في زلزال باكستان عام 2005م(1384ه.ش) تم الإبلاغ عن حالات للكزاز بين القوات العسكرية المشاركة في عمليات الإغاث و لم يتم الإبلاغ عن هذا المرض في العالم بعد الحرب العالمية الثانية.‌‌⁠[22]

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 


منابع و ارجاعات:

  • [1] روحانی‌نژاد، حمیده و آخرون، ساخت کتابخانه ژنی آنتی‌بادی SCFV انسانی بر پایه T VECTOR علیه توکسین کزاز«بناء مكتبة جینیة لجسم مضاد بشري SCFV اعتماداً على الناقل T VECTOR ضد سم الكزاز(التوكسين الكزازي)، مستجدات البیوتكنولوجیا الخلویة و الجزیئیة، الدورة 5، العدد 17، شتاء 2015م(1393هـ.ش)، ص2.
  • [2] گنجور، محمدسعید، باکتری‌شناسی جامع (علم البکتیریا الشامل)، بوشهر، دارالنشر:محمدسعید گنجور، 2011م(1390هـ.ش)، ص61–62.
  • [3] تجلی‌پور، مهدی، دایرةالمعارف موضوعی دانش بشر (الموسوعة الموضوعیة لمعارف البشر)، طهران، دار النشر: أمیركبیر، فبراير 1971(بهمن 1349هـ.ش)، ص236.
  • [4] راد، محمدعلی، بیماری‌های مشترک انسان و دام (الأمراض المشتركة بین الإنسان و الحیوان)، طهران: دار النشر:دانشگاه طهران(جامعة طهران)، الطبعة الخامسة، 2009م(1388 هـ.ش)، ص83–87.
  • [5] مهرابی توانا، علی، «ایمونیزاسیون در جنگ (التمنيع في الحرب)، مجلة الخدمات الطبیة القتالیة للدفاع المقدس و المقاومة، الدورة 2، العدد 1، 2019م(1398هـ.ش)، ص50.
  • [6] جورج فردریک بروکس، میکروب‌شناسی پزشکی (علم المیکروبات الطبي –جاوتز، ملنیک، آدلبرغ)، ترجمة: «حسن جهاندیده» و «حسین جهاندیده» أصفهان، دار النشر:«سناگستر» 2015م(1394هـ.ش)، ص208.
  • [7] حاجی‌زاده، افشین و آخرون، مروری بر تاریخچه مؤسسه رازی از آغاز تا کنون (مراجعة تاریخیة لمؤسسة «رازي» منذ التأسيس حتى الیوم)، مجلة اللقاحات و الوقایة من الأمراض في الطب البیطري، الدورة 1، العدد 1، 2021م(1400هـ.ش)، ص11–12.
  • [8] نوفلی، مجتبی؛ حاجی‌زاده، افشین، بیماری دیفتری و نقش مؤسسه رازی در کنترل آن (مرض الدفتیریا ودور مؤسسة «رازي» في مكافحته)، مجلة اللقاحات و الوقایة من الأمراض في الطب البیطري، الدورة 1، العدد 1، 2021م(1400هـ.ش)، ص36–38.
  • [9] میرصالحیان، اکبر؛ دالوند، مصیب، تاریخچه بیماری‌های عفونی باکتریایی شایع در ایران (تاریخ الأمراض البکتیریة المعدیة الشائعة في إیران)، مجلة المیکروبولوجیا الطبیة الإیرانیة، السنة 12، العدد 4، 2018م(1397هـ.ش)، ص236.
  • [10] حاجی‌بیگی، بشیر و آخرون، ضرورت و اهمیت نقش انتقال خون در دفاع مقدس (ضرورة و أهمیة و دور نقل الدم في الدفاع المقدس)، مجلة الخدمات الطبیة القتالیة للدفاع المقدس و المقاومة، الدورة 5، العدد 1، 2022م(1401مهـ.ش)، ص163.
  • [11] مهرابی توانا، علی، المصدر نفسه، ص50.
  • [12] مجلة «التقاریر» الشهرية،(الممرضات: لحظات القلق و الخوف و الرجاء…)، العدد 21، السنة 3، نوفمبر 1992م(آبان 1371هـ.ش)، ص9.
  • [13] صفایی هوادرق، مهناز و زملائها، بررسی عملکرد بهداشت رزمی در دفاع مقدس (تقییم أداء الصحة القتالیة في الدفاع المقدس)، مجلة جمعیة التخدیر و العنایة المركزة الإیرانیة، السنة 41، العدد 3، (متسلسل 107)، خريف 2019م (1398 هـ.ش)، ص43.
  • [14] محققی، محمدعلی، درسنامۀ آشنایی با فرهنگ و معارف دفاع مقدس – ویژۀ دانشجویان علوم پزشکی(المقرر الدراسي في ثقافة و معارف الدفاع المقدس – إعدادٌ خاص لطلبة العلوم الطبية) مجلد 1، المعاونیة التعليمية بوزارة الصحة و العلاج و التعليم الطبي؛ مؤسسة الخدمات الطبیة القتالیة للدفاع المقدس و المقاومة، 2019م (1398هـ.ش)، ص 91–92.
  • [15] پورحیدری، غلامرضا؛ چراغعلی، عبدالمجید، ساختار و نقش بهداشت و درمان در 8 سال دفاع مقدس (هیكل و دور الصحة و العلاج خلال ثمانیة أعوام من الدفاع المقدس)، مجلة الخدمات الطبیة القتالیة للدفاع المقدس و المقاومة، الدورة 3، العدد 2، 2020م(1399هـ.ش)، ص44.
  • [16] صفایی هوادرق، مهناز و آخرون، المصدر نفسه، ص43–47.
  • [17] فرخشاهی، جهانبخش؛ فرخشاهی، سوسن، مراقبت پرستاری از مجروحین شیمیایی (الرعایة التمریضیة للمصابین بالأسلحة الكیمیائیة)، مجلة «الممرض و الطبیب في المیدان القتالي» الفصلیة، الأعداد 21–22، ربیع و صیف 2013م( 1392هـ.ش)، ص45.
  • [18] صفایی هوادرق، مهناز و آخرون، المصدر نفسه، ص46.
  • [19] نعمتی، یعقوب و آخرون، روزشمار جنگ ایران و عراق(يوميات الحرب الإيرانية-العراقية: الاستعداد لعملیة «والفجر 4» و تجهیز العراق بمقاتلات «سوپراتاندارد»؛ تهدید إیران بإغلاق مضیق «هرمز»، من 23 أغسطس إلی 14 أکتوبر 1983م)، مجلد 27، طهران: مركز الوثائق و بحوث الدفاع المقدس، 2015م(1394هـ.ش)، ص741.
  • [20] مهرابی توانا، علی، المصدر نفسه، ص50–51.
  • [21] صفایی هوادرق، مهناز و آخرون، المصدر نفسه، ص44.
  • [22] امینیان‌فر، محمد و آخرون، پیشگیری از بیماری‌های عفونی در اعزام‌های نظامی (الوقایة من الأمراض المعدیة في الإیفادات العسكریة)، المجلة العلمیة البحثیة لجامعة العلوم الطبیة لجیش الجمهوریة الإسلامیة الإیرانیة، السنة 10، العدد 1، ربیع 2012( 1391هـ.ش)، ص90.

تکمیل، ویرایش یا گزارش خطا