هيئة التعبئة الاقتصادية

كانت «هيئة التعبئة الاقتصادية» من المؤسسات التابعة لرئاسة الوزراء و تولت خلال الحرب المفروضة مسؤولية رسم سياسات الأسعار و توفير و توزيع السلع الأساسية. يعود تاريخ تشكيل هيئة التعبئة الاقتصادية إلى بداية عام 1980م (1359هـ. ش). بعد احتلال السفارة الأمريكية في «طهران» من قبل الطلاب أنصار خط الإمام، هددت هذه الدولة إيران بحظر اقتصادي شامل. وافق مجلس الثورة على خطة تشكيل هيئة لمواجهة التهديدات الاقتصادية الأمريكية. تألفت هذه الهيئة من قسمين سياسي و اقتصادي؛ تولى القسم السياسي مهمة اتخاذ القرار بشأن الضغط النفسي للعقوبات، بينما تولى القسم الاقتصادي توفير و توزيع الاحتياجات المستوردة للبلاد.⁠[1]

دفعت بداية الحرب المفروضة، التي تزامنت مع الأسبوع الأول من بدء عمل حكومة «محمد علي رجائي» (الشهيد) و ما صاحبها من تداعيات مثل الحصار الاقتصادي، عدم أمن الموانئ و اضطراب الصادرات و الواردات، ندرة و ارتفاع أسعار السلع و المشاكل الاقتصادية و الاجتماعية، الحكومة إلى اتخاذ تدابير خاصة لمواجهتها.⁠[2]لهذا الغرض وافق مجلس الوزراء في جلسة 27 سبتمبر 1980م (5 مهر 1359هـ. ش) على تشكيل هيئة باسم «هيئة التعبئة الاقتصادية للبلاد» لتتخذ القرارات المناسبة بالنظر إلى الظروف الاقتصادية الخاصة للبلاد و تنفذها عبر المنظمات المسؤولة.

كان الأعضاء أصحاب القرار في الهيئة، يشملون وزراء النفط، الصناعات و المناجم، العمل و الشؤون الاجتماعية، الزراعة، الداخلية، الطاقة، الشؤون الاقتصادية و المالية، التجارة و الدفاع و رؤساء منظمة التخطيط و الميزانية، البنك المركزي أو ممثليهم المفوضين، برئاسة رئيس الوزراء.⁠[3]

بناءً على الجزء الآخر من القرار، طلبت الحكومة من مجلس الشورى الإسلامي مشاركة عدد من نواب المجلس في هذه الهيئة و لجانها الفرعية؛ كما أُعلن أن مشاركة ممثلين من القطاع الخاص لا مانع منها. كان مقر أمانة الهيئة و مكان عقد جلساتها في رئاسة الوزراء و كانت قرارات الهيئة تصل عند الحاجة إلى موافقة مجلس الوزراء أيضاً.⁠[4]كانت لهذه الهيئة لجان و لجان فرعية مختلفة مثل لجنة مراقبة الأسعار و كيفية توزيع السلع الأساسية، لجنة التوظيف، لجنة إنتاج و تأمين السلع الأساسية، لجنة الوقود و الطاقة، لجنة تنسيق النقل، لجنة توزيع السلع الأساسية و لجنة إيصال السلع إلى المناطق الريفية و العشائرية.⁠[5]

بخصوص شرح المهام و الإجراءات للهيئة، بالإضافة إلى الحالات العامة الواردة في قرار 27 سبتمبر 1980م (5 مهر 1359هـ. ش)، ورد ما يلي: النظر في المشاكل و القضايا الاقتصادية للبلاد، إعداد و الموافقة على خطط قصيرة و متوسطة المدى لمواجهة الأزمات الاقتصادية، إعداد و تنظيم المقترحات اللازمة لحل القضايا الحادة في البلاد التي تخرج عن المهام الجارية لوزارة أو منظماتها التابعة، تعبئة جميع الأجهزة الحكومية المختلفة للرد السريع على القضايا الاقتصادية الحادة، تعبئة جميع الأجهزة غير الحكومية و المؤسسات الثورية و الشعب لمواجهة الأزمات الاقتصادية، خلق التنسيق بين الإدارات المختلفة في المحافظات عبرهيئات التعبئة الاقتصادية في المحافظات لتنفيذ قرارات هيئة التعبئة الاقتصادية للبلاد و حل القضايا الاقتصادية القائمة في المنطقة.⁠[6]

ورد في النظام الأساسي المؤقت للهيئة أنها ستُدار برئاسة رئيس الوزراء و تحت إشراف الوزير المستشار في الشؤون التنفيذية و بميزانية رئاسة الوزراء و في المحافظات بتحديد شرح المهام ذات الصلة تحت إشراف المحافظين و أن موظفيها سيُوفرون إلا في الحالات الخاصة من المكلفين بالخدمة في الأجهزة الحكومية.⁠[7]

كان أول إجراء للهيئة إنشاء نظام الحصص أو الكوبونات لتوزيع عادل للأرزاق و الاحتياجات العامة الأساسية منها: السكر، الزيوت، النفط و البنزين و الذي لقي ترحيباً من الشعب بسبب خلق الأمن النفسي في المجتمع.⁠[8]كان الإجراء الآخر توفير تسهيلات لتفريغ حمولات السفن في الموانئ الآمنة الإيرانية و موانئ «بومباي» و «كراچي» بسبب عدم الأمن و تعرض كثير من الموانئ الإيرانية في جنوب البلاد للتهديد.⁠[9]

أعلن «محمد علي رجائي» أن هدف و برنامج الحكومة من تنفيذ هذه الخطة هو توزيع ثروة و إمكانيات بيت المال بشكل متساوٍ و عادل بين الناس و وفقاً لما أفاد به كان جزء من خطة تشكيل هيئة التعبئة الاقتصادية متعلقاً بالحرب و مشاكل الصادرات و الواردات و عدم أمن الموانئ، لكن من حيث الكيفية كانت هناك خطة منذ انتصار الثورة لتحويل الحياة الاستهلاكية الشديدة التي فرضها العالم الغربي على شعب إيران تدريجياً إلى حياة متوازنة و في الواقع كان تشكيل هيئة التعبئة الاقتصادية بسبب الظروف الطارئة توفيقاً إجبارياً في هذا المجال.⁠[10]

كانت من مشاكل البلاد، انخفاض صادرات النفط بشدة، عدم الأمن و انسداد موانئ البلاد، تضرر و تعطل بعض المصافي خاصة مصفاة «آبادان» و «تبريز»، انخفاض الإيرادات الناتجة عن الواردات و الصادرات بالتزامن مع الغلاء و التكاليف المتزايدة الناجمة عن ظروف البلاد الحربية، والتي عُوّضت إلى حد ما بطرق مختلفة منها تأسيس هيئة التعبئة الاقتصادية للبلاد و مراقبة شبكة التوزيع و الادخار.⁠[11]

رغم أن هيئة التعبئة الاقتصادية نشطت أيضاً في حكومتي «الشهيد رجائي» و «الشهيد باهنر»، إلا أن فترة دورها الرئيسي كانت في حكومة «مير حسين موسوي»؛ حيث غيّر «موسوي» في خطوته الأولى أعضاء و مهام هيئة التعبئة الاقتصادية. بناءً على قرار «تكوين و شرح مهام هيئة التعبئة الاقتصادية للبلاد» الصادر عن مجلس الوزراء في 7 ديسمبر 1981م (16 آذر 1360هـ. ش) أصبح أعضاء الهيئة وزراء النفط، الصناعات، المناجم و المعادن، العمل و الشؤون الاجتماعية، الزراعة، العمران الريفي، الداخلية، الطاقة، الشؤون الاقتصادية، المالية و التجارة، الطرق و النقل، الدفاع، الإسكان و التعمير و رئيس منظمة التخطيط و الميزانية، رئيس البنك المركزي الإيراني، مسؤول جهاد البناء، نائب رئيس الوزراء في شؤون المؤسسات، أو نوابهم الثابتين و المفوضين و كان لممثلي القطاع الخاص و المنظمات و الأجهزة مثل غرفة التجارة، لجنة الشؤون النقابية و محكمة الثورة الإسلامية الخاصة بالشؤون النقابية إمكانية الحضور في جلسات الهيئة دون حق التصويت.⁠[12]

بناءً على هذا القرار كانت مهام هيئة التعبئة الاقتصادية: دراسة المشاكل و الأزمات الاقتصادية الناجمة عن الحرب و الحظر الاقتصادي الظاهر و الخفي، تقديم خطط و حلول قصيرة الأمد و ضربية لمواجهة هذه الأزمات مع مراعاة السياسات الاقتصادية للبلاد، إبلاغ الخطط و القرارات إلى المنظمات المعنية، خلق التنسيق بين المنظمات و المؤسسات في مجال تنفيذ الخطط و القرارات و أخيراً متابعة و مراقبة التنفيذ الصحيح لقرارات هيئة التعبئة الاقتصادية للبلاد.⁠[13]و شملت تشكيلات هيئة التعبئة الاقتصادية للبلاد الأمانة، اللجنة  و الهيئات في المحافظات.⁠[14]

من إجراءات هيئة التعبئة الاقتصادية خلال الحرب المفروضة: توزيع الحصص على السلع الأساسية و الوقود، توزيع الحصص على المواد الأولية المستوردة اللازمة للصناعات، مراقبة توزيع و استهلاك السلع الأساسية المستوردة، توزيع كوبونات السلع في إطار دفتر التعبئة الاقتصادية، مراقبة شبكة توزيع السلع، تشغيل شبكة النقل في «بندرعباس» و «بوشهر» بدلاً من «خرمشهر» و میناء «الإمام الخميني» التي إما احتلها العدو أو كانت في مرمى نيرانه و أخيراً تسعير حاملات الطاقة.⁠[15]

  يُقال إنه رغم أن إجراءات هيئة التعبئة الاقتصادية في الحرب المفروضة تمكنت من الإبقاء على أسعار السلع الكوبونية ثابتة طوال 8 سنوات، لكن لأن رئيس الوزراء كان يؤمن بتأميم الاقتصاد، انحرفت عن مسارها الرئيسي و أدى أداؤها إلى خلق فجوة في الجسم السياسي للبلاد.

كانت هيئة التعبئة الاقتصادية شبكة واسعة جداً كانت تقوم بتوفير و تأمين و توزيع تقريباً كثير من الأصناف اللازمة للمجتمع و صاحب تدخلها الكبير في جميع الأمور، اعتراض سائر المؤسسات الحكومية. فقد أُقصيت منظمة التخطيط و الميزانية و مجلس الاقتصاد الأعلى عملياً في هذه الفترة و أصبحت تقريباً كل أنشطتهما جزءاً من إجراءات هيئة التعبئة الاقتصادية. كانت هيئة التعبئة الاقتصادية تدير عملياً جميع شؤون إيران الاقتصادية بـ15 لجنة.

كانت اللجان التالية تمتلك قوة تعادل وزارة: لجنة تنسيق توزيع السلع الأساسية، لجنة مراقبة التوزيع الريفي و العشائري، لجنة تحديد حصة المواد الأولية اللازمة للصناعات الغذائية، لجنة تنسيق شؤون النقل، لجنة تأمين و توزيع القطن و الألياف، لجنة تأمين و توزيع الخيوط، لجنة الوقود و الطاقة، لجنة البحث و دراسة الشاحنات العامة، لجنة توزيع السيارات، لجنة التوظيف، لجنة مراقبة كيفية التوزيع و الأسعار، لجنة المال و الائتمان، لجنة توزيع الإسمنت، لجنة توزيع التبغ و اللجنة المؤقتة لشراء القمح الزائد عن استهلاك المزارعين.⁠[16]

أثر توسع حدود صلاحيات هيئة التعبئة الاقتصادية أيضاً على مسألة الحرب. أدت الخلافات الاقتصادية بين رئيس الوزراء و بعض أعضاء الوزارة المعارضين لاحتكار الدولة للأنشطة الاقتصادية إلى استقالة وزير حرس الثورة مع 6 وزراء آخرين في أغسطس 1983م (مرداد 1362هـ. ش)، لكن ذلك لم يُنفَّذ بسبب معارضة الإمام الخميني.⁠[17]بعد قبول «القرار 598» و بسبب استمرار التداعيات الاقتصادية للحرب و ضرورة توفير السلع الأساسية، استمر نشاط هيئة التعبئة الاقتصادية تحت إشراف وزارة التجارة.⁠[18]

و انحلّت عام 2011م (1390هـ. ش) بالتزامن مع تشكيل وزارة الصناعة و التعدين و التجارة.⁠[19]في عام 2021م (1400هـ. ش) أُعلن عن استلام خطة إحياء هيئة التعبئة الاقتصادية في المجلس الحادي عشر،⁠[20]لكنها لم تصل إلى نتيجة و مع ذلك نُفذت في عام 2022م (1401هـ. ش) و بعد فترة طويلة خطة منح الكوبون الإلكتروني للأسر،⁠[21]و التي تذكر بجزء من أنشطة هيئة التعبئة الاقتصادية.


المصادر والمراجع

  • [1]. الملحق الخاص «رمز عبور 5» (فك شفرة 5) دراسة الاقتصاد السياسي للجمهورية الإسلامية الإيرانية، (الاقتصاد الثوري في حوار مع «عزت‌ الله سحابي»: ولادة أولى مراكز الفساد الاقتصادي في إيران)، 2010 م (1389هـ. ش)، ص 30، 31.
  • [2]. راعی گلوجه، سجاد، معجم مؤسسات الثورة الإسلامية-مدخل هيئة التعبئة الاقتصادية للبلاد)، طهران، مرکز وثائق الثورة الإسلامية، 2008 م (1387 هـ. ش)، ص 159.
  • [3]. المصدر نفسه، ص 159، 160.
  • [4]. المصدر نفسه، ص 160.
  • [5]. المصدر نفسه.
  • [6]. المصدر نفسه.
  • [7]. المصدر نفسه، ص 160، 161
  • [8]. المصدر نفسه، ص 161.
  • [9]. المصدر نفسه.
  • [10]. المصدر نفسه.
  • [11]. المصدر نفسه.
  • [12]. الموقع الإلكتروني لمركز بحوث مجلس الشورى الإسلامي، https://rc.majlis.ir/fa/law/show/106144.
  • [13]. المصدر نفسه
  • [14]. المصدر نفسه
  • [15]. جريدة «اعتماد»، العدد 3357، السبت 3 أكتوبر 2015 م (11 مهر 1394 هـ. ش)، ص 11؛ موقع «خبر أونلاين»، khabaronline. ir/xjbsH.
  • [16]. امامی، سیدعلی، «آرزوهای اقتصادی» (الأماني الاقتصادية)، الملحق الخاص «رمز عبور 5» (فك شفرة 5): دراسة الاقتصاد السياسي للجمهورية الإسلامية الإيرانية)، 2010 م (1389 ه. ش)، ص 2؛ الملحق الخاص «رمز عبور 5» (فك شفرة»)، دراسة الاقتصاد السياسي للجمهورية الإسلامية الإيرانية (تقرير عن التدابير الاقتصادية للحكومة في عقد الستينيات: عصر نظام القسائم)، ص 46؛ جريدة «دنياي اقتصاد»، العدد 1728، الأحد 1 فبراير 2009 م (13 بهمن 1387 ه. ش)، ص 30.
  • [17]. هاشمی رفسنجانی، اکبر، آرامش و چالش - کارنامه و خاطرات هاشمی رفسنجانی 1362 (الهدوء و التحدي - سجل و مذكرات «هاشمي رفسنجاني» لعام 1362ه. ش)، الطبعة الثانية، طهران، دارالنشر: «معارف الثورة»، 2003 م (1382هـ. ش)، ص 208.
  • [18]. راعی گلوجه، سجاد، المصدر نفسه، ص 161، 162.
  • [19]. جريدة «شرق»، العدد 1122، الأحد 28 نوفمبر 2010م (7 آذر 1389 هـ. ش)، ص 4، وكالة الأنباء «فرارو»، https://fararu.com/fa/tiny/news-100239.
  • [20]. البوابة الوطنية للمعلومات عن القوانين و اللوائح في البلاد، مشروع إحياء هيئة التعبئة الاقتصادية، https://dotic.ir/news/10511.
  • [21]. جريدة «رسالة»، العدد 10310، الخميس 12 مايو 2022 م (22 اردیبهشت 1401 هـ. ش)، ص 4.

إكمال أو تعديل أو الإبلاغ عن خطأ