الحرب النفسية
«الحرب النفسية» هي الاستخدام المخطط للدعاية بواسطة عوامل ظاهرة مثل الإذاعة، التلفزيون، الصحافة و عوامل خفية مثل الشائعة بهدف تحريف العقائد، إضعاف الروح المعنوية، تشويه الدوافع و تقليل سلطة الطرف المقابل. «الحرب النفسية» نشاط عملياتي مستمر يعتمد على الدعاية و لها أهداف خفية في زمن السلم و الحرب. تعمل هذا النوع من الحرب على المشاعر الكامنة للإنسان و تكون مقدمة للعمليات العسكرية.[1]من أهداف العمليات النفسية إيحاء الحزن، اليأس، الإحباط و إيجاد الرعب و الهلع.[2]مجموعة الأنشطة التي تُنفذ للوصول إلى أهداف «الحرب النفسية» تُسمى «العمليات النفسية».[3]
«العمليات المضادة للحرب النفسية» هي الأنشطة التي تُنفذ للدفاع الوقائي، الدفاع أثناء الهجوم و الدفاع الترميمي لمواجهة العمليات النفسية للعدو.[4]لـ «الحرب النفسية» أساليب مختلفة: 1. الشائعة، 2. تحريف الحقائق، 3. المبالغة و المغالاة 4. التفرقة، 5. الخداع.[5]طُرح مصطلح «الحرب النفسية» لأول مرة من قبل «ج. س. فولر» المحلل العسكري الإنجليزي عام 1920م و تعود قدم «الحرب النفسية» إلى قدم تشكيل المجتمعات البشرية و قبل «فولر» كانت تُسمى بأسماء مثل «الحرب السياسية» في إنجلترا، «الحرب الفكرية» في ألمانيا و «الحرب الدعائية» في روسيا.[6]
يُستخدم لـ «الحرب النفسية» أساليب و وسائل متنوعة مثل الصحيفة، الإذاعة، التلفزيون، السينما و البيانات. في الحرب العالمية الأولى وزعت إنجلترا و فرنسا بواسطة البالونات و الطائرات بيانات بين جنود العدو مما أدى إلى استسلام كثير من الجنود.[7]في الحرب العالمية الثانية استُخدمت أساليب مثل إثارة الاضطراب بين أفراد المجتمع و نشر الأخبار بشكل موجه و استغلال خطأ العدو و تحويله إلى ذنب كبير لـ «الحرب النفسية».[8]
بعد الهجمات الثقيلة و المركزة للحلفاء على ألمانيا، ألقى «باول جوزيف غوبلز» صور المدن المدمرة على شعب إنجلترا و هدد في الوقت نفسه بالهجوم. أدى هذا العمل إلى توقف سيل كبير من اللاجئين عن الحرب و في النهاية أُحدث اضطراب في حركة القوات و الآلات الحربية للحلفاء. اشتهرت هذه العملية باسم خطة «غوبلز».[9]في الحروب المعاصرة تُستخدم أساليب نفسية لـ «الحرب النفسية». بحيث إنه في حرب أمريكا مع «فيتنام» عندما سُويت قرية في فيتنام بالأرض كان الشعب الأمريكي غير مبالٍ.[10]
في القرآن أيضاً أُشير إلى أساليب «الحرب النفسية» لأعداء صدر الإسلام ضد النبي (ص). من بعض أساليب هذا العمل إثارة الضوضاء و الضجيج، استخدام القصص و الأساطير، الإغراء، إيجاد التفرقة و نشر الشائعات و الادعاء بأن النبي ملاك و الاتهامات الباطلة.[11]في «الحرب النفسية» و ما يُسمى اليوم بالحرب الناعمة يأتي العدو إلى الحصون المعنوية ليدمرها و عندما لا يستطيع العدو أن يحقق شيئاً في ساحة العمل يلجأ إلى «الحرب النفسية» ليأس الشعوب و إفراغ قلوبها.[12]
في الحرب المفروضة العراقية على إيران كان العراق باللجوء إلى «الحرب النفسية» و الدعاية الوهمية مثل أن سقوط الشاه و تعيين الإمام كان من قبل أمريكا و أن إيران تسعى للانتقام من «قادسية» الأولى و أن إيران لديها دين مجوسي و مضاد للإسلام و أن إيران كانت دائماً البادئة بـ «حرب المدن» و أن «الإمام الخميني» أفتى بأن يقتل الإيرانيون الأسرى و أن الإيرانيين يقطعون الأسرى إرباً، يخلق دافعاً للقتال في شعبه و عسكرييه.[13]أعلنت إذاعة «جدة» في 27 سبتمبر 1980م (5 مهر 1359ه. ش) أن سفينة تابعة للقوة البحرية الإيرانية و سفينة كاسحة ألغام إيرانية غرقتا قرب «رأس الخيمة» على يد القوة البحرية العراقية، بينما لم يكن هذا الخبر صحيحاً و كان من مصاديق «الحرب النفسية» ضد القوة البحرية لجيش الجمهورية الإسلامية و شعب إيران.[14]
كان استخدام عناوين و مفردات مثل عدم الاستقرار، الموت، التعذيب، السواد، الدم و عدم مراعاة حقوق الإنسان و غيرها يضع صورة الدمار أمام أعين القارئ و المستمع و يوحي بالحزن و الغم و الاكتئاب.[15]من جملة ما سبق الخبر الذي نشرته «تايمز لندن» في 7 يناير 1986م (17 دي 1364ه. ش): «لم يتمكن الجيش الإيراني رغم التشجيع على الشهادة في سبيل الله من اختراق تحصينات العراق. في الجو قللت هجمات العراق على المحطة النفطية الرئيسية في «خارک» من صادرات إيران بشكل ملحوظ و في الوقت نفسه قلل العرض الزائد للنفط في السوق العالمية و بالتالي رخص سعره من الإيرادات الأجنبية الحاصلة من نفط إيران أكثر فأكثر.[16]
الدعایة الواسعة حول التعب و الضعف العام من مواصلة الحرب مع العراق، تقليل شعبية الجمهورية الإسلامية الإيرانية بين الناس، نشر تقارير عن التفوق التسليحي للعراق و دعم القوى العظمى له و العزلة العالمية لإيران و المظاهرات ضد الحرب في أنحاء إيران من مصاديق أخرى لـ «الحرب النفسية» لحلفاء العراق. كانت هذه الدعایة متزامنة مع قصف المناطق السكنية الإيرانية لكسر روحية شعب إيران.[17]في عام 1985م (1364ه. ش) شكّلت «هيئة دعاية الحرب» لجنة «العمليات النفسية». بدأت هذه اللجنة أولاً بجمع و تدوين النصوص و الوثائق المتعلقة بـ «الحرب النفسية» و بدأت أنشطة بهدف تصميم و تنفيذ برامج «الحرب النفسية»، «ضد الحرب النفسية»، «العمليات النفسية» و «ضد العمليات النفسية».[18]
بعد ذلك في السنوات الأخيرة من الحرب أُنشئت وحدة باسم «الحرب النفسية» في الوحدات و من بينها «الحرب النفسية» لنيابة المعلومات في القوات البرية لحرس الثورة التي تولى إدارتها «عبد العلي توكلي» (مرتضى بشيري) عام 1987م (1366ه. ش).[19]في استمرار مسار «الحرب النفسية» العراقية ضد إيران، صدق «طارق عزيز» عضو مجلس قيادة الثورة العراقية أن العراق لا يرغب في القتال مع إيران و لم يفكر في ذلك أبداً و أن حكومة إيران منذ أن جلست على عرش السلطة، بالإضافة إلى تهديد أمن العراق و باقي الدول العربية المجاورة، امتنعت عن التفاوض مع العراق لتحديد الحدود بين البلدين و استمرت في سياستها التوسعية ضد الشعب العربي و التدخل في الشؤون الداخلية للعراق.[20]
في فترة أسر الأسرى الإيرانيين في العراق حاول العراقيون باستخدام أدوات «الحرب النفسية» منها إيجاد الرعب، الهلع، الإذلال، السخرية، الاتهام، الافتراء و عزل الأفراد النشطين في المعسكر إضعاف روحية الأسرى.[21]بدأت حكومة العراق منذ بداية الحرب المفروضة بتحريف الحقائق. لكن في هذا الصدد أعلن «خافيير بيريز دي كويار» الأمين العام للأمم المتحدة بعد قبول القرار 598 و قبول السلام و وقف إطلاق النار من جانب العراق و إيران أنه بالنظر إلى محتويات صحافة العراق حول الحرب، يجب القول إن نظام البعث العراقي في الحقيقة قام بعمق بتحريف الحقائق و يظهر الواقع بشكل مشوه و نسي أنه هو الذي فرض الحرب على إيران و كان البادئ بها.[22]
اليوم «الحرب النفسية» جزء من الأنشطة السياسية، العسكرية، الاقتصادية و الاجتماعية للدول الاستعمارية التي لها وظائف متنوعة تحت غطاء المنظمات الاستخباراتية على المستوى الوطني و الدولي. فعلى سبيل المثال تسيطر وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه) باستخدام الأساليب النفسية على الرأي العام الأمريكي و باقي أنحاء العالم.[23]تؤدي الأقمار الصناعية بوصفها أحد أهم أدوات «الحرب النفسية» دوراً حساساً.[24]في هذه الظروف تُعرّف «الحرب النفسية» كأحد العناصر الأربعة الرئيسية للقوة.[25]
«الحرب النفسية» الأمريكية ضد العراق عام 2002م (1381ه. ش) هي أول حرب استُخدم فيها أقصى قدر من «العمليات النفسية». من جملة ما استُخدم في هذه الحرب استخدام الأسلحة الإلكترونية، إرسال رسائل إلى القادة العسكريين العراقيين لعدم دعم «صدام حسين» و تهديد الأفراد المسؤولين عن الأسلحة الدفاعية الجوية العراقية بنشر 8 ملايين نسخة من البيانات.[26]
المصادر والمراجع
- [1]. حجاب، محمد منير، ترجمة: «يارمند»، سعيد، جنگ رواني (الحرب النفسية)، طهران: المركز التعليمي و البحثي للشهيد «اللواء صياد شيرازي»، الطبعة الثانية، 2008م (1387ه. ش)، ص 100.
- [2]. متفكر، حسين، جنگ رواني (الحرب النفسية)، طهران، حرس الثورة الإسلامية، إدارة العلاقات العامة و المنشورات لمقر ممثلية الولي الفقيه، 2002م (1381ه. ش)، ص 43 و 46 و 48.
- [3]. كمالي كليماني، محسن، عمليات ضد جنگ رواني (العمليات المضادة للحرب النفسية)، طهران، المركز التعليمي و البحثي للشهيد «اللواء صياد شيرازي»، 2009م (1388ه. ش)، ص 2.
- [4]. المصدر نفسه، ص د.
- [5]. بوابة «الحوزة» الإلكترونية، https://hawzah.net/fa/Magazine/View/4892/8230/109363
- [6]. حجاب، محمد منير، ترجمة «يارمند»، سعيد، جنگ رواني (الحرب النفسية)، ص 11 و 14.
- [7]. المصدر نفسه، ص 48.
- [8]. المصدر نفسه، ص 49 و 50.
- [9]. متفكر، حسين، جنگ رواني (الحرب النفسية)، ص 33.
- [10]. متفكر، حسين، جنگ رواني (الحرب النفسية)، ص 40.
- [11]. المصدر نفسه، ص 52– 62.
- [12]. بطاقات «الحرب النفسية»، موقع قائد الثورة الإسلامية، https://farsi.khamenei.ir/newspart-index?tid=1015
- [13]. ذاكر صالحي، غلام رضا، مجموعه مقالات اولين نشست كنفرانس بررسي دفاع مقدس (مجموعة مقالات الجلسة الأولى لمؤتمر دراسة الدفاع المقدس)، طهران، جامعة «الإمام الحسين (ع)»، 1992م (1371ه. ش)، ص 260.
- [14]. ذاكري، سيد تراب، جنگ رواني دشمن در جنگ تحميلي (الحرب النفسية للعدو في الحرب المفروضة)، مجلد 1، طهران، المركز التعليمي و البحثي للشهيد «اللواء صياد شيرازي»، 2014م (1393ه. ش)، ص 207.
- [15]. متفكر، حسين، جنگ رواني (الحرب النفسية)، ص 54.
- [16]. تقي زاده أكبري، علي، عوامل معنوي و فرهنگي دفاع مقدس، (العوامل المعنوية و الثقافية للدفاع المقدس)، مجلد 2، «قم»، منشورات «زمزم هدايت»، 2008م (1387ه. ش)، ص 419.
- [17]. متفكر، حسين، جنگ رواني (الحرب النفسية)، ص 60
- [18]. تقي زاده أكبري، علي، عوامل معنوي و فرهنگي دفاع مقدس (العوامل المعنوية و الثقافية للدفاع المقدس) مجلد 2، ص 410.
- [19]. بهبودي، فاطمة، «پوتين قرمزها»(أصحاب البساطيل الحمر)، طهران، دارالنشر: «سوره مهر»، 2017م (1396ه. ش)، ص 355.
- [20]. متفكر، حسين، جنگ رواني (الحرب النفسية)، ص 150.
- [21]. محمدي ينگجه، عبد الله، تهاجم نرم و جنگ رواني در اسارت (العدوان الناعم و الحرب النفسية في الأسر)، «أردبيل»، منشورات «خط هشت»، 2015م (1394ه. ش)، ص 78– 82.
- [22]. متفكر، حسين، جنگ رواني (الحرب النفسية)، ص 150.
- [23]. المصدر نفسه، ص 34.
- [24]. المصدر نفسه، ص 189.
- [25]. متفكر، حسين، جنگ رواني (الحرب النفسية)، ص 41.
- [26]. حجاب، محمد منير، ترجمة «يارمند»، سعيد، جنگ رواني (الحرب النفسية)، ص 60 و 61.