عملية كربلاء 4
أعدت قيادة القوات البرية لحرس الثورة الإسلامية خطة تنفيذ عملية 'كربلاء 4' وأطلقتها في عام 1986، وذلك في قاطع 'شلمجة' العملياتي الواقع غربي نهر 'أروند' (جنوبي مدينة خرمشهر).
في أعقاب نجاح عملية "والفجر 8" في أواخر عام 1985، اتخذت القيادة الإيرانية قراراً استراتيجياً يقضي بتعبئة كافة الطاقات الوطنية والقدرات العسكرية لتنفيذ عملية كبرى تهدف إلى حسم مسار الحرب بشكل نهائي؛ وبناءً عليه، أُعلن عام 1986 بعام الحسم. ومنذ مطلع ذلك العام، وُضع على جدول أعمال الحرس الثوري مخطط لعملية تعرضية واسعة تستهدف قاطعي "أبو الخصيب" و "شرق البصرة". وقد تمت المصادقة على المخطط التكتيكي والنهائي للعملية خلال سلسلة اجتماعات رفيعة المستوى عُقدت في أيام 27 و28 و29 سبتمبر 1986،[1] حيث عُرفت العملية حينها بالعملية المصيرية.[2]
تحدد مسرح ومكان عمليات "كربلاء 4" في القطاع الجنوبي الغربي لإيران والجنوب الشرقي للعراق، وتحديداً ضمن قاطع شلمجة العملياتي. يقع هذا النطاق جنوب شرق مدينة البصرة، ويحده شمالاً منطقة "زيد" المغمورة بالمياه، وشرقاً مدينة خرمشهر، فيما يحده جنوباً مجرى اروندرود وفرعه الصغير، ومن الغرب "القناة الزوجية" ومدينتا التنومة والحارثة العراقيتان.[3]
تمثلت أهداف العملية في الآتي: انتزاع تفوق سياسي وعسكري لصالح الجمهورية الإسلامية، تدمير تشكيلات القوات العراقية في قاطع غرب أروند رود، الرد على استهداف العدو للمناطق السكنية، والوصول إلى مرابض النيران العراقية التي تقصف مدينتي آبادان وخرمشهر. كما استهدفت العملية التقدم نحو مدينة البصرة والمنشآت والموانئ الحيوية، والسيطرة على منطقة أبي الخصيب لفرض حصار مطبق على القوات المرابطة في شبه جزيرة الفاو وتهديد أمن البصرة من المحور الجنوبي.[4]
قدمت قيادة الحرس الثوري مقترحاً عملياتياً يتطلب حشد 1500 كتيبة لشن هجوم متزامن على القوات العراقية من ثلاثة محاور: (الهور، وشرق البصرة، وأبو الخصيب).[5] وبسبب تعذر تأمين هذا الحجم من القوات (نحو 450 ألف مجاهد)، تم تجهيز 300 كتيبة فقط، نُظمت تحت مسمى "فيلق محمد (ص) ذو المئة ألف مجاهد. انطلقت هذه القوات نحو مسرح العمليات في 3 ديسمبر 1986 بعد تجمع حاشد في استاد "آزادي" بطهران.[6]
بعد عشرة أشهر من الاستعدادات الحثيثة واستنفار كافة الموارد الوطنية والحشد الإعلامي الواسع الرامي إلى حسم مصير الحرب، صدرت الأوامر العسكرية بانطلاق العملية. جاء هذا القرار في توقيت استراتيجي حرج، حيث كانت المنشآت الصناعية والقواعد الاقتصادية الحيوية، فضلاً عن محطات الطاقة والمياه في البلاد، تتعرض لغارات جوية عراقية مكثفة وعنيفة استهدفت البنية التحتية.[7] أُسندت مهام التنفيذ إلى أربعة مقرات عملياتية تابعة للحرس الثوري: مقر نوح؛ لتأمين الجناح الأيسر والتقدم باتجاه "جزيرة مينو". مقر كربلاء؛ لصد الهجمات المضادة المنطلقة من "جزيرة أم الرصاص" وتأمين طرق المواصلات. مقر قدس؛ للاختراق والتقدم في مناطق البتروكيماويات وأبو الخصيب. مقر نجف؛ للعمل في شمال "المنطقة الخماسية" بشلمجة وصولاً إلى جزيرتي "بوارين" و"أم الطويلة". وقد شاركت وحدات من القوات البرية للجيش في خطوط المواجهة، بينما قدمت القوة الجوية الإسناد القريب.[8]
قبيل إعلان رمز العملية، وفي تمام الساعة 21:00 من ليلة 24 ديسمبر 1986، تم إنزال مجموعات الضفادع البشرية في مجرى أروندرود ضمن محور "مقر قدس". إلا أن قوات العدو رصدت التسلل واستهدفتهم بنيران كثيفة من الرشاشات المتوسطة والثقيلة.[9] دلت كافة القرائن والمؤشرات الميدانية على أن الجيش العراقي كان على علم مسبق بالهجوم، حيث قام بإغلاق أهم ممرات النفاذ العملياتية، وتحديداً الممر المائي الضيق المحيط بجزيرة أم الرصاص، والذي كان يُعرف بـ "مضيق العملية".[10] ورغم هذا الانكشاف، ساد هدوء نسبي وغياب للنشاط المعادي في قواطع مقرات "نوح" و"كربلاء" و"نجف"، مما جعل الموقف هناك يبدو اعتيادياً.[11]
دشّنت القوات الإيرانية عملیاتها في تمام الساعة 22:30 من لیلة 24 دیسمبر 1986، مستخدمةً رمز "يا محمد (ص).[12] وتشير المعطيات إلى أن حالة الاستنفار القصوى لدى الجانب العراقي لم تکن ناتجة عن الرصد المیداني المباشر فحسب، بل استندت بشكل جوهري إلى المعلومات الاستخباراتیة المسربة من أجهزة التجسس الأمریکیة؛[13] وهو التعاون الذي کشف عنه مسؤولون أمریکیون لاحقاً في أواخر التسعينيات إبان أزمة غزو الكویت.[14] ومن جانبه، أطلق الجيش العراقي على تصدیه لهذه العملية تسمية معركة "الیوم العظیم".[15]
مع بدء الهجوم الشامل، حققت القوات في محاور مقرات "نجف" و"قدس" و"نوح" و"کربلاء" تقدماً میدانياً وسيطرت على أهداف محددة. ومع ذلك، تعثرت فرقة 14 "الإمام الحسین" (ع) في محور مقر "کربلاء" عن تنفيذ عملیة إنزال القوات في جزيرة "بلجانية". کما لم يفلح مقر "قدس" في تطهير رأس "جزيرة السمكة"، بینما نجحت قوات مقر "کربلاء" في الاختراق والتقدم داخل جزيرة "أم الرصاص". وفي قاطع شلمجة، کان الموقف العملياتي أکثر إیجابية؛ حيث تمکنت فرقة 19 "فجر" (التابعة لمقر نجف) من اقتحام "المنطقة الخماسية"، کما أحرزت فرقة 57 "أبو الفضل" (ع) تقدماً ملحوظاً. وفي جزيرة "مينو"، نجح لواء 33 "المهدي" «عج» التابع لمقر "نوح" بصعوبة في الالتحام مع لواء 32 "أنصار الحسین" (ع) التابع لمقر "کربلاء"، في حین تمکنت فرقة 7 "ولي عصر" «عج» من دخول جزيرة "سهیل".[16]
في الساعة 02:10 من فجر يوم 25 ديسمبر 1986، أُفيد بأن الموقف التكتيكي للواء "أنصار الحسين" (ع) التابع لمقر كربلاء، ولواء 33 "المهدي" «عج» التابع لمقر نوح، أصبح غير مواتٍ. تلا ذلك تدهور حاد في وضع فرقة 8 "نجف أشرف" من مقر كربلاء التي واجهت ظروفاً قتالية بالغة القسوة. وفي الساعة 03:17، أبلغت فرقة 7 "ولي عصر" «عج» من مقر نوح عن تعذر تطهير الأجزاء المحددة في جزيرة "سهيل". لم تكن الظروف في باقي مقرات القيادة بأفضل حال، حيث تعذر تحقيق النتائج المنشودة. وعلى الرغم من أن هذه العملية شهدت اختراق خطوط الدفاع العراقية في قاطع شلمجة لأول مرة، إلا أن الظروف الميدانية حالت دون استمرار الزخم الهجومي.[17] وبناءً على تقدير موقف القوات والإخفاق في بلوغ الأهداف المرسومة، صدر الأمر العملياتي بوقف التنفيذ في تمام الساعة 23:45 من ليلة 25 ديسمبر 1986.[18]
من بين العوامل المتعددة التي صاغت مسار عملية "كربلاء 4"، برز عاملان حاسمان: الأول هو تسريب المخطط العملياتي بناءً على معلومات استخباراتية زودتها أجهزة التجسس الأمريكية للجانب العراقي، والثاني هو استيعاب العراق لدروس هزيمته في عملية "والفجر 8" التي نفذتها القوات الإيرانية بنجاح في شبه جزيرة الفاو.[19]
وقد ركزت الدعاية العراقية على ضخامة هذه العملية واستهدافها احتلال مدينة البصرة لإبراز حجم الانتصار العراقي؛ ومع أن "كربلاء 4" كانت تُصنف عملياً ضمن العمليات الكبرى من حيث الأهداف، إلا أن قصر مدة الاشتباكات حال دون اعتبارها من قِبل المحافل السياسية والعسكرية الدولية بمثابة الهجوم الشامل والنهائي الذي كانت تعتزم إيران شنه.[20]
أسفرت عملية "كربلاء 4" عن استشهاد 985 مجاهداً وإصابة 8071 آخرين من القوات الإيرانية.[21] وعقب تعثر تحقيق الأهداف المرسومة، وبغية الحفاظ على التفوق السياسي والعسكري لصالح الجمهورية الإسلامية وتجاوز حالة الركود في جبهات القتال، جرى التخطيط لعملية "كربلاء 5" التي نُفذت في 9 يناير 1987.[22] وفي أواخر مايو 2015، تم استعادة رفات 175 من الضفادع البشرية التابعين لعملية "كربلاء 4" بعد العثور عليهم في قرية "أبو فلوس" العراقية.[23] وتؤكد القرائن الميدانية أن هؤلاء المجاهدين — الذين كان معظمهم جرحى — قد وقعوا في الأسر خلف خطوط العدو، وتم دفنهم في مقبرة جماعية وهم مكبلو الأيدي والأرجل.[24]
في الذكرى السنوية لعملية "كربلاء 4" عام 2018، أثار "محسن رضائي" (أمين مجمع تشخيص مصلحة النظام والقائد الأسبق للحرس الثوري) جدلاً واسعاً بتدوينة ذكر فيها أن العملية نُفذت كعملية تضليل لخداع العدو.[25] وفي ردود فعل متباينة، وأمام التفسيرات المتفاوتة، قدم "رضائي" إيضاحاً فنياً مفاده أن القيادة قررت اعتبارها عملية تضليلية بعد مرور يوم واحد على ساعة الصفر لاستثمار نتائجها تكتيكياً. ومن جانبه، صرح اللواء "قاسم سليماني" (قائد الفرقة 41 "ثار الله" خلال تلك المعركة) بأن نجاح عملية "كربلاء 5" اللاحقة هو ما رسخ في ذهنية القيادة العسكرية العراقية تصوراً بأن "كربلاء 4" لم تكن سوى مناورة لخداعهم.[26]
وعلى الصعيد الرمزي، تم تشييد نصب تذكاري لشهداء عملية "كربلاء 4" في منطقة العمليات على ضفاف اروندرود، لاستقبال قوافل "راهیان نور".[27]
منابع و ارجاعات:
- [1] انصاری، مهدی، فوزی، یحیی، لطفاللهزادكان، علیرضا، روزشمار جنگ ایران و عراق، کتاب چهلوچهارم: ماجرای مکفارلین (يوميات الحرب الإيرانية العراقية، الكتاب الرابع والأربعون: قضية مكفارلين)، طهران: مرکز مطالعات و تحقیقات جنگ سپاه پاسداران انقلاب اسلامی (مركز دراسات وبحوث الحرب التابع لحرس الثورة الإسلامية)، 1380ش/ 2001م، ص 19.
- [2] المصدر نفسه، ص 21.
- [3] بورأحمد، أحمد، جغرافیای عملیات ماندگار دفاع مقدس (جغرافيا العمليات الخالدة في الدفاع المقدس)، طهران: بنیاد حفظ آثار و نشر ارزشهای دفاع مقدس (مؤسسة حفظ آثار ونشر قيم الدفاع المقدس)، 1386ش/ 2007م، ص 312.
- [4] المصدر نفسه، ص 323.
- [5] رشید، محسن، اطلس جنگ ایران و عراق (أطلس حرب إيران والعراق)، طهران: مرکز اسناد و تحقیقات دفاع مقدس سپاه پاسداران انقلاب اسلامی (مركز وثائق وبحوث الدفاع المقدس التابع لحرس الثورة الإسلامية)، ط2، 1389ش/ 2010م، ص 76.
- [6] جعفري، مجتبی، اطلس نبردهای ماندگار (أطلس المعارك الخالدة)، طهران: سوره سبز، الطبعة الثانية والعشرون، 1391ش/ 2012م، ص 132؛ صحيفة الجمهورية الإسلامية، العدد 2178، 3 ديسمبر 1986 (12 آذر 1365)، ص 1.
- [7] درودیان، محمد، سیری در جنگ ایران و عراق، ج3: فاو تا شلمچه (جولة في حرب إيران والعراق، المجلد الثالث: من الفاو إلى شلمجة)، طهران: مرکز اسناد و تحقیقات دفاع مقدس (مركز وثائق وبحوث الدفاع المقدس)، الطبعة السادسة، 1387ش/ 2008م، ص 115.
- [8] جعفری، مجتبی، اطلس نبردهای ماندگار، ص 132؛ فصلية: نگین ایران، العدد 53، صيف 1394ش/ 2015م، ص 68؛ اردستانی، حسین، تجزیه و تحلیل جنگ ایران و عراق، ج3: تنبیه متجاوز (تحليل حرب إيران والعراق، المجلد الثالث: تأديب المعتدي)، طهران: مرکز مطالعات و تحقیقات جنگ سپاه پاسداران انقلاب اسلامی (مركز دراسات وبحوث الحرب التابع لحرس الثورة الإسلامية)، 1379ش/ 2000م، ص 238 و240.
- [9] اردستانی، حسین، تجزیه و تحلیل جنگ ایران و عراق، ج3، ص 234 و239.
- [10] جعفری، مجتبی، اطلس نبردهای ماندگار، ص 132.
- [11] اردستانی، حسین، تجزیه و تحلیل جنگ ایران و عراق، ج3، ص 239 و240.
- [12] جعفری، مجتبی، اطلس نبردهای ماندگار، ص 132؛ فصلية نگین ایران، العدد 53، صيف 1394ش/ 2015م، ص 68؛ اردستانی، حسین، تجزیه و تحلیل جنگ ایران و عراق، ج3، ص 240.
- [13] درودیان، محمد، سیری در جنگ ایران و عراق، ج3 (جولة في حرب إيران والعراق، المجلد الثالث)، ص 117.
- [14] عبد الحليم أبو غزالة، جنگ عراق و ایران، ترجمه نادر نوروزشاد (الحرب العراقية الإيرانية، ترجمة نادر نوروز شاد)، طهران: مرکز اسناد و تحقیقات دفاع مقدس (مركز وثائق وبحوث الدفاع المقدس)، الطبعة الثانية، 1390ش/ 2011م، ص 226.
- [15] وفيق السامرائي، ویرانی دروازه شرقی، ترجمه عدنان قارونی (حطام البوابة الشرقية، ترجمة عدنان قاروني)، طهران: معاونت انتشارات مرکز فرهنگی سپاه (معاونية النشر في المركز الثقافي لحرس الثورة)، 1377ش/ 1998م، ص 110
- [16] اردستانی، حسین، تجزیه و تحلیل جنگ ایران و عراق، ج3، ص 241 و242.
- [17] جعفری، مجتبی، اطلس نبردهای ماندگار، ص 132.
- [18] اردستانی، حسین، تجزیه و تحلیل جنگ ایران و عراق، ج3، ص 241-243.
- [19] درودیان، محمد، سیری در جنگ ایران و عراق، ج3، ص 116-118.
- [20] المصدر نفسه، ص 118-121.
- [21] اردستانی، حسین، تجزیه و تحلیل جنگ ایران و عراق، ج3، ص 243.
- [22] درودیان، محمد، سیری در جنگ ایران و عراق، ج3، ص 127؛ جعفری، مجتبی، اطلس نبردهای ماندگار، ص 77.
- [23] علایی، حسین، تاریخ تحلیلی جنگ ایران و عراق ج2 (حسين علائي، التاريخ التحليلي لحرب إيران والعراق، المجلد الثاني)، طهران: مرز و بوم، 1395ش/ 2016م، ص 283.
- [24] صحيفة ابتكار، العدد 3717، 27 مايو 2017 (6 خرداد 1396)، ص 1.
- [25] صحيفة "شرق"، العدد 3329، 30 ديسمبر 2018 (9 دی 1397)، ص 2.
- [26] صحيفة "إيران عصر"، العدد 6962، 31 ديسمبر 2018 (10 دی 1397)، ص 2؛ میرزایی، عباس، اطلس 41 ثارالله در هشت سال دفاع مقدس (أطلس فرقة 41 "ثار الله" في سنوات الدفاع المقدس الثماني)، طهران: مرکز اسناد و تحقیقات دفاع مقدس (مركز وثائق وبحوث الدفاع المقدس)، 1395ش/ 2016م، ص 27.
- [27] دهقان، أحمد، زیارت با معرفت (زيارة بمعرفة)، طهران: بنیاد حفظ آثار و نشر ارزشهای دفاع مقدس (مؤسسة حفظ آثار ونشر قيم الدفاع المقدس)، 1396ش/ 2017م، ص 237.