الدفاع المتحرك
إعداد: محسن شيرمحمد
نقله إلى العربية: سيد محمود عربي
27 بازدید
تبنى الجيش العراقي استراتيجية جديدة في القتال البري بعد الهزائم المتتالية التي مُني بها في عام 1985م وفقدانه لشبه جزيرة الفاو. نفّذ الجيش العراقي سلسلة من العمليات التي عُرفت لاحقاً باسم الدفاع المتحرك.
وضع العراق استراتيجية الدفاع المتحرك موضع التنفيذ بعد عملية والفجر 8 وخلال عام 1985م، وذلك بهدف تعويض جزء من خسارته لشبه جزيرة الفاو وإعادة بناء الروح المعنوية للقوات المسلحة.[1] بناءً على هذه الاستراتيجية الجديدة، قامت القوات العراقية باستطلاع خطوط الدفاع الإيرانية على طول الجبهات، ثم شنّت هجمات على المناطق الأكثر ضعفاً فيها.[2]
شملت أهداف استراتيجية الدفاع المتحرك ما يلي: إضعاف جبهة الفاو والهجوم على هذه المنطقة العملياتية في الوقت المناسب، كسب الوقت لإعادة بناء ورفع القدرة القتالية، الاستيلاء على زمام المبادرة في الحرب وتحديد مكان المعركة، إضعاف الروح القتالية وتشتيت وإعاقة حركة القوات الإيرانية ومنعها من تنفيذ عمليات واسعة لاحقة.[3]
ومن أهداف أخرى: إلحاق الخسائر بالمصادر الاقتصادية، تحقيق مكاسب دعائية، إحداث توازن سياسي في الحرب، أخذ الأسرى لأغراض دعائية، إجبار إيران على قبول قرارات الأمم المتحدة، ومنع الدول الداعمة للعراق من اليأس.
نُفذت المرحلة الأولى من استراتيجية الدفاع المتحرك في 6 مارس 1986م في منطقة عمليات والفجر 9 (السليمانية في العراق)، ثم استمرت بالتتابع حتى 17 مايو 1986م، حيث تم تطبيقها في المناطق العملياتية لمرتفعات شاخ تارچر، ودربنديخان، وشرهاني، وسومار، وسيدكان، وجزيرة مجنون الجنوبية، والفكة، وپيچانگیزه، وحاج عمران، ومهران.[4]
اقترنت استراتيجية الدفاع المتحرك العراقية بالنقل السريع لـ 150 دبابة من طراز تي-72 روسية الصنع. وضع العراق إلى جانب هذه الدبابات 150 مقطورة حاملة للدبابات. وفي أي نقطة تتعرض فيها قوات إيران لهجوم، كانت الدبابات تُنقل على الفور على متن المقطورات وتُرسَل إلى نقطة الاشتباك. وقد ساهم وجود طرق سريعة ومتعددة في شرق العراق في جعل عملية النقل هذه سريعة وفعالة للغاية، في حين أن خطوط الاتصال الإيرانية في المحافظات الغربية كانت تفتقر إلى هذه الميزات.[5]
كان الدفاع المتحرك يُنفذ في الوقت الذي كانت فيه القوات الإيرانية منهمكة في تثبيت وتعزيز مواقعها الدفاعية في منطقة عمليات والفجر 8، وذلك لضمان قدر نسبي من الأمان في المنطقة وتحرير القوات والإمكانات لمهام أخرى. وفيما بعد، ومع تزايد الهجمات وتجمع قوات العدو في بعض النقاط الحساسة، قرر المسؤولون الإيرانيون الإسراع في تعزيز المواقع الدفاعية في الفاو، واتخاذ إجراءات إضافية لوقف هجمات العدو.[6] كان قادة القوات البرية بالجيش يميلون عموماً إلى ضرورة التمسك بالدفاع في مواجهة الدفاع المتحرك العراقي، مشيرين إلى أن العراق يمتلك قوات منظمة واحتياطيات على جميع المستويات، ويمكنه الهجوم والتقدم في أي محور يريده. واقترحوا أن يترك الجيش العمليات الهجومية كلياً ويكرس جميع قواته (المناورة وغير المناورة) للدفاع.[7]
على النقيض من ذلك، رأى قادة حرس الثورة الإسلامية أن الهجوم هو أفضل دفاع، لأن الخسائر الناتجة عن الدفاع تفوق تلك الناتجة عن الهجوم. ومن ضمن المقترحات التي قدمها الحرس كانت هي الهجوم على العدو، تحديد أولويات النقاط الدفاعية، وتعيين قوات احتياطية للنقاط الحيوية.[8]
في غضون 23 يوماً من مايو 1986م، نفذت قوات الجيش العراقي ست عمليات، وانخرطت في قتال مع القوات الإيرانية تقريباً طوال تلك الفترة.[9]
في 17 مايو 1986م، شن الجيش العراقي هجوماً على جبهة مهران العامة، التي كانت تمثل قطاع الدفاع للفرقة 84 خرم آباد واللواء 4 التابع للفرقة 21 حمزة من الجيش الإيراني.[10] وكانت هذه القوات تتولى الدفاع عن المنطقة بقوة إجمالية قوامها 6 كتائب مشاة وكتيبتين مدرعتين. نظراً لعدم جاهزية القوات المدافعة، تقدم العدو بسرعة واحتل مدينة مهران، والقرى المجاورة، وعدد من المرتفعات والطرق. بعد بدء هجوم العدو، دفع حرس الثورة الإسلامية بوحدات جديدة إلى المنطقة، إضافة إلى لواء مسلم بن عقيل ولواء أمير المؤمنين (ع) وفرقة نصر (التي كانت في الاحتياط الإقليمي). ومع ذلك، تقدم العدو خلال عشرة أيام إلى عمق يصل إلى عشرين كيلومتراً داخل الأراضي الإيرانية، واستقر هناك.[11]
خلال هذه الفترة، بلغت خسائر قوات حرس الثورة 70 شهيداً، و666 جريحاً، و133 مفقوداً، و8 أسرى. أما خسائر قوات الجيش الإيراني فقد بلغت حوالي 400 أسير، و98 مفقوداً، و180 جريحاً، و9 شهداء. بالإضافة إلى ذلك، تركت معظم المعدات والأسلحة الخفيفة والثقيلة، بما في ذلك مدافع عيار 203 ملم وعدد كبير من الدبابات وناقلات الجند ومركبات وحدات الدفاع، خلفها أثناء الانسحاب ووقعت في يد العدو. استغل العدو هذا الانتصار إعلامياً بشكل كبير، حيث قام بتصوير الأسرى والغنائم التي حصل عليها وبثها عبر التلفزيون.[12]
مثّل هجوم العدو على مهران ذروة الهجمات في استراتيجية الدفاع المتحرك العراقية. وبفضل النجاح الذي حققه العدو في هذا الهجوم، تجرأ على الإعلان رسمياً عن تبني هذه الاستراتيجية الجديدة. وسعت العراق في دعايتها إلى تصوير هذا الانتصار على أنه مماثل لنجاح القوات الإيرانية في عملية والفجر 8؛ ولهذا ادعت أنها لن تسلم مهران إلا مقابل انسحاب إيران من المناطق العراقية المحتلة، وتحديداً الفاو.[13]
كان من المتوقع أن العراق، باحتلاله مهران وإعلانه شرط الانسحاب منها مقابل خروج القوات الإيرانية من الفاو، سينتظر رد فعل إيران. وفي الوقت نفسه، كان هناك افتراض آخر بأن العراق يفتقر إلى القدرة اللازمة للمواصلة المتواصلة لتنفيذ العمليات والحفاظ على مواقعه ضمن إطار استراتيجية الدفاع المتحرك، ولذلك سيعود إلى الحالة الدفاعية بعد عملية مهران وينتظر تطورات جديدة.[14]
أدى التنفيذ الناجح لعملية كربلاء 1 واستعادة مدينة مهران إلى إبطال جميع المزايدات والانتصارات النسبية التي حققها العدو على مدى ثلاثة أشهر، كما عزز من الروح المعنوية للقوات الذاتية.
بدأت عملية كربلاء 1 في الساعة 23:30 من يوم 30 يونيو 1986م، وخلال عشرة أيام من القتال في منطقة مهران، نجح مجاهدو الإسلام في تحرير مدينة مهران وأكثر من ثماني قرى محيطة بها، ومرتفعات قلاويزان وحمرين، وخاصة أعلى قمة في المنطقة (223)، وطريق دهلران - مهران - إيلام، واثنين من المراكز الحدودية. وفي هذه العملية، تم تدمير تسعة عشر لواء من ألوية العدو بمعدل يزيد عن 50%، وفُقد وأُسر 3400 فرد من قواته. في المقابل، استشهد سبعمائة فرد من مجموع تسع وحدات تابعة لحرس الثورة شاركت في العملية، وخمسة أسرى ومفقودين.[15]
أدى استمرار استراتيجية الدفاع المتحرك عملياً إلى تحويل حرب العراق ضد إيران إلى حرب استنزاف محدودة. لذلك قرر حرس الثورة الإسلامية تصميم عملية هجومية كبيرة في الجبهة الجنوبية، وكانت عمليتا كربلاء 4 و كربلاء 5 في ديسمبر 1986م نتيجة هذا الجهد. شارك الحرس في عملية كربلاء 4 بحوالي 200 كتيبة عملياتية، واحتفظ بـ 400 كتيبة أخرى كاحتياطي، لكن لم تتحقق النتيجة المرجوة من عملية كربلاء 4 بسبب تسرب معلوماتها. ومع ذلك، بدأت عملية كربلاء 5 من محور شلمجة بعد أقل من 15 يوماً، مما أدى إلى مباغتة القوات العراقية. وفي الحقيقة، كان تنفيذ عملية كربلاء 1 سبباً في إيقاف وإنهاء استراتيجية الدفاع المتحرك العراقية.[16]
[1] استراتژی دفاع متحرک عراق (استراتيجية الدفاع المتحرك العراقية)، فصلية نگین ایران، ع 8، ربيع 1383 ش / 2004م، ص 126.
[2] المصدر نفسه، ص 126.
[3] حاجي خداوردي خان، مهدي، روزشمار جنگ ایران و عراق، کتاب 42، ج 2، آزادسازی مهران(يوميات الحرب الإيرانية العراقية، الكتاب 42، ج 2، تحرير مهران)، طهران، مرکز اسناد و تحقیقات دفاع مقدس (مركز وثائق وبحوث الدفاع المقدس)، 1397 ش / 2018م، ص 39.
[4] المصدر نفسه، ص 39.
[5] استراتژی دفاع متحرک عراق و سالهای پایانی جنگ(استراتيجية الدفاع المتحرك العراقية والسنوات الأخيرة من الحرب)، همشهري أونلاين، 8 تير 1394 ش / 29 يونيو 2015م، (www.hamshahrionline.ir/news/299549).
[6] استراتژی دفاع متحرک عراق، ص 131.
[7] المصدر نفسه، ص 130.
[8] المصدر نفسه، ص 131.
[9] حاجي خداوردي خان، مهدي، المصدر نفسه، ص 20.
[10] حاجي خداوردي خان، مهدي، المصدر نفسه، ص 39.
[11] استراتژی دفاع متحرک عراق»، ص 140.
[12] المصدر نفسه، ص 141
[13] استراتژی دفاع متحرک عراق»، ص 140.
[14] حاجي خداوردي خان، مهدي، المصدر نفسه، ص 20.
[15] استراتژی دفاع متحرک عراق»، ص 141.
[16] استراتژی دفاع متحرک عراق و سالهای پایانی جنگ(استراتيجية الدفاع المتحرك العراقية والسنوات الأخيرة من الحرب)، همشهري أونلاين، 8 تير 1394 ش / 29 يونيو 2015م، (www.hamshahrionline.ir/news/299549).
