الحرب الصاروخية

إعداد: محسن شيرمحمد نقله إلى العربية: سيد محمود عربي
21 بازدید

الحرب الصاروخية

خلال فترة الحرب المفروضة التي امتدت لثمانية أعوام، لجأت الأطراف المتصارعة إلى استخدام المقذوفات الصاروخية في استهداف الأهداف داخل العمق الجغرافي لكل منهما. لكن نطاق استخدام الصواريخ من الجانب الإيراني ظل مقيَّداً للغاية مقارنة بقوات نظام البعث المعادي.

مع بداية هجومه الشامل (22 سبتمبر 1979م)، وضع العراق المناطق المدنية والسكنية الإيرانية تحت نيران الصواريخ أرض-أرض. ومن بين المدن الإيرانية، كانت دزفول الأكثر تعرضاً للقصف الصاروخي المعادي. وقع أول هجوم صاروخي على دزفول في منتصف ليل الأربعاء، 8 أكتوبر 1980م. أطلق العراق في هذا الهجوم أربعة صواريخ "فراغ" (Frog) على مناطق سكنية في دزفول، مما أسفر عن تدمير 500 منزل ومتجر، واستشهاد وإصابة 350 شخصاً. ومن بين المصابين، كان هناك 30 رضيعاً تقل أعمارهم عن ستة أشهر. وخلال الحرب، أطلق العراق ما مجموعه 122 صاروخ "فراغ" باتجاه دزفول.[1]

كان صاروخ "فراغ"، المعروف كذلك باسم "لونا"، سلاحاً من العتاد السوفيتي بمدى عملياتي يبلغ 65 كم، ويحمل رأساً حربياً يزن 455 كجم[2] وطول إجمالي 9 أمتار. وبسبب انخفاض دقته البالستية، استُخدم بشكل أساسي لضرب الأهداف المدنية الكبيرة والمكتظة لضمان تحقيق إصابة في المنطقة.[3]

وفي 26 أكتوبر 1982م، أطلق العراق صاروخ "سكود" الأول على الأراضي الإيرانية (دزفول).[4] يتميز صاروخ "سكود بي" بمدى يتراوح بين 290 و 300 كم، ويبلغ طوله 11.25 متراً ووزنه الإجمالي 6300 كجم.[5]

في مستهل الحرب، كان العراق يمتلك 8 قاذفات صواريخ سكود[6] و 26 منصة إطلاق لصواريخ فراغ.[7] تعرضت دزفول للقصف بـ 174 صاروخاً عراقياً طوال سنوات الصراع.[8]

كما تلقت مدينة أنديمشك حصتها من النيران الصاروخية منذ بداية الحرب، إذ أطلق عليها العراق 84 صاروخاً. ويُقدر أن 550 شخصاً من إجمالي شهداء المدينة البالغ عددهم ألف شهيد سقطوا نتيجة الهجمات على المناطق السكنية.[9]

اتسعت رقعة المواجهة العسكرية بين إيران والعراق لتشمل قصفاً صاروخياً واسع النطاق للمدن والمراكز السكانية في أربع دورات متميزة منذ بدء الحرب.

بدأت الدورة الأولى من "حرب المدن" في 4 مارس 1985م، حيث طالت الهجمات 39 تجمعاً حضرياً وريفياً إيرانياً، ما أدى إلى سقوط 1227 شهيداً و 4682 جريحاً.[10]

حتى عام 1984م، لم تكن إيران تمتلك صواريخ أرض-أرض.[11] وفي تلك الفترة، ومع استمرار الهجمات العراقية على المدن الإيرانية، قرر المسؤولون الإيرانيون تأمين عدد من هذه الصواريخ للرد بالمثل على العراق. تمكنت إيران من الحصول على منصة إطلاق واحدة لصواريخ سكود بي بالإضافة إلى 30 صاروخاً من هذا النوع من ليبيا.[12] وصلت الشحنة الأولى، التي شملت 10 صواريخ سكود بي، إلى إيران في 26 نوفمبر 1984م. ورافق المنصة الصاروخية التي تم تسليمها عدد من الخبراء الصاروخيين الليبيين. لم تبع سوريا أي صواريخ لإيران بسبب رفض الاتحاد السوفيتي، لكنها وافقت على تدريب القوات الإيرانية على استخدام صواريخ سكود بي.[13]

بدأت المرحلة الثانية من حرب المدن في 26 مايو 1985م واستمرت لعشرين يوماً، حيث تعرضت 27 مدينة إيرانية لهجمات عراقية شملت 115 ضربة صاروخية وجوية ومدفعية. أسفرت هذه الهجمات عن 570 شهيداً و 1332 جريحاً إيرانياً.

المرحلة الثالثة من حرب المدن بدأت في 19 فبراير 1987م واستمرت 42 يوماً. بالإضافة إلى القصف الجوي والمدفعي، شملت هذه المرحلة 27 هجوماً صاروخياً. وقد بدأت هذه الهجمات باستهداف المناطق السكنية في سوسنغرد، وتضررت فيها 65 مدينة إيرانية، مما أدى إلى سقوط 3035 شهيداً و 11150 جريحاً.[14]

في أواخر عام 1986م، توقفت ليبيا عن تزويد إيران بالصواريخ، متحولة إلى دعم العراق. كما قام المستشارون العسكريون الليبيون الموجودون في إيران بتفكيك بعض قطع الصواريخ المتبقية ومنصات الإطلاق سراً واصطحبوها معهم. ومنذ ذلك الحين، تولت قوات حرس الثورة الإسلامية مهام إطلاق صواريخ سكود بأنفسها.[15]

واستمراراً لمسيرة الدفاع المقدس، اشترت إيران لاحقاً 30 صاروخاً من طراز سكود بي من كوريا الشمالية.[16]

ابتداءً من عام 1986م، بدأت إيران أيضاً في إطلاق صاروخ "عقاب" (Oghab). وقد صُنِّع صاروخ[17] عقاب محلياً بواسطة الصناعات الدفاعية الإيرانية استناداً إلى النموذج الصيني "مدل-82" (Model-82).[18]

لم يكن صاروخ عقاب ذا دقة عالية؛ حيث يحمل رأساً حربياً بوزن 70 كجم، ويبلغ طوله 4.820 متر ومداه 40 كيلومتراً، مما جعله مناسباً فقط لاستهداف الأهداف الكبيرة. وقد مكَّن هذا الصاروخ إيران من استهداف المدن العراقية القريبة من الحدود مثل البصرة.[19]

بدأت الدورة الرابعة من الهجمات العراقية الصاروخية والجوية الواسعة على المدن والقرى والمراكز السكانية الإيرانية، وما تبعها من إجراءات رد انتقامي إيراني ضد المراكز العسكرية والصناعية والاقتصادية العراقية، في 27 فبراير 1988م بالهجوم العراقي على مصفاة طهران، وتلاه هجوم صاروخي على طهران في 1 مارس 1988م، واستمرت حتى نهاية أبريل 1988م.

في هذه الدورة، التي استمرت 53 يوماً، تعرضت طهران لأول مرة للهجوم الصاروخي العراقي، إلى جانب مدن أخرى شملت قم، وأصفهان، وتبريز، وكرج، وشيراز.[20]

انفجرت العديد من الصواريخ التي أُطلقت على طهران في الجو أو تعطلت قبل الوصول إلى الأرض.[21] وكان سبب انفجارها المبكر هو زاوية الهبوط المنخفضة، وما نتج عنها من حركة مفرطة داخل الغلاف الجوي وتوليد حرارة شديدة بسبب الاحتكاك بالهواء.[22]

كانت هذه الصواريخ هي ذاتها صواريخ سكود بي التي قام العراق بتعديلها، حيث تم تخفيض وزن رأسها الحربي إلى 160 كيلوغراماً وزيادة الوقود،[23] مما أدى إلى زيادة مداها إلى 500 كيلومتر، وأطلق عليها العراق اسم "الحسين".[24]

أثار سقوط أول الصواريخ على طهران وأصفهان وقم موجة احتجاجات في الأوساط السياسية والإعلامية والشعبية داخل إيران ضد الاتحاد السوفيتي. وتجمّع عدد من المواطنين والطلاب أمام السفارة والقنصلية السوفيتية في طهران وأصفهان للاحتجاج على السياسة السوفيتية تجاه الحرب. وفي أعقاب هذه الاحتجاجات، نفى بعض المسؤولين السوفيت تزويد العراق بصواريخ أقوى.[25] ادعى الاتحاد السوفيتي أن مدى صواريخ سكود بي التي باعها للعراق لا يصل إلى طهران.[26] لكن إيران أكدت أن القطع المستخلصة من هذه الصواريخ تشير إلى أنها سوفيتية الصنع وأُنتجت بين عامي 1985م و 1986م، ويرجح أنها جزء من شحنة صواريخ سكود بي البالغة 300 صاروخ التي سلمها الاتحاد السوفيتي للعراق عام 1986م.[27] يعتقد بعض الخبراء أن العراق نجح في زيادة مدى سكود بي بمساعدة فنية من ألمانيا الشرقية.[28]

أطلق العراق في هذه الفترة 189 صاروخاً، استهدفت طهران بـ 134 صاروخاً، أصفهان بـ 23 صاروخاً، قم بـ 17 صاروخاً، تبريز بـ 8 صواريخ، كرج بـ 4 صواريخ، و شيراز بـ 3 صواريخ. خلّفت هذه الهجمات ما لا يقل عن 1746 شهيداً و 8183 جريحاً، وتسببت في أضرار جسيمة.[29]

وفي المقابل، أطلقت إيران 50[30] صاروخاً باتجاه بغداد والموصل.[31] كانت هجمات الرد الانتقامي الإيرانية تقتصر على المراكز العسكرية والسياسية والصناعية العراقية، وكانت تتم بإعلان مسبق بناءً على حكم الإمام الخميني.[32]

بدأت إيران أيضاً في إطلاق نوع من الصواريخ محلية الصنع باسم "إيران-130"، أنتجتها منظمة الصناعات الدفاعية،[33] لكنها لم تنجح في إنتاجه بكميات كبيرة.[34] يبلغ مدى هذا الصاروخ 90 كيلومتراً.[35] وأطلقت قوات الحرس الثوري أول صاروخ "إيران-130" على مدينة العمّارة في 19 مارس 1988م.[36]

وفي الإحصاءات الختامية للحرب، أطلق العراق ما مجموعه 153 صاروخ الحسين، و 175 سكود، و 82 فراغاً.[37] بينما أطلقت إيران 326 صاروخ عقاب، و 11 صاروخ إيران-130، و 119 صاروخ سكود على أراضي العدو خلال السنوات الثماني.[38]

 

[1] علائي، حسين، روند جنگ ایران و عراق (مسار الحرب الإيرانية العراقية)، ج 1، طهران، مرز و بوم، 1391ش/ 2012م، ص 228.

[2] كردزمن، أنتوني وأبراهام واغنر، درس‌های جنگ مدرن، جنگ ایران و عراق )دروس الحرب الحديثة، حرب إيران والعراق)، ج 2، ترجمه حسين يکتا، طهران، مرزوبوم، 1390ش/ 2011م، ص 444 و 445.

[3] علائي، حسين، المصدر نفسه، ص 228.

[4] سالمی‌نژاد، عبد الرضا، دزفول؛ گزارشی از شهر مقاوم دزفول در جنگ شهرها 1367-1359 )دزفول؛ تقرير عن مدينة دزفول المقاومة في حرب المدن 1980-1988)، طهران، مرکز اسناد و تحقیقات دفاع مقدس (مركز الدفاع المقدس للوثائق وللبحوث)، 1397 ش/ 2018م، ص 155.

[5] كردزمن، أنتوني وأبراهام واغنر، المصدر نفسه، ص 446.

[6] كردزمن، أنتوني وأبراهام واغنر، درس‌های جنگ مدرن، جنگ ایران و عراق(دروس الحرب الحديثة، حرب إيران والعراق)، ج 1، ترجمه حسين يکتا، طهران، مرزوبوم، 1389 ش/ 2010م، ص 365.

[7] المصدر نفسه، ص 157.

[8] علائي، حسين، المصدر نفسه، ص 228.

[9] المصدر نفسه، ص 229.

[10] إيزدي، يد الله، "دور چهارم جنگ شهرها علیه ایران 8/12/1366 تا 31/1/1367" (الدورة الرابعة لحرب المدن ضد إيران 28 فبراير 1988 - 20 أبريل 1988)، فصلية نگين إيران، ع 45، صيف 1392ش/ 2013م، ص 79.

[11] كردزمن، أنتوني وأبراهام واغنر، درس‌های جنگ مدرن، جنگ ایران و عراق(دروس الحرب الحديثة، حرب إيران والعراق)، ج 2، ص 444.

[12] علائي، حسين، روند جنگ ایران و عراق(مسار الحرب الإيرانية العراقية)، ج 2، طهران، مرز و بوم، 1391ش/ 2012م، ص 82.

[13] المصدر نفسه، ص 83.

[14] إيزدي، يد الله، المصدر نفسه، ص 79.

[15] صفر تا صد تاریخچه موشک‌های ایرانی" (من الصفر إلى المئة: تاريخ الصواريخ الإيرانية)، جام جم أونلاين، 17 شهريور 1398 ش/ 8 سبتمبر 2019م، www.jamejamonline.ir/fa/news/1227334/

[16] علائي، حسين، روند جنگ ایران و عراق(مسار الحرب الإيرانية العراقية)، ج 2، ص 83.

[17] أسدي، هيبت الله، آتش توپخانه، طهران، منشورات دافوس آجا، 1394 ش/ 2015م، ص 397.

[18] كردزمن، أنتوني وأبراهام واغنر، درس‌های جنگ مدرن، جنگ ایران و عراق (دروس الحرب الحديثة، حرب إيران والعراق)، ج 1، ص 445.

[19] كردزمن، أنتوني وأبراهام واغنر، درس‌های جنگ مدرن، جنگ ایران و عراق )دروس الحرب الحديثة، حرب إيران والعراق)، ج 2، ص 206 و 486.

[20] إيزدي، يد الله، المصدر نفسه، ص 78.

[21] علائي، حسين، روند جنگ ایران و عراق(مسار الحرب الإيرانية العراقية)، ج 2، ص 410.

[22] أردستاني، حسين ويد الله إيزدي، روزشمار جنگ ایران و عراق(التقويم اليومي للحرب الإيرانية العراقية)، الكتاب الثالث والخمسون، ج 2، موشك‌باران تهران (القصف الصاروخي لطهران)، طهران، مرکز اسناد و تحقیقات دفاع مقدس (مركز الدفاع المقدس للوثائق وللبحوث)، 1398 ش/ 2019م، ص 429.

[23] علائي، حسين، روند جنگ ایران و عراق(مسار الحرب الإيرانية العراقية)، ج 2، ص 410.

[24] كردزمن، أنتوني وأبراهام واغنر، درس‌های جنگ مدرن، جنگ ایران و عراق (دروس الحرب الحديثة، حرب إيران والعراق)، ج 2، ص 201 و 202.

[25] إيزدي، يد الله، المصدر نفسه، ص 79.

[26] كردزمن، أنتوني وأبراهام واغنر، درس‌های جنگ مدرن، جنگ ایران و عراق (دروس الحرب الحديثة، حرب إيران والعراق)، ج 2، ص 487.

[27] المصدر نفسه، ص 203.

[28] المصدر نفسه، ص 202.

[29] إيزدي، يد الله، المصدر نفسه، ص 79 و 80.

[30] علائي، حسين، روند جنگ ایران و عراق(مسار الحرب الإيرانية العراقية)، ج 2، ص 425.

[31] 10 اسفند 1366 - آغاز حمله موشکی رژیم بعث عراق به تهران، 11 اسفند 1401" (1 مارس 1988 - بداية الهجوم الصاروخي لنظام البعث العراقي على طهران، 2 مارس 2023)، موقع مؤسسة بيام آزادغان الثقافية الفنية، www.mfpa.ir/fa/news/8254/10.

[32] "ایران- 130 اولین موشک زمین به زمین بومی کشور" (إيران-130 أول صاروخ أرض-أرض محلي الصنع)، نادي الصحفيين الشباب، 24 شهريور 1393 ش/ 15 سبتمبر 2014م، www.yjc.ir/fa/news/4977262.

[33] ایران- 130 اولین موشک زمین به زمین بومی کشور" (إيران-130 أول صاروخ أرض-أرض محلي الصنع)، نادي الصحفيين الشباب، 24 شهريور 1393 ش/ 15 سبتمبر 2014م، www.yjc.ir/fa/news/4977262.

[34] كردزمن، أنتوني وأبراهام واغنر، درس‌های جنگ مدرن، جنگ ایران و عراق(دروس الحرب الحديثة، حرب إيران والعراق)، ج 2، ص 207.

[35] أسدي، هيبت الله، المصدر نفسه، ص 396.

[36] كردزمن، أنتوني وأبراهام واغنر، درس‌های جنگ مدرن، جنگ ایران و عراق(دروس الحرب الحديثة، حرب إيران والعراق)، ج 2، ص 207.

[37] أسدي، هيبت الله، المصدر نفسه، ص 394.

[38] المصدر نفسه، ص 395.