عملية غيور أصلي (تحرير سوسنكرد)

نُفذت عملية تحرير سوسنكرد في 17 نوفمبر 1980 بمشاركة منسقة بين جيش الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والحرس الثوري، وهيئة الحروب غير المنظمة بقيادة "مصطفى شمران". وأسفرت هذه العملية عن تراجع جيش البعث العراقي بعد حصار دام ثلاثة أيام للمدافعين عن المدينة، حيث تكبد العدو خسائر فادحة أدت إلى تحرير سوسنكرد بالكامل.
احتل الجيش العراقي مدينة سوسنكرد - الواقعة على بعد 60 كيلومتراً شمال غربي الأهواز - للمرة الأولى في 29 سبتمبر 1980، لكنها حُررت بعد يومين فقط إثر هجوم ليلي مباغت نفذه حرس الثورة في الأهواز بقيادة "علي غيور أصلي"، مما أجبر القوات العراقية على التراجع.

خلال فترة الـ 45 يوماً الفاصلة بين الاحتلال الأول والحصار الثاني للمدينة، حشد الجيش العراقي كتيبتين مدرعتين وكتيبة مشاة ميكانيكية وكتيبة مغاوير على الحدود، وتمكن في 14 أكتوبر 1980 من احتلال مدينة "بستان" الواقعة على بعد 25 كيلومتراً غرب سوسنكرد. ومن هناك، بدأ العراقيون زحفهم بهدف الاستيلاء على سوسنكرد مرة أخرى، إلا أن صمود المقاتلين حال دون تقدمهم السريع، فلم يتمكنوا خلال شهر كامل (من 14 أكتوبر إلى 12 نوفمبر 1980) من التقدم سوى عشرة كيلومترات فقط.

في 14 نوفمبر 1980، تمكنت القوات المدرعة العراقية، بقوة تزيد عن لواء كامل، من قطع طريق سوسنجرد والتقدم نحو طريق "دهلاوية"، مما أدى إلى فرض حصار مطبق على المدينة عملياً. وفي اليوم نفسه، بلغت الاشتباكات ذروتها في دهلاوية؛ حيث سقط حتى الساعة الخامسة عصراً 30 شهيداً و40 جريحاً من المجاهدين الإيرانيين. قام مسؤولو الحرس الثوري بإبلاغ ممثلي الإمام الخميني في مختلف المدن بخطورة الوضع عبر الهاتف.

في صباح يوم 15 نوفمبر، وصلت القوات العراقية إلى مسافة 1.5 كيلومتر من سوسنكرد. قاومهم 35 عنصراً من الحرس الثوري بعدد محدود من قذائف الهاون والآر بي جي، لكنهم وقعوا في نهاية المطاف تحت الحصار العراقي؛ ولم ينجُ منهم سوى 14 مجاهداً، بينما ارتقى الباقون شهداء أو وقعوا في الأسر. وخلال الفترة من 12 إلى 15 نوفمبر، أُصيب القادة الثلاثة لعمليات الحرس الثوري في سوسنكرد: مرتضى ياغجيان، وعلي تجلايي، وصادق حيدرخاني. ورغم إصابته برصاصة في كتفه، استمر علي تجلايي في أداء مهامه القيادية.⁠[1]

من ناحية أخرى، كان آية الله السيد علي خامنئي، ممثل الإمام الخميني في المجلس الأعلى للدفاع في ذلك الوقت، يشعر بقلق بالغ إزاء أخبار سوسنكرد، وطرح في اجتماع المجلس الأعلى للدفاع في طهران أنهم إذا استولوا على المدينة، فسيُستشهد المدافعون عنها، قائلاً: «قلت إن خسارة استشهاد الشباب أكبر من خسارة احتلال المدينة؛ لأننا سنسترد المدينة مرة أخرى، لكننا لن نستعيد الشباب. قال [أبو الحسن] بني صدر [الرئيس آنذاك والقائد العام للقوات المسلحة] إنني أتابع هذا الأمر. لذا أنهينا الاجتماع مبكراً لكي يذهب بني صدر لمتابعة العمل، واطمأن خاطري حينها». لكن آية الله خامنئي، ومن خلال متابعته لوضع سوسنكرد مع مسؤولي الجيش والحرس الثوري، أدرك أنه لم يتم القيام بأي إجراء فعلي. لهذا السبب، توجه في 25 آبان إلى الأهواز، وفي اتصال مع بني صدر اشتكى من الوضع الراهن وطالبه بإصدار الأوامر. فقال له بني صدر: «من الجيد أن تذهب إلى قيادة الفرقة؛ تلاطفهم وتشجع مسؤولي الفرقة، وأنا من جهتي سآمرهم بالبدء والعمل».⁠[2]

في عصر يوم 16 نوفمبر 1980، عُقد اجتماع حاسم في غرفة حرب فرقة 92 المدرعة بحضور آية الله السيد علي خامنئي، ومصطفى شمران، والعميد ولي الله فلاحي، والعميد قاسمعلي ظهير نجاد، والعقيد غلام رضا قاسمي، وداود كريمي، وحسن باقري، وسيد محمد غرضي. خلال هذا الاجتماع، وُضعت خطة تحرير سوسنكرد بناءً على المعلومات الاستخباراتية التي قدمها حسن باقري. تضمنت الخطة تكليف لواء 2 من فرقة 92 المدرعة، بمؤازرة 120 قوة من الحرس الثوري مجهزين بأسلحة مضادة للدبابات، بكسر حصار المدينة. كما أُسندت مهام تأمين طرق الإمداد وحماية المؤخرة والأجنحة لقوات هيئة الحروب غير المنظمة (بقيادة شمران) والتعبئة (البسيج). حُددت ساعة الصفر وبدء العلمية في تمام الساعة 05:00 من فجر يوم17 نوفمبر 1980، وعقب الاجتماع، توجه العميد ظهير نجاد إلى دزفول لإطلاع بني صدر على الخطة.⁠[3]

عند الساعة 12 منتصف الليل، أبلغ "غرضي" القائد "داود كريمي" بأن اللواء 2 قد مُنع من المشاركة في العملية بناءً على أوامر بني صدر. نقل كريمي الخبر هاتفياً إلى آية الله خامنئي، الذي سارع على الفور بإصدار رسالة تحذيرية جاء فيها:

«ليلة الاثنين 17 نوفمبر 1980، الساعة 01:10

سعادة العقيد قاسمي، قائد فرقة 92 المدرعة بالأهواز

تحية طيبة،

لقد علمتُ أن الفريق ظهير نجاد قد اتصل بكم هاتفياً وطلب عدم دخول اللواء 2 في العملية غداً إلا بأمر، ويقصد بذلك أمر السيد رئيس الجمهورية. إنني لا أجد مبرراً لهذا العدول عن قرار العصر، وهذا يعني تعطيل عملية الغد أو إفشالها. إن حجم قوات العدو كبير لدرجة أن سريتي المشاة لا تقويان على فعل شيء أمامهما، وإذا لم يتدخل اللواء 2، فكأن الهجوم لم يقع أصلاً. وإذا أردنا الانتظار صباحاً حتى يأتي الفريق ظهير نجاد لاتخاذ قرار نهائي، سيضيع الوقت. إن شبابنا في سوسنكرد سيقاومون حتى الصباح بحد أقصى، وإذا لم نخفف عنهم عبء العدو في الصباح الباكر، فسيُبادون جميعاً وتسقط المدينة بالكامل. باختصار، في رأينا وتقديرنا، يجب أن يمضي العمل وفق المسار الذي نوقش في العصر، ويجب أن يكون اللواء مستعداً للدخول في العملية صباحاً. وبخلاف ذلك، فإن مسؤولية سقوط سوسنكرد تقع على عاتق كل من عدل عن هذا القرار. سیدعلي خامنئي.»⁠[4]

وفي تلك الليلة، وقبل هذا التطور، كان "شهاب الدين إشراقي" (صهر الإمام الخميني) قد اتصل بآية الله خامنئي للاستفسار عن الأوضاع: «في أول الليل، اتصل بي المرحوم إشراقي من طهران وسأل عن الأخبار. قلتُ له إن القرار هو تنفيذ العملية، وظاهر كلامي كان يوحي بالتردد والقلق من احتمال عدم تنفيذها ما لم يأمر الإمام بذلك. ذهب هو واتصل بالإمام، ثم عاد برسالة مفادها أن الإمام أمر بضرورة تحرير سوسنكرد بحلول الغد، وأن على الفريق فلاحي أن يشرف مباشرة على العملية. أعطيتُ الرسالة (رسالتي للعقيد قاسمي) لأحد الإخوة وقلت له: خذ هذه الرسالة، وإذا كان العقيد قاسمي نائماً فأيقظه وسلّمها له يداً بيد.»⁠[5]

لقد أثمرت لهجة الرسالةوحزمها؛ فبعد وقت قصير، اتصل الفريق ظهير نجاد بالعقيد قاسمي وأبلغه بأنه تحدث مع رئيس الجمهورية(بني صدر)، وأنه وافق على استخدام اللواء 2 إذا لزم الأمر.

في 17 نوفمبر 1980، انطلقت العملية وفق الخطة الهجومية المقررة مع بعض التأخير. وفي تمام الساعة 13:30، ومع تقدم مشاة القوات الشعبية، والحرس الثوري، وهيئة الحروب غير المنظمة، وبإسناد من اللواء 2 المدرع، حُررت سوسنكرد للأبد.⁠[6]

خلال هذه العملية، لعب طيارو القواعد الجوية في دزفول، وتبريز، وهمدان، وأصفهان، وشيراز دوراً كبيراً في إنجاح المهمة من خلال قصف تحصينات العدو وتوفير الغطاء الجوي. وفي هذا اليوم، نجحت الدفاعات الجوية للجيش الإيراني في إسقاط طائرة عراقية من طراز⁠[7]MiG-23.

كما قام طيارو طيران الجيش (هوانیروز) في محاور سوسنجرد وحميدية وبستان بتدمير: 22 دبابة، 20 شاحنة نقل جنود، 12 سيارة جيب، عدداً من صهاريج الوقود وشاحنات الذخيرة وأجهزة الاتصالات التابعة للعدو.⁠[8]

شملت خسائر الجيش العراقي في هذه العملية تدمير ما يلي: 174 دبابة و 8 ناقلات جنود مدرعة، 49 مربض مدفعية و 4 مدافع "خمسة خمسة" (155 ملم)، 23 مركبة نقل ذخيرة و 7 مستودعات ذخيرة ميدانية (خيام)، 3 مركبات منصات إطلاق صواريخ و 29 آلية عسكرية متنوعة، 2 جرافة عسكرية (لودر)، ورشاشين، ومدفع مضاد للطائرات، ومربض هاون، وعلى صعيد الخسائر البشرية، سقط 750 قتيلاً وجريحاً في صفوف القوات العراقية، ووقع 18 جندياً في الأسر.⁠[9]

 


منابع و ارجاعات:

  • [1] علامیان، سعید، حسن باقری، ج1: روایت زندگی (سعيد علاميان، حسن باقري، الجزء الأول: رواية حياة)، طهران: مرکز نشر آثار شهید حسن باقری (مركز نشر آثار الشهيد حسن باقري)، 1390ش/ 2011م، ص 395-399.
  • [2] مجلة "صف" الشهرية التابعة لجيش الجمهورية الإسلامية الإيرانية، العدد 392، تشرين الثاني/نوفمبر 2013 (آبان 1392)، ص 10.
  • [3] حسن باقری، ج1 (المصدر السابق: حسن باقري، ج1)، ص 400.
  • [4] المصدر نفسه، ص 387 و388.
  • [5] مجلة "صف"، المصدر نفسه، ص 12.
  • [6] علامیان، سعید، ملاقات در فکه: زندگی‌نامه شهید حسن باقری (غلام‌حسین افشردی) (سعيد علاميان، لقاء في فكة: سيرة الشهيد حسن باقري)، طهران: سوره مهر، 1396ش/ 2017م، ص 121.
  • [7] مجلة "صف"، المصدر نفسه، ص 91.
  • [8] المصدر نفسه، ص 95.
  • [9] المصدر نفسه، ص 52.

تکمیل، ویرایش یا گزارش خطا