حصر آبادان
إعداد: محسن شيرمحمد
نقله إلى العربية: سيد محمود عربي
25 بازدید
وقعت آبادان تحت الحصار العسكري للعدو في أكتوبر 1980م، واستمر صمودها حتى تم تحريرها وإنقاذها بعد 349 يوماً خلال عملية ثامن الأئمة (كسر حصار آبادان) التي نجحت في فك الحصار.
آبادان هي ميناء إيراني مهم في خوزستان. تُشكل المدينة شبه جزيرة استراتيجية، محاطة بأنهار كارون، بهمنشير، وأروندرود، ومطلة على الخليج الفارسي جنوباً. جغرافياً، تتاخم آبادان خرمشهر شمالاً والخليج الفارسي جنوباً، وتقابل العراق غرباً. كان موقع آبادان الحيوي هو ما جعلها هدف الغزو الأول للعراق في 22 سبتمبر 1980م.[1]
صمم الجيش العراقي خطة لاحتلال آبادان، متجنباً العبور الصعب من أروندرود وكسر سد المدافعين في خرمشهر. اعتمدت الخطة على عبور نهر كارون من قطاع مارد ثم الاندفاع نحو نهر بهمنشير.[2]
في 10 أكتوبر 1980م، نجح اللواء السادس المدرع العراقي في إقامة رأس جسر بعرض 2 كيلومتر يمتد من نهر كارون حتى طريق الأهواز-خرمشهر. تمكن اللواء من نصب جسر عائم من نوع P.M.P فوق النهر. عززت القوات العراقية منطقة شرق كارون، وبعد ثلاثة أيام، وتحديداً في ليلة 14 أكتوبر 1980م، احتلت قرية مارد شمال آبادان. وفي صباح اليوم التالي، تحركت القوات نحو طريق ماهشهر-آبادان، وبمجرد السيطرة عليه، أُحكم الحصار البري الكامل لجزيرة آبادان.[3] وبهذا، حصل العراق على رأس جسر بالغ الأهمية شرق كارون، مما شكل هذا التمركز العراقي نقطة انطلاق حاسمة لتهديد آبادان.[4]
بعد الاختراق العراقي عبر كارون، تم تنظيم الجبهة الإيرانية بثلاثة خطوط دفاعية رئيسية: خط آبادان بطول 14 كم، وخط دار خوين بطول 50 كم، وخط ماهشهر بطول 7 كم.[5] في 21 أكتوبر 1980م، تم تأسيس مقر أروند (قيادة القوات المشتركة) في ماهشهر لتنسيق الدفاع عن خرمشهر وآبادان.[6] نُصّب العقيد حسنعلي فروزان (قائد الدرك العام) قائداً لمقر أروند، بينما عُيّن العقيد حسين حسني سعدي لقيادة العمليات الميدانية في آبادان (تحت إمرة مقر أروند).[7]
في أواخر أكتوبر 1980م، وعقب حصار آبادان، أُرسلت الكتيبة 153 التابعة للفرقة 77 التابعة للجيش إلى المنطقة عبر البحر باستخدام الحوامات (هاوركرافت) والمروحيات.[8] في 31 أكتوبر، اشتبكت هذه الوحدة مع قوات العدو في منطقة ذوالفقاري بآبادان، ونجحت في هزيمتهم ومنع سقوط المدينة.[9]
تكونت القوات المدافعة عن آبادان في تلك الفترة من تشكيلة واسعة من الوحدات النظامية والشعبية: وهي وحدات الجيش؛ بقايا الكتيبة 151 الحصينة (خرمشهر)، الكتيبة 165 المدرعة، الكتيبة 232 دبابات (فرقة 92)،[10] والكتيبة 153 اللواء 2 (فرقة 77). ومن القوات البحرية: 200 فرد من قوات المغاوير، ومن الحرس الثوري والتعبئة؛ 350 فرداً من الحرس الثوري بآبادان، 2000 فرد من قوات التعبئة بآبادان، و من القوات المتطوعة والمُرسلة: 150-200 فرد من القوات المُرسلة من مدن أخرى، بما في ذلك مجموعة فدائيان إسلام بقيادة السيد مجتبى هاشمي،[11] 150 فرداً من لجان الثورة الإسلامية الـ14 في طهران، 150 فرداً من الحرس الثوري في شيراز، ومن الشرطة والأمن: 70 فرداً من قوات الدرك بآبادان، بالإضافة إلى عدد من قوات الشرطة بآبادان وقم، وقوات التعبئة العشائرية لمحافظة كهگيلويه وبوير أحمد.[12]
مع حصار آبادان، كانت حركة الدخول والخروج تتم عبر ميناء الإمام الخميني (المجاور لماهشهر).[13] تم حشد عدة مجموعات لإرسال القوات والمعدات إلى ميناء چوئبده (جنوب شرق آبادان)، الذي لعب دوراً حاسماً في الإغاثة. شملت وسائل النقل: قوارب صيد وقاطرات تابعة للمدنيين، ومروحيات تابعة لطيران الجيش والبحرية، وزوارق تابعة لإدارة ميناء الإمام الخميني، والحوامات التابعة للجيش. في چوئبده، تم تخصيص موقع لهبوط المروحيات، التي كانت تنقل الذخيرة والسلاح والمجاهدين من ماهشهر إلى آبادان. وكانت أولوية العودة للمصابين، وبعض الشهداء، والمجاهدين المغادرين. تحول ميناء ماهشهر إلى جسر إمداد يربط ماهشهر بآبادان.[14]
في 25 أكتوبر 1980م، شنت الكتيبة 144 من فرقة 21 عملية بهدف تحرير طريق الأهواز-آبادان وكسر الحصار، لكنها فشلت.[15] في 5 نوفمبر 1980م، أصدر الإمام الخميني أمره بكسر حصار آبادان، عقب فشل الجيش في دحر العدو من شرق كارون. تبعت ذلك عملية توكل في 10 يناير 1981م، التي نفذها الجيش بالتعاون مع الحرس الثوري على محور ماهشهر-آبادان، لكنها أيضاً لم تحقق النجاح.[16]
خلال فترة الحصار، استمرت الإدارات الرئيسية (المحافظة، البلدية، المياه، الكهرباء، الاتصالات) في العمل.[17] ومع ذلك، أدى القصف المتواصل إلى تدمير كامل للبنية التحتية. تعرضت محطات تنقية المياه التابعة لشركة النفط والبلدية على ضفاف بهمنشير لأضرار بالغة، وانقطعت المياه. كان يتم إدخال كميات محدودة من المياه الصالحة للشرب عبر القوارب، لكن المجاهدين اضطروا لاستخدام مياه نهر بهمنشير للشرب والاستحمام، وهي مياه ملوثة بجثث الجنود العراقيين المتعفنة. كما تضررت محطات تقوية الكهرباء، وتم قطع التيار الكهربائي عن المدينة. بعد سيطرة العدو على طريقي آبادان-الأهواز وآبادان-ماهشهر الاستراتيجيين، تم قطع خطوط الضغط العالي للكهرباء، مما استلزم استخدام مولدات الكهرباء في النقاط الحساسة كالمستشفيات ومقار القيادة.[18] ورغم احتراق مصفاة آبادان، نجح عمال المصفاة في تأمين الوقود للمركبات من الخزانات السليمة لشركة النفط، بل وتم في بعض الأحيان توفير الوقود اللازم لجبهات الأهواز والمناطق المجاورة منها.[19] وبسبب نقص الإمدادات، اضطرت القوات للاعتماد على حصص الخبز الجاف والأغذية التي تصل بالبحر، والتي غالباً ما كانت فاسدة أو متعفنة بسبب رطوبة البحر. تم التغلب على النقص من خلال الاستيلاء المنظم على محتويات متاجر المواد الغذائية والصيدليات والمخابز المهجورة، بعد جرد البضائع ودفع ثمنها نقداً لأصحابها.[20] بعد أن استقر السكان الذين نزحوا من المدينة مع بداية الحرب في مدن أخرى، عادوا إلى ماهشهر بغية استرجاع ممتلكاتهم. نتيجة لذلك، أُنشئ "مركز إخلاء البضائع"، الذي تولى مسؤولية مراقبة وضبط عملية إخراج المتاع والأثاث الخاص بالمواطنين.[21]
كانت أجزاء من الطريق الرئيسي خرمشهر-آبادان محتلة ومكشوفة لنيران العدو، مما جعل العبور مستحيلاً. كما أن الإمداد الجوي كان مكلفاً وخطيراً، والإمداد عبر الأهوار والممرات المائية الضيقة كان يستغرق وقتاً طويلاً. لحل هذه المشكلة، ومع بداية صيف 1981م وانحسار الأمطار الموسمية، قامت كتيبة الهندسة القتالية التابعة للفرقة 77 خراسان، بالتعاون مع جهاد البناء في محافظة فارس، بنقل حوالي خمسة آلاف شاحنة من الرمل لإنشاء طريق جديد خلف الخطوط الدفاعية.
انتهى العمل في هذا الطريق، الذي سُمي "جادة وحدت" (طريق الوحدة)، في أواخر يوليو 1981م. ربط الطريق قرية أبو شانك على نهر بهمنشير بـثلاثي شادكان (عند الكيلومتر 17 من طريق آبادان-ماهشهر)، مما سرّع بشكل كبير من نقل الأفراد والمعدات إلى آبادان.[22]
في مارس 1981م، تولت فرقة 77 مسؤولية قيادة قطاع آبادان وخرمشهر وخططت لعملية ثامن الأئمة بهدف كسر الحصار.[23] بناءً على هذه الخطة، التي عُرفت باسم عملية ثامن الأئمة، كُلفت الألوية الأول والثاني والثالث من فرقة 77، بالتعاون مع وحدات من الحرس الثوري، بمهمة تحرير المناطق المحتلة شرق نهر كارون.[24] مع انطلاق العملية فجر 27 سبتمبر 1981م، شنت ألوية الفرقة هجومها على العدو: اللواء الأول من قطاع ذوالفقاري، واللواء الثاني من فياضية، واللواء الثالث من دارخوين. وبعد يومين من القتال، نجحت القوات في طرد قوات العدو من شرق كارون. وفي ختام العملية، أُجري استعراض للأسرى العراقيين أمام كبار قادة الجيش الإيراني، وألقى العميد السيد شهاب الدين جوادي، قائد العملية وقائد فرقة 77، خطاباً موجهاً للأسرى باللغة العربية.[25] وبذلك، خُرِجت آبادان من الحصار بعد 349 يوماً.[26]
تزامنت عملية ثامن الأئمة مع إقالة بني صدر من القيادة العامة للقوات المسلحة في 22 يونيو 1981م، وجاءت تنفيذاً لأمر الإمام الخميني "قدس سره" الصادر في 5 نوفمبر 1980م. تميزت هذه العملية بكونها مشتركة بين الجيش والحرس الثوري والقوات الشعبية، وهو ما أدى إلى النجاح في كسر حصار آبادان بعد محاولتين فاشلتين سابقتين في عهد بني صدر.[27]
[1] تام، سمية، «شکست حصر آبادان (كسر حصار آبادان)، دانشنامه امام خميني (موسوعة الإمام الخميني)، ج 6، ص 446–451، https://fa.wiki.khomeini.ir/wiki/%D8%B4%DA%A9%D8%B3%D8%A8%A2%D8% AF.
[2] بورجباري، بجمان، اطلس جغرافياي حماسي ـ خوزستان در جنگ (أطلس الجغرافيا الملحمية: خوزستان في الحرب)، ج 1، طهران، صرير، 1389 ش / 2010م، ص 195.
[3] بني لوحي، السيد علي وآخرون، نبردهاي شرق كارون به روايت فرماندهان (معارك شرق كارون برواية القادة)، طهران، مرکز مطالعات و تحقیقات جنگ سپاه پاسداران (مركز دراسات وبحوث حرب الحرس الثوري)، 1379 ش / 2000م، ص 54.
[4] المصدر نفسه، ص 55.
[5] المصدر نفسه، ص 75 و 76.
[6] سليماني خواه، نعمت الله، اين سوي اروند جايي براي دشمن نيست (هنا لا مكان للعدو في هذا الجانب من أروند)، طهران، مرکز اسناد و تحقیقات دفاع مقدس (مركز وثائق وبحوث الدفاع المقدس)، 1393 ش / 2014م، ص 351.
[7] المصدر نفسه، ص 351.
[8] شير محمد، محسن، نيروي دريايي (القوة البحرية)، دانشنامه الکترونيکي وكي دفاع (موسوعة ويكي دفاع الإلكترونية)،wikidefa.ir/?page=result .
[9] سَروري، روح الله وأبو القاسم جاوداني، عمليات ثامن الأئمة (عملية ثامن الأئمة(، طهران، آجا، 1390 ش / 2011م، ص 69 و 70.
[10] سليماني خواه، نعمت الله، ص 351؛ «وقتي يک لشگر ايراني مقابل 6 لشگر عراقي ايستاد (عندما وقفت فرقة إيرانية أمام 6 فرق عراقية)، موقع مركز وثائق الثورة الإسلامية، 1 مهر 1396 ش / سبتمبر 2017م.
[11] عروجي، أكرم، فدائيان الإسلام، دانشنامه الکترونيکي وكي دفاع (موسوعة ويكي دفاع الإلكترونية، https://wikidefa.ir/?page=result.
[12] سليماني خواه، نعمت الله، المصدر نفسه، ص 393.
[13] "امدادرساني به آبادان در زمان محاصره اين شهر-در زمان محاصره آبادان بر اين شهر چه گذشت" (الإغاثة إلى آبادان أثناء حصارها - ماذا حدث للمدينة أثناء الحصار)، قاعدة بصيرت الإخبارية التحليلية، 12 مهر 1400 ش / أكتوبر 2021م.
[14] المصدر نفسه.
[15] بورداراب، سعيد، تقويم تاريخ دفاع مقدس ـ پلهاي تسخيرناپذير (تقويم تاريخ الدفاع المقدس - الجسور التي لا تُقهر)، ج 3، طهران، مركز وثائق الثورة الإسلامية، 1385 ش / 2006م، ص 64 حتى 66.
[16] جعفري، مجتبى، اطلس نبردهاي ماندگار (أطلس المعارك الخالدة(، طهران، سوره سبز، 1393 ش / 2014م، ص 40 و 64.
[17] حبيبي، أبو القاسم، اطلس راهنما ـ آبادان در جنگ (أطلس إرشادي - آبادان في الحرب(، ج 6، طهران، مرکز مطالعات و تحقیقات جنگ سپاه پاسداران (مركز دراسات وبحوث حرب الحرس الثوري)، 1382 ش / 2003م، ص 95.
[18] سليماني خواه، نعمت الله، المصدر نفسه، ص 394.
[19] المصدر نفسه، ص 395.
[20] المصدر نفسه.
[21] المصدر نفسه، ص 396.
[22] راميننجاد، رامين، تاريخ لشكر خراسان ـ از پيروزي انقلاب اسلامي تا پس از دوران دفاع مقدس (تاريخ فرقة خراسان - من انتصار الثورة الإسلامية إلى ما بعد فترة الدفاع المقدس)، ج 2، مشهد، آهنگ قلم، 1391 ش / 2012م، ص 82.
[23] سَروري، روح الله وأبو القاسم جاوداني، المصدر نفسه، ص 88 و 89 و 124.
[24] بني لوحي، سيد علي وآخرون، المصدر نفسه، ص 176.
[25] جعفري، مجتبى، المصدر نفسه، ص 64.
[26] حبيبي، أبو القاسم، المصدر نفسه، ص 125.
[27] تام، سمية، المصدر نفسه، ص 446–451.
