الصین

تُعدّ «الصين» إحدى القوى العالمية التي قامت خلال الحرب المفروضة من قبل العراق على إيران ببيع السلاح و الذخائر للطرفين. ترجع العلاقات بين إيران و «الصين» إلى العصور القديمة، إلا أنّ العلاقات الحديثة بين البلدين بدأت عام 1920م (1299ه. ش) عقب توقيع عهد الصداقة و الاتفاقية القنصلية. في عام 1949م (1328ه. ش) و بعد قيام الثورة الشيوعية في «الصين» امتنعت إيران عن الاعتراف بالحكومة الجديدة، فانقطعت العلاقات بين البلدين حتى عام 1971م (1350ه. ش) حين استؤنفت العلاقات من جديد.⁠[1]

مع اندلاع الحرب العراقية ضد إيران، اتبعت «الصين» سياسة مزدوجة. كانت سياستها المعلنة و الرسمية هي الحياد، بينما كانت سياساتها العملية تقوم على تعزيز القدرات العسكرية و خلق نوع من التوازن بين البلدين المتحاربين. كانت «الصين» قد بدأت في أوائل ثمانينيات القرن العشرين إقامة علاقات جديدة مع الولايات المتحدة و الغرب و لم تكن ترغب في الإضرار بهذه العلاقات عبر دعم إيران ضد العراق الذي كان يحظى بدعم غربي؛ لهذا السبب، رفضت «الصين» إدانة العراق لبدئه الحرب.⁠[2]

بعد ستة أيام من بدء الحرب، أصدر مجلس الأمن في 28 سبتمبر1980م (6 مهر 1359ه. ش) القرار رقم 479 و قد صوّتت «الصين» لصالحه. لم يُشر هذا القرار إلى العدوان أو انتهاك سيادة «إيران»، بل دعا الطرفين فقط إلى الامتناع عن استخدام المزيد من القوة.⁠[3]وقّعت الصين عقد بيع أسلحة لبغداد بعد أشهر قليلة من بدء الحرب و بموجبه سلّمت للعراق: 1300 دبابة من طراز «T‑59» راجمات مدفعية و ناقلات جنود مدرع  بقيمة مليار دولار.

مع ذلك، لم تُهمل «الصين» الطرف الآخر، أي «إيران»، بل سعت لاستغلال إمكانات هذه الدولة في المعادلات الإقليمية و لمواجهة التواجد السوفيتي في «أفغانستان» و كبح جماح تمدد نفوذه في منطقة الخليج الفارسي. في هذا السياق و بعد إغلاق الممرات الجوية الغربية أمام «إيران» بسبب الحرب، وافقت «الصين» على سماح الطائرات الإيرانية بالنقل الجوي عبر أجوائها.

في أواخر 1980م (1359ه. ش) و النصف الأول من 1981م (1360ه. ش)، عززت «الصين» علاقاتها مع العراق و وافقت على تزويده باليورانيوم المخصّب لتشغيل مفاعل نووي. كما وقّع البلدان اتفاقية للتعاون التجاري و الاقتصادي في أوائل عام 1981م (1360ه. ش).⁠[4] مع بداية انتصارات «إيران» في جبهات القتال خلال النصف الثاني من عام 1981م (1360ه. ش) و عام 1982م (1361ه. ش)، توسّعت العلاقات بين إيران و الصين و بعد زيارة وفد إيراني إلى الصين، تم توقيع مذكرة تفاهم للتعاون التجاري و العسكري بين البلدين.

في الوقت نفسه، سلّمت الصين للعراق في ديسمبر 1982م (آذر1361ه. ش) مئة طائرة مقاتلة من طراز «F‑6» و في يناير 1983م (دی 1361ه. ش) و بموجب صفقة قيمتها مليار دولار، باعت «الصين» للعراق 260 دبابة من طراز «T‑69» مجهّزة بجهاز تحديد المدى الليزري و معدات الرؤية الليلية بالأشعة تحت الحمراء. بعد عدة أشهر و في أبريل 1983م (بهار 1362ه. ش)، وقّعت الصين و إيران عقدًا بقيمة 1.3مليار دولار لبيع الأسلحة؛ بموجب هذا العقد، التزمت الصين بتسليم «إيران» خلال ثلاث سنوات: دبابات «T‑59»، قطع غيار لمدافع عيار 130 ملم و أسلحة خفيفة.⁠[5]

في الفترة بين 1980– 1983م (1359– 1362ه. ش)، وقّعت الصين أيضًا مع العراق عقدًا تسليحيًا بقيمة 3.6 مليار دولار و هو ما شكّل 61٪ من مجموع 5.9 مليارات دولار صادرات الصين العسكرية إلى دول العالم الثالث.⁠[6] في عام 1985م (1364ه. ش) و بموجب عقد جديد بين إيران و الصين، التزمت الصين بتسليم إيران أسلحة بقيمة 1.6 مليار دولار، شملت: دبابات Type-59 (نسخة روسية من T-54)، مدافع عيار 130 ملم، قاذفات صواريخ مضادة للدبابات، صواريخ «دودةالقز» (سيلك وورم)، صواريخ کروز  «801-c».⁠[7]

عقب هذا الاتفاق، قام وزراء خارجية سبع دول هي: المملكة العربية السعودية، الكويت، الأردن، تونس، المغرب، العراق، و اليمن الشمالي بزيارة إلى «بكين» و ناقشوا أربعة موضوعات رئيسية: منع بيع السلاح لإيران، دعوة الطرفين لعدم استهداف المناطق السكنية، ضرورة وقف الحرب، إيجاد حل سلمي على أساس اتفاقية «الجزائر 1975». بعد عدة أشهر و خلال زيارة «أکبر هاشمی رفسنجانی» رئيس مجلس الشورى الإسلامي آنذاك إلى «بكين» في يوليو 1985م (تیر 1364ه. ش)، تعهّدت «الصين» بتسليم إيران 40 صاروخ «سكاد أرض-أرض»؛ لكن إيران تسلّمت فقط 15 صاروخًا من هذا النوع حتى أكتوبر 1985م (مهر 1364ه. ش).

كما وافقت الصين على بيع معدات عسكرية لإيران، منها: دبابات «Type‑59» (نسخة روسية من تي-54) و  أسلحة مضادة للطائرات و ذلك مقابل مليوني طن من النفط الخام. أثار هذا التعاون العسكري ردود فعل من الدول العربية و خاصة السعودية. لكي تتجنب «الصين» الضغوط الغربية و العربية الداعمة للعراق بسبب بيعها السلاح لإيران، لجأت إلى إرسال المعدات العسكرية التي تحتاجها إيران عبر دولة ثالثة هي كوريا الشمالية.⁠[8]و ذلك لتوفير غطاءٍ يتيح إنكار هذا الأمر.⁠[9]مع حلول ربيع 1986م (بهار 1365ه. ش)، قام وفد صيني بزيارة بغداد و تمّ توقيع اتفاقية اقتصادية و فنية بين البلدين.⁠[10]

خلال النصف الأول من عام 1986م (1365ه. ش)، بلغ حجم مشتريات إيران من السلاح الصيني 300 مليون دولار، لتصبح «الصين» أكبر مورّد للسلاح إلى إيران في تلك الفترة.⁠[11]في فبراير 1987م (بهمن 1365ه. ش)، زار «طه یاسین رمضان» الصين و أُعلن بعد الزيارة أنّ العراق قد تزوّد بصواريخ «أرض– جو» صينية الصنع.⁠[12]في بداية 1987م (1366ه. ش)، أرسلت «الصين» إلى إيران صواريخ «دودة القز» (سيلك وورم). مع ذلك، كانت «الصين» تنفي بشدة التقارير المتعلقة ببيع السلاح لإيران و تؤكد تمسّكها بموقف الحياد.⁠[13]

شاركت جمهورية الصين الشعبية في التصويت على جميع قرارات و بيانات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة خلال سنوات الحرب المفروضة الثماني التي شنّها العراق على إيران  و كانت شريكًا في جميع مداولاته و قراراته.⁠[14]في 20 يوليو 1987م (29 تیر 1366ه. ش)، صوّتت «الصين» لصالح «القرار 598» و أعلنت أنه إذا رفضت إيران قبول القرار، فإنها ستدعم حظر بيع السلاح لإيران تحت إشراف الأمم المتحدة.

بعد نشر إيران صواريخ «دودة القز» (سيلك وورم) في جزيرة «قشم» للسيطرة على مضيق «هرمز» و مواجهة تصعيد حرب الناقلات من جانب العراق، ازدادت الضغوط السياسية و الإعلامية ضدّ الصين. تفاقمت هذه الضغوط خصوصًا بعد أن عرضت حكومة «الكويت» في 4 سبتمبر 1987م (13 شهریور 1366ه. ش) بقايا صاروخ «دودة القز» (سيلك وورم) الذی سقط في ميناء «الأحمدي» و كان يحمل علامة الصنع الصيني و ذلك أمام ممثلي الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن في «نيويورك».⁠[15]

رغم هذه الضغوط، سلّمت الصين لإيران في ديسمبر 1987م (دی 1366ه. ش) شحنة أسلحة جديدة بقيمة 200 مليون دولار و بشكل عام، باعت الصين لإيران خلال عام 1987م (1366ه. ش) ما يقارب 600 مليون دولار من الأسلحة، شملت: مدافع، ذخائر، صواريخ و معدات تصنيع السلاح و الصواريخ.⁠[16]بين 1980– 1987م (1359– 1366ه. ش)، وقّعت الصين عقودًا تسليحية مع إيران و العراق بقيمة 8.2 مليارات دولار و هو ما مثّل 74٪ من إجمالي صفقات الصين العسكرية مع دول العالم الثالث خلال تلك الفترة.⁠[17]

من أبرز الأسلحة التي باعتها الصين لإيران خلال الحرب المفروضة:550 قاذف راجمات صواريخ «ميني كاتيوشا»، 300 دبابات Type-59، 520   مدفعًا ميدانيًا مقطورًا عيار 130 ملم، 100 مدفع عيار 122 ملم، 75 صاروخ «دودة القز» (سيلك وورم) مع 7 منصات إطلاق، 150 صاروخ «أرض– جو HQ‑2» (النسخة الصينية من صاروخ سام‑2 السوفيتي).⁠[18]رغم الزيارات المتكررة للمسؤولين الإيرانيين رفيعي المستوى إلى الصين خلال الحرب، فإن المسؤولين الصينيين كانوا يتحفظون على زيارة إيران بسبب اعتبارات سياسية و كانوا كلما طُرحت فكرة زيارة رسمية، يشددون على ضرورة الحفاظ على التوازن بين إيران و العراق في هذا المجال.⁠[19]


المصادر والمراجع

  • [1]. طارم‌ سري، مسعود و آخرون، چین-سیاست خارجی و روابط با ایران 1328– 57 (الصین-السیاسة الخارجیة و العلاقات مع إیران 1949– 1979)، طهران، مكتب الدراسات السیاسیة و الدولیة لوزارة الخارجیة، الطبعة الثالثة، 991م (1370هـ. ش)، ص 101– 102.
  • [2]. رفعتی، جهانگیر، «نقش چین در جنگ تحمیلی (دور الصین في الحرب المفروضة)»، مؤسسة الدراسات و البحوث السیاسیة، الرابط: www. psri. ir/? id=6oqbxfctff.
  • [3]. جمشیدی، محمدحسین، سیاست خارجی چین در قبال جنگ ایران و عراق (السیاسة الخارجیة للصین تجاه حرب الإیرانیة و العراقیة)»، مجلة السیاسة الخارجیة، العدد 72، خریف 2010م (1389هـ. ش)، ص 40.
  • [4]. رفعتی، جهانگیر، المصدر نفسه.
  • [5]. المصدر نفسه.
  • [6]. المصدر نفسه.
  • [7]. المصدر نفسه
  • [8]. المصدر نفسه.
  • [9]. یزدانفام، محمود، گاه‌ شمار جنگ ایران و عراق-1987 (التقویم الزمني لحرب الإیرانیة و العراقیة-1987)، طهران، كلیة القیادة و الأركان في الحرس الثوري، 1998م (1377هـ. ش)، ص 101.
  • [10]. رفعتی، جهانگیر، المصدر نفسه.
  • [11]. المصدر نفسه.
  • [12]. المصدر نفسه.
  • [13]. المصدر نفسه.
  • [14]. المصدر نفسه.
  • [15]. المصدر نفسه.
  • [16]. کردزمن، أنتوني؛ أبراهام فاغنر، درس‌ های جنگ مدرن-جنگ ایران و عراق، ج 2 (دروس الحرب الحدیثة-حرب الإیرانیة و العراقیة، ج 2)، ترجمة: «حسین یکتا «، طهران، دار النشر: «مرز و بوم»، 2011م (1390ه. ش)، ص 196.
  • [17]. رفعتی، جهانگیر، المصدر نفسه.
  • [18]. تارخ، حمید، «خریدهای نظامی ایران در زمان جنگ با عراق (مشتریات إیران العسكریة خلال الحرب مع العراق)، موقع «جنگاوران» العسكری، الرابط: https://jangaavaran.ir/irans-military-purchases-during-the-war-with-iraq.
  • [19]. رفعتی، جهانگیر، المصدر نفسه.

إكمال أو تعديل أو الإبلاغ عن خطأ