أشنوية

«أشنوية» إحدى مدن محافظة «أذربيجان الغربية» الواقعة في غرب إيران و قد شهدت منذ الأيام الأولى لانتصار الثورة الإسلامية أزمةً بسبب نشاط الجماعات الانفصالية. منذ ذلك الحين و حتى أكتوبر 1984م (مهر 1363ه. ش) نفّذت القوات العسكرية عدة عمليات لتطهير المنطقة من العناصر المناوئة للثورة. كما تعرضت المدينة خلال الحرب العراقية المفروضة على «إيران» لعدة غارات جوية عراقية. تُعدّ عملية «قادر» عام 1985م (1364ه. ش) و القصف الكيميائي عام 1988م (1367ه. ش)، من أبرز الأحداث التي شهدتها المدينة. تقع «أشنوية» في غرب محافظة «أذربيجان الغربية» و تحدّها من الجنوب «بيرانشهر»، من الشرق «نقده» و من الغرب الحدود الإيرانية– العراقية. يشكّل الأكراد السنّة غالبية سكان هذه المدينة.

تُعدّ عمود و نقوش «كله‌ شين» المكتوبان باللغتين الأورارتية و الآشورية و العائدان إلى القرن الثامن قبل الميلاد و الواقعان في وادي «جلاشي» شمال غربي «أشنوية»، شاهدًا تاريخيًا مهمًا على قِدم هذه المنطقة. كما ورد ذكر إقليم «أشنوناك» الذي يُعتقد أنه «أشنوية» الحالية في نقش «كورش» بوصفه من الأقاليم التي كانت تؤدي الجزية.⁠[1]منذ الأيام الأولى لانتصار الثورة الإسلامية، سيطرت الجماعات الانفصالية على المدينة بعد إنشاء تنظيمات تطالب بالحكم الذاتي، فدخلت «أشنوية» سريعًا في حالة من الاضطراب.

  إلى جانب أنشطة العناصر المناوئة للثورة، كانت القوات العراقية تنفّذ اعتداءات متكررة على المناطق الحدودية التابعة للمدينة. بعد صدور أمر «الإمام الخميني» في 18 أغسطس 1979م (27 مرداد 1358ه. ش)، تمكن الأهالي في 3 سبتمبر 1979م (12 شهريور 1358ه. ش) من طرد المتمردين من المدينة. بعد يومين دخلت قوات «الحرس الثوري» و الجيش إلى «أشنوية» و استطاعت إعادة قدر من الأمن و الاستقرار. غير أن هذا الهدوء لم يدم طويلًا؛ ففي نوفمبر 1979م (آبان 1358ه. ش) شنّ مسلحون هجمات على مواقع الدرك عبر المرتفعات المحيطة بالمدينة.

في أوائل أبريل 1980م (فروردين 1359ه. ش)، بدأت العملية الثانية لتطهير «أشنوية» و تمكنت قوات الجمهورية الإسلامية في نهاية المطاف، في 18 مايو 1980م (28 أرديبهشت 1359ه. ش)، من بسط سيطرتها على المنطقة. بعد السيطرة على المرتفعات المحيطة بالمدينة، فرضت حصارًا عليها و أصدرت بيانًا دعت فيه المسلحين إلى تسليم أسلحتهم إلى أقرب القواعد العسكرية. في 17 يونيو 1980م (27 خرداد 1359ه. ش) و بعد ثلاثة أشهر من القتال الذي خاضته «الفرقة 64» في «أرومية»، ضد العناصر المناوئة للثورة، أصبحت المواقع الحيوية و الحساسة في مدينة «أشنوية» تحت سيطرة قوات الجمهورية الإسلامية. كما دخلت قوات الدرك إلى المدينة في 9 يوليو 1980م (18 تیر 1359ه. ش) بدعم من «الفرقة 64» في «أرومية».⁠[2]

أما عملية التطهير الثالثة لـ «أشنوية» فقد نُفذت في 10 سبتمبر 1981م (19 شهریور 1360ه. ش) و ذلك بعد أن عادت الأحزاب و العناصر المناوئة للثورة إلى السيطرة على المدينة رغم عمليات التطهير السابقة. وانطلقت قوات الجمهورية الإسلامية هذه المرة من محور «سلماس» باتجاه «أرومية» و «أشنوية» و أسفرت العملية، التي شاركت فيها قوات «حرس الثورة الإسلامية»، الجيش الإيراني و «البيشمركة المسلمين الأكراد»، عن تحرير «أشنوية» إلى جانب مرتفعات «آق‌ بلاغ» و مناطق «صوماي برادوست»، «سرو»، «ترگور»، «مرگور»، «دره شهيدان»، «كلاشين» الواقعة على امتداد محور التقدم.⁠[3]

كان «علي صياد شيرازي»، بصفته قائد عمليات الشمال الغربي، يتولى قيادة هذه العملية و تمكن مع قواته خلال 44 يومًا من القتال في المنطقة الشمالية الغربية من تحرير مدينتي «أشنوية» و «بوكان» و إنشاء تنظيم ميداني مناسب في المنطقة لمواصلة عمليات التطهير. كما قام، بالتنسيق مع «محسن رضائي» قائد «حرس الثورة الإسلامية»، بإطلاق اسم «مقر حمزة سيد الشهداء» على منطقة الشمال الغربي.⁠[4]بعد تحرير مدينة «أشنوية»، تمكنت قوات الدرك في 13 سبتمبر 1981م (22 شهریور 1360ه. ش)، من إنهاء سيطرة القوى المناوئة للثورة على طريق «نقده – أشنوية» و أحكمت سيطرتها عليه من خلال إنشاء قواعد عسكرية في محيطه، مما أدى إلى تأمين حركة المرور في هذا الطریق.

بعد أن أصبحت المدينة و طرقها تحت سيطرة قوات الجمهورية الإسلامية، تمركزت العناصر المناوئة للثورة في المرتفعات الحدودية و أنشأت عدة قواعد داخل الأراضي العراقية و لاسيما في وادي «خاركوك»، ثم أخذت ترسل عناصرها لإثارة الاضطرابات في القرى و الطرق الحيوية، بل و حتى داخل مدينتي «أشنوية» و «أرومية». من أجل تعزيز الأمن في «أشنوية» و «أرومية» و القرى الحدودية، كلف «مقر حمزة سيد الشهداء»، «مقر نصر» المتمركز في «أشنوية» بمهمة القضاء على العناصر المناوئة للثورة و السيطرة على المرتفعات الحدودية و إنشاء قواعد في قرى «كاني‌ رش»، «گلازرده»، «لولان»، «كاني‌ سرخ» و «آق‌ بلاغ».

قد بدأ «مقر نصر» هذه العملية في 14فبراير 1985م (25 بهمن 1363ه. ش) في وقت كانت فيه مرتفعات المنطقة مغطاة بالثلوج. و ما إن رصدت العناصر المناوئة للثورة، تحركات قوات الجمهورية الإسلامية حتى انسحبت إلى داخل الأراضي العراقية، الأمر الذي حال دون توجيه ضربة حاسمة لها. مع ذلك، أنشأت الوحدات العملياتية عدة قواعد في المرتفعات و القرى المستهدفة و نجحت في فرض الأمن و الاستقرار في المنطقة، محققةً الأهداف الرئيسة للعملية.⁠[5]نفّذت قوات الجمهورية الإسلامية، خلال الفترة من سبتمبر 1981م (شهریور 1360 ه. ش) إلى أكتوبر 1984م (مهر 1363ه. ش)، إحدى عشرة عمليةً عسكريةً في نطاق «أشنويه»، أسفرت عن تطهير نحو ثلاثٍ و عشرين منطقة من العناصر المناوئة للثورة. قد جرى تطهير بعض هذه المناطق أكثر من مرة و من ذلك قرية «ميرآباد» ثلاث مرات و قريتا «آق‌ بلاغ» و «گرجي» مرتين لكل منهما.⁠[6]

قبل عملية «والفجر 2» التي انطلقت في 20 يوليو 1985م (29 تیر 1364ه. ش)، لم تكن منطقة «سيدكان» العراقية الواقعة ضمن النطاق العملياتي لـ «أشنويه» معروفةً للقوات الإيرانية بالشكل الكافي. غير أنّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية أدركت الأهمية الاستراتيجية لهذه المنطقة بعد العملية و بالتزامن مع نشاط العناصر المناوئة للثورة فيها، ففعّلت أجهزتها الاستخبارية في المنطقة. تمكنت هذه الأجهزة، من خلال أعمال الاستطلاع و الرصد، من الحصول على معلومات دقيقة و شاملة عن منطقة «سيدكان» بأكملهو في يوليو1985م (تیر 1364ه. ش)، أُنيطت مسؤولية القطاع الغربي من «أشنويه» بالجيش.

تم التخطيط لأول عملية مستقلة للجيش تحت اسم «قادر» في مناطق «أشنويه» و «أربيل» و «سيدكان» العراقية، بقيادة «علي صياد شيرازي» قائد القوة البرية للجيش آنذاك و بمشاركة وحدات من «حرس الثورة الإسلامية». وانطلقت العملية في 14 يوليو 1985م (23 تیر 1364ه. ش) بهدف السيطرة على المرتفعات الحيوية و الحساسة في المنطقة و قطع خطوط الاتصال و الإمداد الخاصة بالعناصر المناهضة للثورة، تدمير القوات العراقية، السيطرة على جزء من الأراضي العراقية و الاقتراب من الطرق الرئيسية و خطوط المواصلات العراقية في المنطقة. واستمرت العملية مدة شهرين و نُفِّذت على ثلاث مراحل حملت أسماء: «عملية قادر 1»، «عملية قادر 2» و «عملية قادر 3». تمكّن المقاتلون الإيرانيون في كل مرحلة من تحقيق عدد من أهداف العملية.

كما نجحوا في اختراق الخطوط الدفاعية العراقية و التقدم من غرب «أشنويه» نحو مرتفعات «كلاشين» داخل العراق. إلا أنّ عوامل عدة، من بينها الهجمات المعاكسة التي شنّتها القوات العراقية، حالت دون تحقيق جميع الأهداف المرسومة، لتنتهي العملية في 9 سبتمبر 1985م (18 شهریور 1364ه. ش)، مكتفيةً بإلحاق خسائر كبيرة بالقوات العراقية و تدمير عدد من آلياتها و معدّاتها الحربية.⁠[7]خلال فترة الحرب العراقية المفروضة على «إيران»، تعرّضت «أشنوية» لتسع غارات جوية شنّتها الطائرات العراقية، أسفرت عن استشهاد و إصابة عدد كبير من أبناء المدينة.⁠[8]

كما شكّل القصف الكيميائي الذي تعرّضت له المدينة في 2 أغسطس 1988م (11 مرداد 1367هـ. ش) واحدةً من أكثر الحوادث دموية، إذ أثار وقوعه بعد إعلان وقف إطلاق النار دهشة الرأي العام العالمي. ففي الساعة 2:45 فجر يوم الثلاثاء 2 أغسطس 1988م (11 مرداد 1367هـ. ش) و بينما كان سكان «أشنوية» نياماً، شنّت الطائرات العراقية هجوماً كيميائياً على عدد من المناطق السكنية في «كچل‌ آباد»، «برده زرد» و «مام تمر» الواقعة غرب و جنوب غربي المدينة. قد أسفر هذا الهجوم عن إصابة آلاف المدنيين و استشهاد عدد منهم، و لايزال بعض سكان المدينة يعانون حتى اليوم من الآثار المترتبة على ذلك القصف.⁠[9]

في يونيو 2012م (خرداد 1391هـ. ش)، أعلن «علي كاظمي»، ممثل محافظة «أذربيجان الغربية» في مشروع إزالة الألغام بالمحافظة، أن جميع مناطق «أشنوية» قد تم تطهيرها من الألغام، باستثناء موقعين في المرتفعات الحدودية.⁠[10]و في أواخر يوليو 2017م (تير 1396هـ. ش)، أعلن «محسن تيموري»، المدير العام لـ «مؤسسة حفظ آثار و نشر قيم الدفاع المقدس» في محافظة «أذربيجان الغربية»، عن إنتاج فيلم وثائقي حول عملية تحرير «أشنوية» التي جرت في سبتمبر 1981م (شهريور 1360هـ. ش). و أوضح أن الفيلم يهدف إلى التعريف بمدينة «أشنوية» و منطقتها العملياتية و إبراز تداعيات استمرار وجود العناصر المناوئة للثورة و احتلالها للمدينة، فضلاً عن تصوير الجهود المتواصلة التي بذلتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية لتطهير المنطقة و إعادة الأمن إليها.⁠[11]


المصادر والمراجع

  • [1]. آقامیرزایی، محمدعلی، أشنوية، تهران، مؤسسة حفظ آثار و نشر قيم الدفاع المقدس، 2015م (1394هـ. ش)، ص14– 16.
  • [2]. المصدر نفسه، ص18– 21.
  • [3]. ایزدی، مصطفی؛ استکی، جواد؛ یاران، مسعود، تاریخ بیست‌ ساله پاسداری از انقلاب اسلامی در غرب کشور، ج4: مقابله با ضدانقلاب و تجزیه‌ طلبی (تاريخ عشرين عاماً من حراسة الثورة الإسلامية في غرب البلاد، مجلد4: مواجهةُ العناصر المناوئة للثورة و التفكك الانفصالي)، تهران، جامعة «الإمام الحسين (ع)»، كلية القيادة و الأركان و العلوم الدفاعية، مركز الدراسات و البحوث لتنمية الأمن المستدام، 2008م (1387هـ. ش)، ص194.
  • [4]. دهقان، احمد، ناگفته‌ های جنگ: خاطرات سپهبد شهید علی صیاد شیرازی (المسكوت عنه في الحرب: مذكرات الفريق الشهيد «علي صياد شيرازي»)، تهران، دارالنشر: «سوره مهر»، الطبعة السادسة، 2002م (1381هـ. ش)، ص177.
  • [5]. آقامیرزایی، محمدعلی، أشنوية، ص33– 34.
  • [6]. ایزدی، مصطفی؛ استکی، جواد؛ یاران، مسعود، تاریخ بیست‌ ساله پاسداری از انقلاب اسلامی در غرب کشور، ج4 (تاريخ عشرين عاماً من حراسة الثورة الإسلامية في غرب البلاد، مجلد4)، ص346.
  • [7]. آقامیرزایی، محمدعلی، أشنوية، ص42– 46.
  • [8]. حبیب‌ اللهی، محمد، ره‌ توشه راویان (زاد الرواة)، تبریز، منشورات 31 «عاشوراء»، 2016م (1395هـ. ش)، ص224.
  • [9]. آقامیرزایی، محمدعلی، أشنوية، ص87– 88، 93– 94.
  • [10]. صحيفة «كيهان»، ش20221، 29 مايو 2012م (9 خرداد 1391هـ. ش)، ص15.
  • [11]. صحيفة «جام جم»، 18 يوليو 2017م (27 تیر 1396هـ. ش)، ص12.

إكمال أو تعديل أو الإبلاغ عن خطأ