مفقود الأثر
يُطلق مصطلح «مفقود الأثر» في أدبيات الدفاع المقدس على المقاتلين الذين بقيت جثامينهم في المناطق العملياتية، خلال الحرب المفروضة، من بين أكثر من 196 ألف شهيد، بقيت جثامين نحو 50 ألف شخص مجهولة الهوية و «مفقودة الأثر» لأسباب متعددة، منها الأسر و عدم إمكانية نقل الجثامين (بسبب صعوبة الظروف الجغرافية للمناطق العملياتية، كثافة نيران العدو و غيرها).[1] كما استُشهد أكثر من 1450 أسيراً إيرانياً في المعسكرات العراقية و دُفن عشرات منهم بشكل مجهول في العراق فأصبحوا مفقودي الأثر.[2]
خلال سنوات الحرب المفروضة، كانت الوحدات المقاتلة بعد انتهاء كل عملية تنقل جثامين الشهداء من المناطق العملياتية إلى الخلف عبر وحدة التعاون. بعد قبول «القرار 598» و نهاية الحرب المفروضة، شُكّلت لجنة البحث عن المفقودين عام 1990م (1369هـ. ش) بهدف تنظيم أوضاع الشهداء مفقودي الأثر، واكتسبت الصفة الرسمية عام 1992م (1371هـ. ش) بموجب قرار مجلس الأمن القومي الأعلى و هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة.[3]
في خطوتها الأولى، أعدت لجنة البحث عن المفقودين خرائط جديدة تحتوي على معلومات الوحدات المقاتلة في كل منطقة و عدد الجثامين المتبقية فيها، استناداً إلى المعلومات المجمعة من خرائط العمليات زمن الحرب، إحصاءات القوات و معلومات القادة في مختلف الرتب و المقاتلين، ثم بدأت البحث في المحاور العملياتية.[4]
في الفترة من 1990 إلى 2024م (1369إلى 1403هـ. ش)، أُعيدت جثامين 47700 شهيد من أصل 50000 شهيد مفقود الأثر. من هؤلاء، لا يمكن التعرف على هوية نحو 12000 شهيد و وفقاً لمخطط شهداء مجهولي الهوية، تُشيَّع جثامينهم عادةً كل عام في أيام شهادة السيدة الزهراء (س)[5]و تُدفن بوصفها «شهيداً مجهول الهوية» في مقابر الشهداء، الأضرحة المقدسة، الجامعات، الثكنات، المراكز الإدارية و الصناعية و الأماكن العامة في مختلف مدن البلاد.[6]
حالياً، انتهت عمليات البحث عن جثامين الشهداء مفقودي الأثر في الأراضي الإيرانية و تقوم مجموعات البحث عن الشهداء بإعداد جدول عملياتي سنوي بناءً على الاتفاق مع الجانب العراقي و بإشراف اللجنة الدولية للصليب الأحمر و يُرسل الأفراد بموجبه إلى العراق لإجراء عمليات التنقيب. في هذا الإطار، تدخل جثامين الشهداء الذين يُعثر عليهم إلى البلاد عبر الحدود الرسمية 3 إلى 4 مرات سنوياً.[7]بعد دخول جثامين الشهداء مفقودي الأثر إلى البلاد، تُنقل إلى «معراج الشهداء» و بعد إجراء عمليات التعرف عليها، يُجهَّز الشهداء الذين لا يمكن التعرف عليهم بوصفهم «شهيداً مجهول الهوية» للتشييع و الدفن.[8]
قبل عام 2002م (1381هـ. ش)، كانت جثامين الشهداء تُعرَّف من خلال علامات مثل القلنسوة، الشماغ، الزي الرسمي، الحزام، الجزمة، الجوارب، الملابس الداخلية، رباط البنطلون، الأغراض الشخصية (مثل القرآن و صورة الإمام الخميني و غيرها)، القنابل اليدوية، قارورة الماء، المعدات العسكرية و حقيبة الإسعاف.[9] أما منذ ذلك العام، فقد أُدرج التعرف على الشهداء عبر عينة الحمض النووي (DNA) باستخدام علم التعرف الجيني من الأنسجة العظمية الصلبة و تم من خلاله التحقق من هوية نحو 15٪ من الشهداء الذين عُثر عليهم منذ عام 2002م (1381هـ. ش.) فصاعداً.[10]
إذا تبين بعد الفحوصات التخصصية أن العظام المكتشفة في الأراضي العراقية غير مؤكد انتماؤها إلى شهداء إيرانيين أو عسكريين عراقيين، فإن الجثمان المكتشف يُدفن بوصفه ميتاً مسلماً في مقبرة محددة و لا يُدخل إلى البلاد.[11] يُتوقع أن تكون جثامين نحو 2200 شهيد لا تزال باقية في المناطق العملياتية.[12]
يوجد حالياً أكثر من 2030 نصباً تذكارياً لمقابر الشهداء مجهولي الهوية في البلاد، أكبرها في مقبرة «بهشت زهرا (س)» بطهران حيث يوجد 4000 شهيد مجهول الهوية. من حيث عدد مقابر الشهداء مجهولي الهوية، تحتل محافظتا «طهران» و «أصفهان» المرتبة الأولى و الثانية بـ317 و165 مقبرة على التوالي، بينما تملك محافظة «كردستان» أقل عدد بـ4 نصب تذكارية.[13]
من أبرز نصب الشهداء مجهولي الهوية في البلاد: مرتفعات «كُلَك چال»، مسجد «بلال» في الإذاعة و التلفزيون، مسجد «القدس» في مدينة القدس، تلة «نور الشهداء»، الطريق السريع «دوران» في طهران، «عظيمية» في كرج، «گاوازنگ» في «زنجان»، «عون بن علي» في «تبريز»، و تلة شهداء «إيذه».[14]
بعد الفحص الدقيق لمعسكرات و سجون العراق و تبادل كامل الأسرى وعودة جميع الأسرى الإيرانيين المحررين إلى البلاد، أعلن «مؤسسة الشهيد» رسمياً عام 2005م (1384هـ. ش) أن المقاتلين مفقودي الأثر الذين لم تُكتشف جثامينهم و لم تُعرَّف هوياتهم يُعتبرون «شهداء» و «مفقودي الجسد».[15]
في 24 مايو 2022م (3 خرداد 1401هـ. ش) و في إطار تنفيذ المادتين 11 و12 من قانون انضمام الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى اتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي الصادر عن مجلس الشورى الإسلامي عام 2005م (1384هـ. ش) و لائحة المشاركة في صون التراث الثقافي غير المادي للمدن و القرى الصادرة عن مجلس الوزراء عام 2021م (1400هـ. ش)، سُجّل التراث الثقافي غير المادي لـ «الشهيد مجهول الهوية»، «التفحص»، «التشييع»، «إقامة النصب التذكارية»، «التكريم» و «الزيارة» (الوطني) برقم 2679 في القائمة الوطنية للتراث الثقافي غير المادي في إيران.[16]و يُعد الفيلم السينمائي «شيار 143» أبرز إنتاج سينمائي عن مفقودي الأثر.
المصادر والمراجع
- [1]. لجنة البحث عن المفقودين في هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، «الرد على الشبهات حول البحث عن الشهداء»، طهران، 2023م (1402هـ. ش)، ص 1؛ موقع البحث عن الشهداء، «المفقودون»، https://www.tafahoseshohada.ir/fa/tafahos/mafghoodin
- [2]. مجلة «شاهد ياران» الشهرية، «شهدای غریب در اسارت - در قاب تصویر» (شهداء الغرباء في الأسر - في إطار الصورة)، العدد 223-222، مارس 2025 م (اسفند 1403 و فروردین 1404 هـ. ش)، ص 184-85.
- [3]. لجنة البحث عن المفقودين في هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، المصدر نفسه، ص 1.
- [4]. المصدر نفسه، ص 18.
- [5]. المصدر نفسه، ص 1، 2، 16.
- [6]. المؤتمر الصحفي لقائد لجنة البحث عن المفقودين في هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة (السيد محمد باقر زاده)، أرشيف «ويكي الدفاع».
- [7]. لجنة البحث عن المفقودين في هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، المصدر نفسه، ص 15-16.
- [8]. المصدر نفسه، ص 16.
- [9]. المصدر نفسه، ص 18-25.
- [10]. المصدر نفسه، ص 5-6.
- [11]. المصدر نفسه، ص 25.
- [12]. المؤتمر الصحفي لقائد لجنة البحث عن المفقودين في هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة (السيد محمد باقر زاده)، المصدر نفسه.
- [13]. موقع البحث عن الشهداء، https://www.tafahoseshohada.ir/fa/gomnam/harmhayemotahar.
- [14]. المصدر نفسه.
- [15]. موقع البحث عن الشهداء، المصدر نفسه.
- [16]. وكالة أنباء «إيرنا»، https://irna.ir/xjJz5M.