إغراق المنطقة بالمیاه

إعداد: محسن شيرمحمد نقله إلى العربية: سيد محمود عربي
22 بازدید

كان إغراق المنطقة بالمیاه إحدى الاستراتيجيات العسكرية المستخدمة في "الدفاع المقدس"، ويتمثل في عرقلة تحركات العدو باستخدام المياه وإطلاقها في المناطق الواقعة بين مواقع القوات الصديقة وقوات العدو.

لطالما كان استخدام المياه كسلاح في الحرب تقليدًا شائعًا منذ العصور القديمة. ومن الأمثلة على ذلك: حفر قناة عام 596 قبل الميلاد من قبل نبوخذ نصر (ملك بابل) من أجل الاستيلاء على مدينة صور (في لبنان)، وتحويل مجرى نهر أرنو باتجاه مدينة بيزا (إيطاليا) خلال الحرب بين فلورنسا وبيزا عام 1503م، وأيضًا شق خط بارليف الدفاعي (التابع للكيان الصهيوني) على ضفة قناة السويس باستخدام قوة ضغط المياه من قبل الجيش المصري في حرب عام 1973م.[1]

في الحرب المفروضة من العراق على إيران أيضًا، استُخدِمت المياه كتكتيك عسكري من قبل الطرفين. فمع التقدمات التي أحرزها العدو في الشهر الأول من الحرب أكتوبر 1980م، ورغم المقاومات الأولية للقوات المسلحة والشعب، باتت بعض المدن في غرب خوزستان معرَّضة للسقوط.[2] خلال هذه الفترة، قرر المسؤولون العسكريون والسياسيون إطلاق مياه أنهار كارون وكرخة وكرخة كور (أحد فروع نهر الكرخة) على سهول جنوب الأهواز، وذلك لإيجاد عراقيل صناعية أمام تقدم العدو، خاصة وحداته المدرعة، نحو الأهواز.[3] حتى أن البعض اقترح تفجير سد دز كي تجرف المياه جيش العدو معها. بالطبع، بعد نقاشات مستفيضة، تقرر أن تفجير السد ليس من المصلحة، وتم الاتفاق على إطلاق مزيد من المياه بدلًا من ذلك، لتغمر المنطقة الواقعة جنوب طريق الأهواز إلى سوسنغرد.[4] كان كل من الشهيد العميد ولي الله فلاحي والشهید الدكتور مصطفى تشمران هما المخططان الرئيسيان للفيضان الاصطناعي.[5]

أُنشئ الفيضان الاصطناعي في ثلاث مناطق وهي جنوب غرب الأهواز بين نهري كرخة كور وكارون باستخدام مياه النهرين؛ وجنوب محور الحميدية – سوسنغرد باستخدام مياه نهر الكرخة؛ وغرب نهر كارون من جنوب الأهواز حتى خرمشهر.[6]

بدأ تنفيذ خطة إطلاق المياه منذ فبراير 1981م من قِبل المحافظة ومنظمة المياه والكهرباء في خوزستان، من خلال حفر قنوات مجاري المياه وإنشاء سد ترابي على نهر الكرخة وضخ مياه كارون.[7]

في إطار تنفيذ المشروع بمنطقة كرخة كور، أقيم حاجز وسدّ ترابي في الفرع الشمالي الجنوبي وشمال قرية أزدك في فبراير 1981م، وذلك بجهود منظمة الماء والكهرباء في خوزستان.[8] وحيث أن مياه كرخة كور كانت تُستمد من نهر الكرخة[9] وبالتفرع من سد الكرخة التنظيمي، فقد تم التحكم في منسوبها عبر بوابات السد. ولهذا الغرض، خُفِّضت بوابات سد الكرخة لفترة، لتجميع كمية أكبر من المياه خلفه. وبعد جمع قدر كافٍ من المياه، أُغلقت البوابات وتوجهت كل مياه الكرخة إلى القناة الفرعية ومن ثم انصبّت في كرخة كور. ولأن كرخة كور كانت ضحلة وضيقة لا تستوعب مياه الكرخة، ولأن السد الترابي كان مقامًا شمال أزدك، تدفقت مياه نهر الكرخة إلى الأراضي المنخفضة جنوب شرق الحميدية، فغرقت المنطقة وتشكلت مستنقعات يتعذر اجتيازها.[10] بفضل هذه التدابير، تمكن اللواء 16 المدرع من الجيش الإيراني في 14 فبراير 1981م من إخلاء جزء من تشكيلاته من المنطقة وفك الاشتباك لنقلها إلى جبهات أخرى.[11] أما في محيط نهر كارون، وشمال نقطة شرطة المرور بين الأهواز – أنديمشك، فقامت منظمة المياه والكهرباء في خوزستان بحفر قناة واسعة من ضفة النهر في الاتجاه الشمالي والغربي للأهواز في فبراير 1981م.[12] ولتحقيق ذلك، ضُخّت مياه نهر كارون إلى القناة المحفورة بواسطة 9 مضخات. وفي منطقة دب حردان جنوب غرب الأهواز، فاضت مياه القناة على السهل، مُحولةً جزءًا منه إلى مستنقع،[13] مما عزز المواقع الدفاعية للقوات الإيرانية، واستمر هذا التعزيز الدفاعي لمدة 15 شهرًا حتى عملية بيت المقدس.[14]

كما أُنشئ سد ترابي على نهر الكرخة، بين الحميدية وسوسنغرد، في العقد الثالث من فبراير 1981م بواسطة منظمة المياه والكهرباء في خوزستان.[15] وفي الفترة نفسها، قامت المنظمة[16] بحفر قناة تمتد من النهر إلى السهل الواقع جنوب طريق الحميدية - سوسنغرد.[17] بموجب هذه المخططات، تجمعت مياه نهر الكرخة خلف السد الترابي، ثم جرت في القناة المحفورة. وفي نهاية المطاف، تدفقت مياه القناة إلى السهل الواقع جنوب طريق الحميدية – سوسنغرد، فغمرت جزءًا من المنطقة وأعاقت حركة العدو.[18]

بالتزامن مع هذه الإجراءات، فُتحت بوابات سد دز في 29 يناير 1981م،[19] ومع ارتفاع منسوب نهر كارون، غمرت المياه الأراضي الواقعة جنوب غرب الأهواز، فتحوّلت هذه الأراضي إلى مستنقعات وأدت إلى شلّ حركة العدو.[20]

كانت عملية إغراق المنطقة واستخدامها في إعاقة تقدم العدو ذات أهمية بالغة للمسؤولين الإيرانيين في ذلك الوقت، وكان رئيس الجمهورية آنذاك، أبو الحسن بني صدر، يتابع هذه الإجراءات شخصيًا.[21] وفي 8 مارس 1981م، أعلن في رسالة للإمام الخميني (قدس سره) أن كل أمل إيران في مواجهة العدو يرتكز على تنفيذ خطة المياه.[22]

بعد هذه الإجراءات وباستخدام تكتيك إغراق المنطقة بالمياه لمواجهة العدو، غُمِر جزء من المنطقة الجنوبية للأهواز بالمياه، وبفضل هذه العوائق المصطنعة، أصبحت المنطقة غير قابلة للعبور أمام حركة العدو. وقد تعزز الخط الدفاعي لجنوب غرب الأهواز وجنوب محور الحميدية – سوسنغرد، وانخفض الخطر المباشر على جنوب الأهواز بشكل كبير. وبفضل تطبيق هذه المخططات، زال خطر احتلال الأهواز من الغرب والحميدية إلى حد ما، كما تضاءل تهديد العدو لمدينة سوسنغرد من جهتي الشرق والجنوب. لكن تجدر الإشارة إلى أن فتح بوابات سد دز وتوليد فيضان اصطناعي في نهر كارون لم يحقق أثرًا إيجابيًا للقوات الدفاعية الإيرانية، بل على العكس تسبب في أضرار شملت تدمير[23] جسر حميد آباد الواقع شرق محور شوش - دزفول - شوشتر على نهر دز.[24]

على الرغم من أن خطة إغراق المنطقة كانت فعالة في تعزيز المواقع الدفاعية للقوات الإيرانية، إلا أنها كانت أيضًا قابلة للاستغلال من قبل القوات العراقية. فبعد ديسمبر 1980م، عندما اضطر العدو إلى التحول إلى الحالة الدفاعية في جميع الجبهات وإيقاف هجماته، أصبح متأكدًا من أن القوات الإيرانية لا تستطيع ولا تنوي الهجوم من المناطق الغارقة بالمياه. وبذلك، قام العدو بتحرير عدد كبير من قواته من هذه المنطقة، واستخدمها لتعزيز جبهات أخرى بأريحية.[25]

بعد مدة، وتحديداً في أكتوبر 1984م، وبعد الانتهاء من بناء منشآت وقناة سلمان لنقل المياه (جنوب غرب الأهواز) بطول مئة كيلومتر، والتي أنشأتها لجنة جهاد البناء، أُطلقت المياه في سهول الجفير، وكوشك، والطلائية. وبذلك، تمكن المجاهدون من إنشاء عوائق وإشغال العدو بالأنشطة الإنشائية والهندسية المائية، مما سمح لهم بتحرير جزء من قواتهم واستخدامها في جبهات أخرى.[26]

استخدم العراق أيضًا سلاح المياه لأول مرة في عملية رمضان في يوليو 1982م. تسبب إغراق المنطقة وتوسيع رقعة المياه من جانب العدو في تباطؤ الأنشطة العسكرية والهندسية القتالية، وحتى تنقل الأفراد المشاة الإيرانيين. وكان العراق قد غطى جزءًا من هذه المنطقة بسواتر ترابية مثلثة الشكل. كما أنشأ قناة لتربية الأسماك بطول 29 كيلومترًا موازية لخط الحدود مع إيران، تمتد من الشلمجة حتى مخفر زيد.[27] ثم قام بسد المساحات بين قناة تربية الأسماك والمناطق الأخرى عبر الإغراق بالمياه وتحويل الأرض إلى مستنقعات، مما جعل أي حركة للقوات الإيرانية صعبة أو حتى مستحيلة. كانت المياه تغطي هذه المناطق بارتفاع يتراوح بين 40 و 50 سنتيمترًا.[28] وخلال عملية كربلاء-5 في يناير 1987م، أضاف العراق إلى المنطقة المغمورة بالماء عراقيل متنوعة وأسلاك شائكة وحواجز شمسية مختلفة. لقد نظّم العدو مستوى المياه بحيث لا يسمح بعبور القوارب ولا الغواصين؛ حيث كان ارتفاع الماء يتراوح بين 50 و 150 سنتيمترًا. وبسبب الارتفاع المنخفض، لم يكن ممكنًا عبور القوارب الكبيرة، كما لم يتمكن الغواصون من السباحة بكفاءة. كان من المقرر في المرحلة الأولى من عملية كربلاء-5 أن يخترق الغواصون الخط الدفاعي للعدو، واضطروا في بعض الأماكن إلى المشي وفي نقاط أخرى إلى السباحة. بالطبع، بعد اختراق خط العدو، بدأ دعم القوات باستخدام القوارب الخفيفة والقصيرة الأساس وناقلات الجند المدرعة من طراز خشايار. وبهذه الطريقة، نجحت عملية كربلاء-5 على الرغم من تكتيك العدو بإغراق المنطقة.[29]

استمر إغراق المنطقة بالمياه من جانب إيران كجزء من خطط دفاعية حتى قبول القرار 598 عام 1988م وحتى بعد ذلك. ومن الأمثلة على ذلك، استخدام قناة سلمان أثناء قبول القرار، حيث أُغرقت مسافة 2.5 كيلومتر بين الخندق الإيراني والخندق العراقي، من الطلائية حتى نهر خين في المنطقة الحدودية لجنوب غرب خوزستان.[30]

 

 

[1] شيرمحمد، محسن، استفاده از آب به عنوان یک سلاح نظامی (استخدام المياه كسلاح عسكري)، مجلة صف، العدد 317، آذر 1385ش / ديسمبر 2006 م، ص 19.

[2] شيرمحمد، محسن، چشمان عقاب: حماسه گردان 11 شناسایی تاکتیکی نیروی هوایی و عملیات عکس‌برداری هوایی در دفاع مقدس (عيون النسر: ملحمة الكتيبة 11 للاستطلاع التكتيكي للقوة الجوية وعمليات التصوير الجوي في الدفاع المقدس، طهران، مرکز انتشارات راهبردی نهاجا (مركز منشورات الاستراتيجية للقوة الجوية)، 1396ش / 2017م، ص 179.

[3] المصدر نفسه، ص 179.

[4] اردستاني، حسين، تاریخ شفاهی دفاع مقدس (التاريخ الشفوي للدفاع المقدس)، رواية السيد يحيى صفوي، المجلد الأول: من سنندج إلى خرمشهر، طهران، مرکز اسناد و تحقیقات دفاع مقدس (مركز وثائق وأبحاث الدفاع المقدس)، 1397ش /2018م، ص 238.

[5] شيرمحمد، محسن، چشمان عقاب: حماسه گردان 11 شناسایی تاکتیکی نیروی هوایی و عملیات عکس‌برداری هوایی در دفاع مقدس (عيون النسر: ملحمة الكتيبة 11 للاستطلاع التكتيكي للقوة الجوية وعمليات التصوير الجوي في الدفاع المقدس)، ص 179.

[6] حسيني، يعقوب، سیل مصنوعی برای پدافند در خوزستان (فيضان اصطناعي للدفاع في خوزستان)، طهران، إيران سبز، 1392ش /2013م، ص 33.

[7] حسيني، يعقوب، المصدر نفسه، ص 33؛ شيرمحمد، محسن، چشمان عقاب: حماسه گردان 11 شناسایی تاکتیکی نیروی هوایی و عملیات عکس‌برداری هوایی در دفاع مقدس (عيون النسر: ملحمة الكتيبة 11 للاستطلاع التكتيكي للقوة الجوية وعمليات التصوير الجوي في الدفاع المقدس)، المصدر نفسه، ص 179.

[8] حسيني، يعقوب، المصدر نفسه، ص 150 و 33.

[9] المصدر نفسه، ص 33.

[10] المصدر نفسه، ص 34.

[11] المصدر نفسه، ص 152 و 153.

[12] المصدر نفسه، ص 34 و 35.

[13] المصدر نفسه، ص 34.

[14] المصدر نفسه، ص 149.

[15] المصدر نفسه، ص 150 حتى 152.

[16] المصدر نفسه، ص 34.

[17] المصدر نفسه، ص 150 حتى 152.

[18] المصدر نفسه، ص 35.

[19] المصدر نفسه، ص 146.

[20] شيرمحمد، محسن، چشمان عقاب: حماسه گردان 11 شناسایی تاکتیکی نیروی هوایی و عملیات عکس‌برداری هوایی در دفاع مقدس (عيون النسر: ملحمة الكتيبة 11 للاستطلاع التكتيكي للقوة الجوية وعمليات التصوير الجوي في الدفاع المقدس)، طهران، مرکز انتشارات راهبردی نهاجا، (مركز مطبوعات الاستراتيجية للقوة الجوية)، 1396ش/2017م، ص 179.

[21] سهرابي، پژمان، مأموریت شبح 5(مهمة الشبح 5)، طهران، مرکز انتشارات راهبردی نهاجا (مركز مطبوعات الاستراتيجية للقوة الجوية)، 1397ش /2018م، ص 172.

[22] بني‌صدر، فيروزه، نامه‌ها از آقای بنی‌صدر به آقای خمینی و دیگران (رسائل من السيد بني‌صدر إلى السيد الخميني وآخرين)، (مكان النشر غير محدد)، (الناشر غير محدد)، 1384ش/2005م، ص 168.

[23] حسيني، يعقوب، المصدر نفسه، ص 35.

[24] المصدر نفسه، ص 36.

[25] المصدر نفسه، ص 36.

[26] پورجباري، پژمان، اطلس جغرافیای حماسی 1: خوزستان در جنگ (أطلس الجغرافيا الملحمية 1: خوزستان في الحرب)، طهران، صرير، 1389ش/2010م، ص 206.

[27] حيدري مقدم، عباس، هندسه در رزم- تاریخ شفاهی مهندسی رزمی دفاع مقدس (الهندسة في القتال - التاريخ الشفوي للهندسة القتالية للدفاع المقدس)، ج 2، طهران، انتشارات موزه انقلاب اسلامی و دفاع مقدس (منشورات متحف الثورة الإسلامية والدفاع المقدس)، 1398ش/2019م، ص 165.

[28] المصدر نفسه، ص 166.

[29] بررسی چگونگی انجام عملیات کربلای ۵ و نحوه شکستن خط دشمن در این منطقه، مرکز اسناد و تحقیقات دفاع مقدس، 9 دی 1399،(دراسة كيفية تنفيذ عملية كربلاء 5 وكيفية كسر خط العدو في هذه المنطقة، مركز وثائق وأبحاث الدفاع المقدس، 30 ديسمبر 2020م)، www.defamoghaddas.ir/news/625.

[30] خداوردي، مهدي، «بررسی تاکتیک آب در جنگ تحمیلی عراق علیه ایران (دراسة تكتيك المياه في الحرب المفروضة من قبل العراق ضد إيران)، فصلية نگين إيران، العدد 32، ربيع 1389ش/2019م، ص 102.