استهداف العراق الطائرات المدنية

إعداد: سجاد نادري بور نقله إلى العربية: سيد محمود عربي
23 بازدید

خلال سنوات الدفاع المقدس الثماني، أقدمت الطائرات الحربية العراقية على تكرار استهداف الطيران المدني الإيراني والأجنبي العابر للسماء الإيرانية. مثلت هذه الهجمات خرقاً صريحاً للقوانين الدولية وأسفرت عن سقوط ضحايا من صفوف المدنيين العُزَّل.

قبل 10 مايو 1984م، لم تكن هناك مادة محددة في القوانين واللوائح الدولية تحظر الاعتداء العسكري على طائرات الركاب. وقد تغيّر هذا الوضع عندما تم إقرار مادة خاصة بهذا الشأن في الاجتماع الخامس والعشرين لمنظمة الطيران المدني الدولي (إيكاو / ICAO)).[1] وبناءً على هذه المادة، "يجب على كل دولة الامتناع عن اللجوء إلى السلاح ضد طائرة مدنية أثناء تحليقها". وبالمثل، في حال اعتراضها، "يجب ألا تتعرض حياة الأفراد داخل الطائرة أو سلامة الطائرة للخطر".[2]

على الرغم من وجود هذه اللوائح، انتهك نظام البعث العراقي قواعد منظمة إيكاو في مناسبات عديدة خلال الحرب المفروضة التي استمرت ثماني سنوات، وذلك عبر شن هجمات على طائرات الركاب المدنية.

كانت الحالة الأولى لاستهداف المقاتلات العراقية للطائرات المدنية تتعلق بالطائرة التي تقل وزير خارجية الجزائر. فبعد ظهر 3 مايو 1982م، تعرضت طائرة وزير الخارجية الجزائري لهجوم من مقاتلات عراقية فور دخولها الأجواء الإيرانية وتم إسقاطها.

تعرضت الطائرة، التي كانت تقل محمد بن يحيى، لهجوم من قبل ثلاث مقاتلات عراقية في سماء محافظة أذربيجان الغربية الإيرانية، وسقطت في منطقة كيوران جنوب قطور. وفي هذا الهجوم، الذي وقع حوالي الساعة 17:30، قُتل جميع ركاب الطائرة الـ 16. كان وزير الخارجية الجزائري متجهاً إلى طهران في زيارة مدتها خمسة أيام، وكان قد زار بغداد قبل أسبوعين من الحادث، وكانت حكومته قد أعلنت استعدادها للتوسط بين البلدين قبل شهر واحد.[3]

في أعقاب الحادث، وصل وفد رفيع المستوى يضم 40 شخصاً من الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، برئاسة وزير النقل والمواصلات آنذاك، صالح قوجيل، إلى طهران للتحقيق في الواقعة ونقل جثامين القتلى الجزائريين. وقد ضمت البعثة 12 خبيراً فنياً وُضِعت تحت تصرفهم جميع الوثائق المتعلقة بالحادث، بما في ذلك رسائل التلكس، وتسجيلات برج المراقبة، ومعلومات الأرصاد الجوية، وغير ذلك.

شهدت إيران إغلاقاً عاماً للأسواق والمؤسسات، ونُظمت مجالس عزاء واسعة تنديداً بالعمل العدواني واستنكاراً لتصرفات نظام البعث الصدامي.[4] أصدرت وزارة الخارجية الإيرانية في اليوم التالي بيانين أعربت فيهما عن أسفها لسقوط الطائرة الجزائرية، وأكدت أن الطائرة كانت مُلاحقة من مقاتلات عراقية قبل سقوطها، وأن القرائن تشير إلى أن سقوطها كان جزءاً من مؤامرة مدبرة من قبل نظام البعث.

وفي بيانها الثاني، أعلنت الوزارة أنه وفقاً لتسجيلات برج المراقبة بمطار تبريز مع قائد الطائرة الجزائرية، وتقرير فريق التحقيق من رادار تبريز، فإن طائرتين عراقيتين لاحقتا طائرة الوفد الجزائري في الأجواء التركية على مقربة من الحدود الإيرانية. أصدر برج المراقبة في تبريز أمراً للطائرة الجزائرية بتغيير مسارها نحو أنقرة للابتعاد عن هجوم المقاتلات العراقية. وعندما قرر القائد تغيير المسار، انقطع الاتصال ببرج المراقبة فوراً، وعلى الفور انطلقت مقاتلات القوة الجوية الإيرانية لملاحقة الطائرات العراقية.

وُضع نص التسجيل وجميع الوثائق الأخرى المتعلقة بالعمل الإجرامي الذي ارتكبته بغداد تحت تصرف الحكومة الجزائرية والرأي العام العالمي.[5]

في حادثة أخرى، في الساعة 5:51 صباحاً من يوم 4 مايو 1982م، تعرضت طائرة الركاب التابعة لشركة لوفتهانزا (الرحلة رقم 600) للهجوم بالقرب من الحدود التركية الإيرانية من قبل نفس المقاتلات العراقية التي استهدفت طائرة بن يحيى. وقد نجت الطائرة بسلام من قبضة المقاتلات العراقية بفضل يقظة كوادر محطة رادار الدفاع الجوي في تبريز ورد الفعل السريع لقائد الطائرة المدنية.[6]

وفي حادثة لاحقة، في الساعة 10:42 من اليوم نفسه، هددت المقاتلات العراقية طائرة ركاب تابعة للخطوط الجوية الإيرانية (إيران إير) (الرحلة رقم 4720). وقد تمكن ضابط مراقبة المقاتلات من إبعادها عن منطقة الخطر، وبعد تأمين حماية جوية، سُمح للطائرة بالدخول إلى الأجواء الإيرانية بسلام.[7]

وسُجلت حالة أخرى في 30 ديسمبر 1985م، حيث عادت طائرة تركية كانت قادمة لاستقبال وفد اقتصادي تركي إلى تركيا بعد تهديد جوي من المقاتلات العراقية؛ وجاء قرار العودة بعد أن أبلغتها محطة رادار الدفاع الجوي بالاقتراب العدواني للمقاتلات العراقية.[8]

في حادثة مروعة أخرى، في 20 فبراير 1986م، كان هناك وفد يضم 50 مسؤولاً مدنياً وعسكرياً (منهم نواب برلمانيون وقضاة وأفراد عسكريون) في طريقهم إلى الجبهة بعد عملية والفجر 8 (الفاو). كان أبرز الشخصيات في الوفد هو حجة الإسلام فضل الله محلاتي، ممثل الإمام الخميني في الحرس الثوري.

تعرضت الطائرة للتهديد على بعد 25 كيلومتراً شمال الأهواز من قبل مقاتلتين عراقيتين من طراز ميج، طلبتا من الطائرة التوجه نحو البصرة. وعندما رفض الطيار الانصياع للتعليمات، استهدفت مقاتلة ميج الطائرة في الجو، مما أدى إلى استشهاد جميع ركابها.[9]

وفي حادثة أخرى، قصفت المقاتلات العراقية مطار شيراز، وأصابت طائرة بوينغ 737 كانت في طور إخلاء الركاب. أسفر هذا الهجوم عن استشهاد 5 ركاب وإصابة 32 آخرين.[10] بعد هذا الهجوم، أرسل وزير الخارجية الإيراني رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة، واصفاً الهجوم العراقي على طائرة الركاب بأنه يمهد لمزيد من جرائم هذا النظام، وطالب الأمين العام بإرسال وفد للتحقيق في المسألة. كما تقدمت منظمة الطيران المدني الإيرانية بشكوى إلى إيكاو ضد العراق. إلا أن الأمين العام للأمم المتحدة لم يرد على الرسالة والاحتجاج الإيراني.[11]

في حادثة أخرى وقعت في نوفمبر 1986م، قامت المقاتلات العراقية بملاحقة وتهديد طائرة تقل عبد الرحمن العتيقي، مستشار أمير الكويت، بينما كانت متجهة إلى طهران. تمكنت الطائرة العراقية من التراجع وتغيير مسارها بعد أن أطلقت محطة رادار الدفاع الجوي الإيرانية طائرات اعتراضية إيرانية. اضطرت طائرة العتيقي، التي كانت متجهة أصلاً إلى طهران لتسليم رسالة دعوة من أمير الكويت إلى الرئيس الإيراني لحضور قمة دول منظمة المؤتمر الإسلامي في الكويت، إلى تغيير مسارها نحو الاتحاد السوفيتي والهبوط هناك. كانت الطائرة قد أقلعت من دمشق مروراً بتركيا في طريقها إلى إيران.[12]

على النقيض من هذه الأعمال الإجرامية التي مارسها نظام البعث، تشير جميع السجلات إلى أن إيران لم ترد بالمثل، ولم تنفذ أي هجمات مضادة على الطائرات المدنية العراقية أو الأجنبية. وفي الوقت نفسه، لم تظهر مواقف أو إدانات من المؤسسات الدولية تجاه استهداف العراق للطيران المدني.

يُعتقد أن دافع العراق وراء استهداف هذه الطائرات كان التصدي للجهود الدبلوماسية والاقتصادية الإيرانية وتعزيز موقفه العسكري عبر إرباك المشهد الدولي والإقليمي.[13]

 

[1]بزمی حاجی‌خواجه‌لو، علی و سجاد بزمی حاجی‌خواجه‌لو، "نقش امنیت هوانوردی در امنیت، پیشرفت و اقتدار" (دور أمن الطيران في الأمن والتقدم والقوة)، فصلية دانش امنیت، السنة الأولى، ع 2، 1396 ش/ 2017م، ص 194.

[2] المصدر نفسه.

[3] حبيبي، أبو القاسم، روزشمار جنگ ایران و عراق؛ کتاب نوزدهم: آزادسازی خرمشهر پایان رؤیای تجزیه ایران (1 اردیبهشت تا 31 خرداد 1361 )التقويم اليومي للحرب الإيرانية العراقية؛ الكتاب التاسع عشر: تحرير خرمشهر نهاية حلم تقسيم إيران (21 أبريل حتى 21 يونيو 1982م))، طهران، مرکز اسناد وتحقیقات دفاع مقدس (مركز وثائق وبحوث الدفاع المقدس)، 1397 ش/ 2018م، ص 243-244.

[4] "حمله به هواپیماهای مسافربری و هواپیماربایی برگی دیگر از جنایت‌های صدام" (الهجوم على الطائرات المدنية واختطاف الطائرات ورقة أخرى من جرائم صدام(، دفاع برس، https://defapress.ir/105680.

[5] حبيبي، أبو القاسم، روزشمار جنگ ایران و عراق؛ کتاب نوزدهم: آزادسازی خرمشهر پایان رؤیای تجزیه ایران، (التقويم اليومي للحرب الإيرانية العراقية؛ الكتاب التاسع عشر: تحرير خرمشهر نهاية حلم تقسيم إيران) طهران، مرکز اسناد وتحقیقات دفاع مقدس (مركز وثائق وبحوث الدفاع المقدس)، 1397 ش/ 2018م، ص 258-259.

[6] المصدر نفسه، ص 259

[7] حمله به هواپیماهای مسافربری و هواپیماربایی برگی دیگر از جنایت‌های صدام" (الهجوم على الطائرات المدنية واختطاف الطائرات ورقة أخرى من جرائم صدام)، دفاع برس، https://defapress.ir/105680.

[8] أنصاري، مهدي، فراهاني، حميدرضا، روزشمار جنگ ایران و عراق؛ کتاب سی‌ونهم، ج 2، تشدید تلا‌ش‌ها برای فتح فاو (24 آذر تا 30 دی 1364) (التقويم اليومي للحرب الإيرانية العراقية؛ الكتاب التاسع والثلاثون، ج 2، تكثيف الجهود لفتح الفاو (15 ديسمبر 1985 حتى 20 يناير 1986م))، طهران، مرکز اسناد وتحقیقات دفاع مقدس (مركز وثائق وبحوث الدفاع المقدس)، 1395 ش/ 2016م، ص 407.

[9] هفته‌نامه اطلاعات جبهه (أسبوعية معلومات الجبهة)، 1366 ش/ 1987م، ع 42، ص 1-2.

[10] جريدة كيهان، الخميس 24 مهر 1365 ش/ 16 أكتوبر 1986م، ع 12862، ص 18.

[11]المصدر نفسه.

[12] حمله به هواپیماهای مسافربری و هواپیماربایی برگی دیگر از جنایت‌های صدام" (الهجوم على الطائرات المدنية واختطاف الطائرات ورقة أخرى من جرائم صدام)، دفاع برس، https://defapress.ir/105680.

[13]علائي، حسين، روند جنگ ایران و عراق(مسار الحرب الإيرانية العراقية)، ج 1، طهران، انتشارات مرز و بوم، 1391 ش/ 2012م، ص 458.