حركة عدم الانحياز
تُعد حركة عدم الانحياز منظمة دولية انبثقت عام 1961 في يوغوسلافيا بمبادرة من الدول النامية. انضمت إيران إلى عضوية الحركة في أعقاب انتصار الثورة الإسلامية. ومع اندلاع الحرب المفروضة من قبل العراق ضد إيران، فشلت الحركة في اتخاذ موقف حاسم تجاه الطرف المعتدي رغم مساعي الوساطة، واقتصر دورها على المطالبة بوقف إطلاق النار وإدانة مبدأ الحرب كخيار لتسوية النزاعات.
تتمحور جذور نشأة حركة عدم الانحياز حول عقيدة "النأي عن الأحلاف" تجاه المعسكرين الشرقي والغربي، وهي العقيدة التي تبلورت في "مؤتمر باندونغ" بإندونيسيا عام 1955. وضع حجر الأساس لهذا الفكر الاستراتيجي كل من جواهر لال نهرو (رئيس وزراء الهند)، وجمال عبد الناصر (زعيم مصر)، وتشو إن لاي (رئيس وزراء الصين)، والمارشال تيتو (رئيس جمهورية يوغوسلافيا)، وقوام نكروما (رئيس جمهورية غانا)، وأحمد سوكارنو (رئيس جمهورية إندونيسيا). حدد المؤتمر "المبادئ العشرة" كأهداف استراتيجية عليا، إلا أن مسار الحركة تعثر نتيجة تضارب المصالح بين عضوين فاعلين هما الصين والهند. وفي عام 1961، عُقد المؤتمر التأسيسي الأول في بلغراد بتمثيل ضم 25 دولة كأعضاء دائمين و3 دول بصفة مراقب.[1]
مع انتصار الثورة الإسلامية، أُزيحت العقبة الكبرى أمام الانضمام لحركة عدم الانحياز، والمتمثلة في التبعية العضوية لنظام البهلوي للمعسكر الغربي والمنظومة الرأسمالية؛ وبذلك نالت الجمهورية الإسلامية العضوية، وشاركت في قمة الحركة المنعقدة في هافانا عام 1979.[2] ومع اندلاع الحرب المفروضة من قبل العراق في 22 سبتمبر 1980، كُلف قادة الحركة بالتدخل عبر قمة وزارية في بلغراد لمعالجة الأزمة.[3] غير أن الفيتو العراقي على مشاركة الجزائر عرقل الوصول إلى تسوية فورية؛ إذ كان النظام العراقي ينظر بريبة لتدخل الحركة، ويعتبر وجود الجزائر (كطرف وسيط) في نزاع تخوضه دولة عربية تدخلاً غير مقبول، في حين لم يمانع مشاركة منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها كياناً عربياً حليفاً.[4]
مع تصاعد العمليات العسكرية العراقية، طالبت إيران حركة عدم الانحياز باتخاذ موقف واضح تجاه الحرب. وبناءً عليه، تشكلت 'لجنة حسن النوايا' في نوفمبر 1980 للوساطة وفرض هدنة، حيث أرسلت الحركة وفوداً من كوبا، ويوغوسلافيا، والجزائر، وزامبيا، والهند، وباكستان، ومنظمة التحرير الفلسطينية إلى عواصم الدولتين.[5] إلا أن رئيس الوزراء الإيراني آنذاك، محمد علي رجائي، وجه مذكرة حاسمة للقيادة اليوغوسلافية مفادها: 'لا قبول لأي مقترح لوقف إطلاق النار ما لم تنسحب القوات العراقية من الأراضي الإيرانية'. اعتبر رجائي أن آليات اللجنة تفتقر للوضوح في تحديد الطرف المعتدي، مؤكداً أن الجولات الدبلوماسية لن تجدي نفعاً، وأن حسم النزاع سيتقرر في جبهات القتال.[6] وفي ذات السياق، وجه الرئيس أبو الحسن بني صدر رسالة لرؤساء دول الحركة فند فيها المزاعم العراقية حول الرغبة في السلام أو احتلال إيران لأراضٍ عراقية، واصفاً إياها بالأكاذيب المحضة. كما انتقد رجائي عبر شاشة التلفزيون اليوغوسلافي مواقف الدول الأعضاء في الحركة حيال الحرب. وخلال اجتماعه بممثل رئيس وزراء الهند، صرح قائلاً: 'ثمة مساران للسلام؛ الأول هو الرضوخ لعنجهية العدوان وقبوله، والثاني هو إرغام الطرف المعتدي على التراجع إلى حدود ما قبل الغزو ومحاكمته أمام المحافل الدولية... ونحن الآن بصدد تفعيل المسار الثاني'. لقد كان رجائي يطالب الجانب الهندي بموقف حازم يقضي بإدانة العدوان صراحةً.[7]
في ديسمبر 1980، وجّه مندوب الجمهورية الإسلامية في اجتماع حركة عدم الانحياز بنيويورك انتقادات حادة للصمت الاستراتيجي الذي تبنته الحركة طيلة ثلاثة أشهر، مطالباً بإدانة صريحة للعراق، إلا أن رئاسة الاجتماع لم تبدِ أي رد فعل.[8]
وفي قمة وزراء الخارجية المنعقدة في نيودلهي (فبراير 1981)، ورغم تحفظات الحكومة الهندية التي اعتبرت طرح النزاع العراقي-الإيراني إضعافاً للحركة ووصفته بالنزاع الداخلي، طالب المندوب الإيراني بهزاد نبوي الحركة بتبني موقف عملياتي نشط. وتضمنت المطالب الإيرانية: إدانة العدوان، والانسحاب الفوري للقوات الغازية من الأراضي الإيرانية، وتعليق عضوية العراق. ومع ذلك، أحجمت قيادة الحركة عن اتخاذ موقف حاسم، واكتفت ببروتوكولات التعبير عن الأسف وإصدار البيانات الجوفاء.[9]
في العاشر من مايو 1981، وصلت لجنة السلام التابعة لحركة عدم الانحياز إلى طهران، حيث قدم الوزراء (من كوبا والهند وزامبيا ومنظمة التحرير) مقترحاً يتضمن الفصل بين القوات المتحاربة، وإنشاء منطقة منزوعة السلاح، مع توفير ضمانات ونشر مراقبين دوليين. إلا أن المفاوضات آلت إلى الفشل بسبب غياب رؤية واضحة لدى اللجنة لحل النزاعات وفشلها في تحديد الطرف المعتدي.[10] خلال الزيارة الثالثة لبعثة حسن النوايا التابعة لحركة عدم الانحياز في أغسطس 1981، التقى أعضاء الوفد بالرئيس الإيراني آنذاك، محمد علي رجائي، حيث أعربوا عن قلقهم البالغ من استمرار الأعمال العدائية وتداعياتها على أمن المنطقة والسلم العالمي. وحذّر الوفد من أن إطالة أمد الحرب ستمنح القوى العظمى ذريعة للتدخل العسكري المباشر والتموضع الدائم في الإقليم. وبينما دعت البعثة إلى تبني 'مرونة سياسية' للتوصل إلى تسوية مشرفة، معترفةً بضيق صلاحياتها في تحديد الطرف البادئ بالعدوان، تمسك الرئيس رجائي بالثوابت الاستراتيجية للنظام، مطالبًا بضرورة توصيف الجريمة العسكرية وطرد القوات الغازية. واعتبر رجائي أن تحركات الوفد ستظل بلا جدوى ما لم يذعن النظام العراقي للمبدأ الأول في ميثاق الحركة الذي يحظر الاستيلاء على الأراضي باللجوء إلى القوة القسرية.[11]
مثّل ملف استضافة بغداد للقمة السابعة لحركة عدم الانحياز عام 1982 أحد أخطر تحديات السياسة الخارجية لإيران؛ لذا أطلقت طهران حراكاً دبلوماسياً مكثفاً لإجهاض هذه الخطوة. فقد لوحت الخارجية الإيرانية بمقاطعة القمة وعدم الاعتراف برئاسة العراق الدورية، معتبرةً استضافته انتهاكاً لمبادئ الحركة. وفي أغسطس 1982، وجه الرئيس السيد علي الخامنئي رسالة رسمية إلى فيدل كاسترو، رئيس الحركة حينها، يطالب فيها بإلغاء حق استضافة العراق للقمة.[12]
على الجانب الآخر، كثف العراق جهوزيته اللوجستية لتأمين الاستضافة، فقام بتشييد 'قصر المؤتمرات'، وإعداد مسودة البيان الختامي بثلاث لغات، ورفع أعلام الدول الأعضاء في سماء بغداد كاستعراض للقوة والسيادة. ورداً على ذلك، نفذ سلاح الجو الإيراني ضربات جراحية وضعت العاصمة العراقية في وضعية أمنية حرجة. وقد نجح صقور الجو الإيرانيون، وفي مقدمتهم العقيد الطيار عباس دوران، في تدمير المنشآت النفطية العراقية، وكسر حاجز الصوت فوق بغداد، واستهداف محيط مقر القمة. لم تؤدِ هذه العملية إلى زعزعة الأمن في العمق العراقي فحسب، بل أجهضت مساعي صدام حسين لانتزاع رئاسة الحركة لمدة ثلاث سنوات، وفرضت واقعاً عسكرياً أدى لنقل المؤتمر السابع من بغداد إلى نيودلهي.[13]
في فبراير 1984، وجه آية الله السيد علي الخامنئي رسالة إلى 'إنديرا غاندي' رئيسة الهند ورئيسة الحركة حينها، انتقد فيها بوضوح أداء المنظمة. وطالب بضرورة تغيير العقيدة السياسية للحركة تجاه قضايا مثل الهجمات الصاروخية واستخدام العراق للأسلحة الكيميائية، مؤكداً أن الاكتفاء بالدعوة لوقف إطلاق النار غير كافٍ.[14] في الثاني من سبتمبر 1986، شارك آية الله الخامنئي ممثلاً للجمهورية الإسلامية الإيرانية في القمة الثامنة لرؤساء دول عدم الانحياز في 'هراري' عاصمة زيمبابوي. وخلال كلمته، وجّه انتقادات حادة لمنهجية الحركة، مذكراً المحافل والمنظمات الدولية بمسؤولياتها القانونية، ومبيناً أبعاد الاستراتيجية السلمية التي تنتهجها إيران.[15] وفي ختام هذه القمة، وُجّهت دعوة للطرفين لإنهاء النزاع المسلح. وللمرة الأولى، اعتمدت الحركة بتوافق جماعي بياناً يعرب عن الأسف العميق لاندلاع واستمرار الحرب، كما وجهت إدانة صريحة للعراق لتحميله مسؤولية إطلاق الشرارة الأولى للحرب، وطالبت بإنهاء العمليات القتالية بشكل فوري.[16]
في العشرين من أبريل 1987، وجه آية الله السيد علي الخامنئي، رئيس الجمهورية آنذاك، مذكرة رسمية إلى رئيس حركة عدم الانحياز (رئيس وزراء زيمبابوي)، نبه فيها إلى الخروقات المتكررة التي يرتكبها العراق للمعاهدات الدولية. وطالب ببذل جهود حثيثة للحيلولة دون استمرار جرائم الحرب، لا سيما استخدام الأسلحة الكيميائية. وفي التاسع من مارس من العام ذاته، بعث بمراسلة مماثلة إلى رئيس وزراء زيمبابوي بذات المضمون التحذيري.[17]
في أبريل 1988، وجّه رئيس البرلمان العراقي، سعدون حمادي، انتقادات لاذعة لحركة عدم الانحياز، متهماً إياها بالعجز عن دفع جهود السلام العالمي ووصفها بالكيان العديم الجدوى. كما طالب الحكومة الهندية بممارسة نفوذها داخل الحركة لإنهاء الحرب.[18] وعقب قبول الجمهورية الإسلامية الإيرانية لقرار مجلس الأمن رقم 598 في يوليو 1988، شاركت في مؤتمر وزراء خارجية دول عدم الانحياز المنعقد في 'نيقوسيا' بقبرص. حيث أُدرج ملف الحرب المفروضة كبند أساسي في نقاشات اللجنة السياسية للمؤتمر، وأعرب الوزراء المشاركون عن ترحيبهم بانطلاق المفاوضات الرسمية بين البلدين.[19]
لم تتخذ حركة عدم الانحياز أي إجراء جوهري أو رادع خلال سنوات العدوان العراقي ضد إيران، باستثناء إيفاد لجان الوساطة المعتادة.[20] وعلى الرغم من الجهود الاستراتيجية المكثفة التي بذلتها الجمهورية الإسلامية لانتزاع اعتراف دولي بهوية المعتدي، ظلت أنشطة الحركة حبيسة الأطر البروتوكولية كعقد القمم والوساطات الخجولة، واكتفت بإدانة مبدأ الحرب وإصدار بيانات التمني بوقف القتال.[21] وتاريخياً، حافظت الحركة على انتظام قممها كل ثلاث سنوات؛ وفي عام 2008، استضافت طهران الاجتماع الوزاري الخامس عشر، مما مهد الطريق استراتيجياً لنجاح إيران في استضافة القمة السادسة عشرة لرؤساء الدول في سبتمبر 2012.[22]
منابع و ارجاعات:
- [1] جنبش عدم تعهد (حركة عدم الانحياز)، دفتر مطالعات سیاسی و بینالمللی (مكتب الدراسات السياسية والدولية)، طهران: اداره نشر وزارت امور خارجه (إدارة النشر بوزارة الخارجية)، 1394ش/ 2015م، ص 7؛ ایران و جنبش عدم تعهد به روایت اسناد، زیر نظر محمد شیخان (إيران وحركة عدم الانحياز في الرواية الوثائقية، بإشراف محمد شيخان)، مرکز پژوهش سنجش و اسناد ریاست جمهوری (مركز بحوث ووثائق رئاسة الجمهورية)، طهران: جمهور ایران، 1391ش/ 2012م، ص ح، ذ.
- [2] یکتا، حسین، روزشمار جنگ ایران و عراق، کتاب دوم: بحران در خوزستان (يوميات الحرب الإيرانية العراقية، الكتاب الثاني: الأزمة في خوزستان)، طهران: مرکز مطالعات و تحقیقات جنگ (مركز الدراسات والبحوث الحربية)، 1377ش/ 1998م، ص 158.
- [3] جنبش عدم تعهد، ص 29.
- [4] المصدر نفسه، ص 286.
- [5] ولایتی، علیاکبر، تاریخ سیاسی جنگ تحمیلی عراق علیه جمهوری اسلامی ایران (التاريخ السياسي للحرب المفروضة العراقية ضد جمهورية إيران الإسلامية)، طهران: فرهنگ اسلامی، 1376ش/ 1997م، ص 90 و91.
- [6] ایزدی، یدالله، روزشمار جنگ ایران و عراق، کتاب پانزدهم: شکستن محاصره آبادان (يوميات الحرب الإيرانية العراقية، الكتاب الخامس عشر: كسر حصار آبادان)، طهران: مرکز اسناد و تحقیقات دفاع مقدس (مركز وثائق وبحوث الدفاع المقدس)، ص 461؛ ولایتی، علیاکبر، تاریخ سیاسی جنگ تحمیلی...، ص 91؛ جنبش عدم تعهد، ص 287.
- [7] روزشمار جنگ ایران و عراق، کتاب پنجم: هویزه آخرین گامهای اشغالگر (يوميات الحرب الإيرانية العراقية، الكتاب الخامس: هويزة.. الخطوات الأخيرة للمحتل)، طهران: مرکز مطالعات و تحقیقات جنگ، 1373ش/ 1994م، ص 27 و28 و97.
- [8] ولایتی، علیاکبر، تاریخ سیاسی جنگ تحمیلی...، ص 91.
- [9] المصدر نفسه، ص 94؛ ایران و جنبش عدم تعهد به روایت اسناد (إيران وحركة عدم الانحياز في الرواية الوثائقية)، ص 333 و334.
- [10] رفسنجانی، یاسر، عبور از بحران (تجاوز الأزمة)، تهران: معارف انقلاب، 1378ش / 1999م، ص 106؛ ایران و جنبش عدم تعهد به روایت اسناد، ص 173.
- [11] ایران و جنبش عدم تعهد به روایت اسناد، ص 176-180.
- [12] جنبش عدم تعهد، ص 289-290.
- [13] المصدر نفسه، ص 288.
- [14] ایران و جنبش عدم تعهد به روایت اسناد، ص 279 و280.
- [15] از هراره تا تهران، تهران: مؤسسه فرهنگی هنری ایمان جهادی (مؤسسة "إيمان جهادي" الثقافية الفنية)، 1393ش / 2014م، ص 141-158.
- [16] جنبش عدم تعهد، ص 149.
- [17] ایران و جنبش عدم تعهد به روایت اسناد، ص 313-315.
- [18] ایزدی، یدالله، روزشمار جنگ ایران و عراق، کتاب پنجاهوچهارم: عملیات والفجر 10 (يوميات الحرب الإيرانية العراقية، الكتاب الرابع والخمسون: عملية والفجر 10)، طهران: مرکز اسناد و تحقیقات دفاع مقدس سپاه پاسداران انقلاب اسلامی (مركز وثائق وبحوث الدفاع المقدس التابع للحرس الثوري الإسلامي)، 1392ش / 2013م، ص 501.
- [19] ایران و جنبش عدم تعهد به روایت اسناد، ص 336.
- [20] ولایتی، علیاکبر، تاریخ سیاسی جنگ تحمیلی عراق علیه جمهوری اسلامی ایران (التاريخ السياسي للحرب المفروضة العراقية ضد جمهورية إيران الإسلامية)، ص 94 و95.
- [21] از هراره تا تهران، ص 145
- [22] جنبش عدم تعهد، ص 236-294.