عملية كربلاء 8
انطلقت عملية كربلاء 8 في تاريخ 7 أبريل 1987م تحت رمز (يا صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف). نُفذت العملية من قبل القوة البرية التابعة لحرس الثورة الإسلامية واستمرت لمدة خمسة أيام في قاطع شرق البصرة، مستهدفةً تدمير القوات العراقية وتعزيز التحصينات والمواقع المستعادة خلال عملية كربلاء 5. وبالرغم من الخسائر البشرية والمادية التي لحقت بالعدو، إلا أن العملية لم تبلغ كامل أهدافها العملياتية المرسومة.
استوجب الوضع الميداني في جبهات القتال بعد عملية كربلاء 5 استمرار العمليات في ذلك القاطع. وقد حُدِّدت أهم الأهداف لاستكمال عملية كربلاء 5 وتحقيق مكتسباتها السياسية والعسكرية في: التقدم من نهر "دوعيجي" باتجاه "خط جاسم"، والعمل على اختراق هذا الخط، ثم مواصلة الهجوم نحو "قناة زوجي" وإنشاء خط دفاعي هناك. وبناءً عليه، نُفذت العمليات في تلك المناطق على مرحلتين؛ المرحلة الأولى، استمرت حتى 4 مارس 1987 وعُرفت بعملية التكميلية لكربلاء 5، إلا أنها لم تحقق نجاحاً لافتاً بسبب يقظة العدو وتعقيدات التضاريس. أما المرحلة الثانية، فقد تمثلت في التخطيط لعملية كربلاء 8 وتنفيذها بعد 36 يوماً من انتهاء العملية التكميلية.
كانت قيادة الحرس الثوري تعتزم في بادئ الأمر تنفيذ عدة عمليات محدودة لتعديل وتحسين الخطوط الدفاعية في المناطق المسيطر عليها تدريجياً وصولاً إلى "قناة زوجي"؛ إلا أنه نظراً للموانع القائمة، جرى التخطيط لعملية كربلاء 8 وبرمجتها ضمن محورين قتاليين لتنفيذها بواسطة مقرين عملياتيين.[1]
وفي تمام الساعة 14:05 من يوم 7 أبريل 1987، أطلق مقرا "كربلاء" و "قدس" التابعان للحرس الثوري عملية عسكرية في منطقة "شلمجة" وفي نفس قاطع عمليات كربلاء 5، وذلك بزج 7 فرق وألوية قتالية وتحت رمز "يا صاحب الزمان (ع)"، بهدف السيطرة على " قناة زوجي" شرق البصرة. كان الجيش العراقي على علم مسبق بنية تنفيذ هذه العملية؛ لذا وبمجرد انطلاق ساعة الصفر وبدء العملية، صبّ نيرانه بكثافة بمختلف أنواع الأسلحة على طول خطوط الجبهة. اندلعت معارك ضارية أسفرت عن تدمير 50 دبابة وآلية عراقية، بالإضافة إلى وقوع حوالي 200 عسكري عراقي في الأسر.
في سياق استمرار العمليات، زجّت القيادة الإيرانية بفرقها القتالية: 33 "المهدي" «عج»، 27 "محمد رسول الله" (ص)، 17 "علي بن أبي طالب" (ع)، 25 "كربلاء"، 19 "الفجر"، 10 "سيد الشهداء" (ع)، 8 "النجف"، و31 "عاشوراء". ورغم هذا التحشيد، لم تسفر النتائج إلا عن السيطرة على كيلومترين مربعين من الأراضي غرب "كانال پرورش ماهي" (قناة تربية الأسماك)، مع سقوط نحو ألفي عسكري عراقي بين قتيل وجريح، وإسقاط طائرتين عراقيتين، بينما ارتقى من الجانب الإيراني 300 شهيد.
استغرقت عملية "كربلاء 8" خمسة أيام، نُفذت خلالها ثلاث مراحل قتالية؛ إلا أنها لم تبلغ غاياتها الاستراتيجية ولم تحقق نجاحاً ملموساً. وخلال سير المعارك، وتحديداً في يومي 8 و9 أبريل 1987، لجأ الجيش العراقي إلى استخدام الأسلحة الكيماوية وغاز الخردل، مما أسفر عن إصابة نحو 200 مجاهد إيراني. وفي منتصف ليلة 10 أبريل، شن العدو هجوماً بغازات الأعصاب وكميات من غاز الخردل استهدف منطقتي خرمشهر وشلمجة، مما أدى إلى سقوط عدد كبير من الشهداء وإصابة نحو 300 شخص. وفي هذا القاطع، استخدم الجيش العراقي غاز السارين لأول مرة عبر إطلاقه بصواريخ "الكاتيوشا" باتجاه القوات الإيرانية، متبعاً ذلك بهجوم مضاد واسع النطاق.
على إثر الهجمات المضادة المتكررة والملحة من قبل الجيش العراقي، اضطرت وحدات الحرس الثوري في 11 أبريل 1987 إلى الانسحاب من المواقع التي سيطرت عليها. وقد أعلن مقر "خاتم الأنبياء (ص)" أن أحد دوافع تنفيذ هذه العملية كان الرد على الاعتداءات العراقية المستمرة ضد المنشآت الاقتصادية الإيرانية وزعزعة أمن الملاحة البحرية في الخليج الفارسي. وخلال هذه العمليات، شن الجيش العراقي هجوماً كيماوياً استهدف محطة تصفية المياه في خرمشهر، مما أدى إلى استشهاد وإصابة غالبية عمالها من العرب الأهوازيين.[2]
ألحق استخدام العراق المكثف للأسلحة الكيماوية أضراراً بالغة بالتشكيلات الإيرانية؛ فمنذ عام 1983 وحتى نهاية الحرب، شهد إنتاج واستخدام العراق لهذه الأسلحة المحرمة دولياً زيادة مطردة ومذهلة. وقد سُجلت ذروة هذه الهجمات الكيماوية خلال عمليتي "كربلاء 5" و "كربلاء 8" في قاطع شرق البصرة.[3]
كان حجم الضغط الذي مارسه العراق لاستعادة منطقة لا تتجاوز مساحتها كيلومتراً مربعاً واحداً فريداً من نوعه؛ حيث أدرك العدو النهج العسكري الجديد للجمهورية الإسلامية القائم على التوغل في شرق البصرة والاستنزاف المتواصل للقوات العراقية. وبناءً عليه، صمم العراق على القيام بجهد عسكري حازم وقوي لإحباط المخططين والمسؤولين عن الحرب في إيران وإجبارهم على اليأس من مواصلة التقدم في هذا القاطع الاستراتيجي.[4]
نقلت وكالة الصحافة الفرنسية تقريراً جاء فيه: «يبدو أن أهداف عملية كربلاء 8 الإيرانية الجديدة، وهي أهداف عسكرية بحتة، محدودة النطاق. ولا شك أن إيران قد اختارت هذا القاطع الجنوبي للهجوم لمنع العدو من تحصين وتثبيت خطوطه الدفاعية هناك».
وفي الواقع، ركز تقرير الوكالة الفرنسية على نقطة جوهرية مفادها أن هذه العملية تكتسب معناها وأهميتها بكونها استمراراً لسلسلة الجهود الإيرانية في هذه المنطقة، وضمن التخطيط المستقبلي للتقدم نحو مدينة البصرة.
علاوة على ذلك، أدى تزامن انطلاق عملية كربلاء 8 مع مراسم الذكرى الثامنة والأربعين لتأسيس حزب البعث إلى قيام العراق برد فعل فوري لمحاولة التغطية على الانعكاسات العسكرية للعملية؛ حيث شنت القوات العراقية هجوماً استهدف المنشآت النفطية في "جزيرة سيري" والتي كانت تُعد أحد أهم موانئ تصدير النفط الإيراني، وألحقت بها أضراراً بالغة الجسامة، لدرجة أدت إلى توقف الاستفادة من رصيف الشحن المذكور لفترة من الزمن.[5]
منابع و ارجاعات:
- [1] اردستانی، حسین، تنبیه متجاوز (تأديب المعتدي)، طهران: سپاه پاسداران انقلاب اسلامی، مرکز اسناد و تحقیقات دفاع مقدس (حرس الثورة الإسلامية، مركز وثائق وبحوث الدفاع المقدس)، 1379ش/ 2000م، ص 288 و289.
- [2] علایی، حسین، روند جنگ ایران و عراق، ج2 (مسار حرب إيران والعراق، المجلد الثاني)، طهران: دار مرز وبوم للنشر، 1391ش/ 2012م، ص 335.
- [3] درودیان، محمد، روند پایان جنگ (مسار نهاية الحرب)، طهران: سپاه پاسداران انقلاب اسلامی، مرکز اسناد و تحقیقات دفاع مقدس، 1384ش/ 2005م، ص 168.
- [4] اردستانی، حسین، تنبیه متجاوز، ص 299 و300.
- [5] درودیان، محمد، سیری در جنگ ایران و عراق، ج3: فاو تا شلمچه (جولة في حرب إيران والعراق، المجلد الثالث: من الفاو إلى شلمجة)، طهران: سپاه پاسداران انقلاب اسلامی، مرکز اسناد و تحقیقات دفاع مقدس، الطبعة الثانية، 1378ش/ 1999م، ص 172 و173.