المصاب الكيميائي

رغم مرور سنوات على نهاية الحرب المفروضة، لا يزال 61٬892 شخصاً في إيران يعانون من مضاعفات الإصابة الكيميائية بسبب استخدام العراق للأسلحة الكيميائية. الأسلحة الكيميائية هي غازات تعطل الوظائف الحيوية للإنسان.⁠[1]لهذه الأسلحة تأثيرات مدمرة على البيئة أيضاً، حيث تؤدي إلى القضاء على الغطاء النباتي و اضطرابات وراثية في الحيوانات.⁠[2]استُخدمت لأول مرة في الحرب العالمية الأولى (1914– 1918م) أنواع من غاز الكلور و الخردل في الجبهات من قبل الطرفين المتحاربين و أسفرت عن إصابة أكثر من مليون شخص و مقتل 100 ألف شخص.⁠[3]

في الحرب المفروضة التي شنها العراق على إيران، استخدم هذا البلد الأسلحة الكيميائية على نطاق واسع.⁠[4] فعلى سبيل المثال، في «عملية خيبر» (مارس 1984م/إسفند 1362هـ. ش) و احتلال جزر «مجنون»، لجأ الجيش العراقي بعد خمسة أيام من الهجمات المضادة الفاشلة إلى الأسلحة الكيميائية و في 28 فبراير 1984م (8 إسفند 1362هـ. ش) قصف القوات الإيرانية بقنابل تحتوي على غاز الخردل و التابون، مما أدى إلى إصابة 1100 جندي إيراني.⁠[5] بعد ذلك، أُرسل 16 مقاتلاً إسلامياً في 2 مارس 1984م (11 إسفند 1362هـ. ش) ممن أُصيبوا في القصف الكيميائي لمنطقة «عمليات خيبر» إلى «سويسرا» و «السويد» لمواصلة العلاج.⁠[6]

كانت الغازات الكيميائية التي استخدمها العراق متنوعة. بعضها يدخل الرئة عن طريق الاستنشاق و بعضها يُمتص في الجسم. بعضها يؤثر على الجلد و العينين و كان غاز الخردل في الغالب من هذا النوع. عندما كان غاز الخردل يُستخدم ليلاً و لم يكن المقاتلون يرتدون الكمامات، كانوا يستنشقون كميات أكبر من الغازات فيزداد تأثيرها المدمر.⁠[7] إذا تم التعرف على العامل الكيميائي الحربي بشكل صحيح و في الوقت المناسب، فإن الشخص المسموم سينجو في كثير من الحالات، بينما قد يؤدي تأخير بضع دقائق إلى الموت.⁠[8] كانت المشكلة الأولى في الهجمات الكيميائية عدم معرفة نوع الغازات الكيميائية التي يستخدمها العراق.⁠[9]

في الهجمات الكيميائية خلال السنوات الأولى من الحرب، استخدم العراق في الغالب الغازات السامة. لهذا السبب توجهت إيران أولاً إلى تصنيع و إنتاج الكمامات المضادة للغازات و كانت فعالة جداً. بطبيعة الحال كانت بعض الغازات سريعة التأثير و كان لا بد من تحضير ترياقها و تعليم المقاتلين كيفية استخدامها. في داخل البلاد، تعرفت الأوساط الطبية و المجموعات البحثية في حرس الثورة الإسلامية، على أنواع الغازات التي يستخدمها العدو، منها غاز الخردل و غازات الأعصاب و غاز السيانيد و صنعت ترياقها. من هذه الترياقات أمبولة «الأتروبين» كترياق لغازات الأعصاب و «أميل النيتريت» كترياق لغاز السيانيد.⁠[10]

توصلت المجموعات الطبية خلال الحرب تدريجياً إلى نتائج و بناءً عليها كتبت تعليمات و وضعت الإجراءات العلاجية الأولية للمصابين الكيميائيين. عند استخدام العدو لغاز الأعصاب و الغازات التي تسبب إصابات جلدية، كانت المجموعات الطبية المتمركزة في عيادات الطوارئ في الخطوط الأمامية تخلع الملابس الملوثة عن المصابين و تغسل الأجزاء الأكثر عرضة للتضرر مثل العينين باستمرار حتى تزول الآثار طويلة الأمد للغاز على العين.⁠[11]

في بعض الأحيان، أثناء تقديم الخدمات الطبية و التمريضية للجرحى الحربيين و الكيميائيين، كانت تلحق أضرار جدية بطاقم الرعاية الصحية أنفسهم. لم يكن التلوث الكيميائي لطاقم العلاج مقتصراً على وقت رعاية الجرحى، بل كان استخدام العدو للأسلحة الكيميائية و المواجهة المباشرة لطاقم العلاج مع المواد الكيميائية يسببان تلوثهم و إصابتهم أيضاً.⁠[12]

مع استمرار الحرب، واصل العراق استخدام الأسلحة الكيميائية. فعلى سبيل المثال، في «عملية والفجر 8» و احتلال «الفاو» نفذ العراق أشد الهجمات الكيميائية في التاريخ منذ اليوم الأول للعملية و استخدم خلال 15 يوماً 7 آلاف قذيفة مدفعية و هاون و ألف قنبلة تحتوي على مواد كيميائية ضد القوات الإيرانية. وقع أشد هجوم كيميائي على طريق «الفاو-البصرة» في 13 فبراير 1986م (24 بهمن 1364هـ. ش) و أسفر عن إصابة 8٬477 شخصاً و استشهاد 23 شخصاً.⁠[13]بسبب كثرة الجرحى، خُصص صالة سعة 12٬000 شخص في ملعب «آزادي» بطهران لعلاج المصابين الكيميائيين و نُصب فيها من 2000 إلى 2500 سرير مستشفى و تم علاج المصابين الكيميائيين.⁠[14]

كان الإرسال الفوري للمصابين الكيميائيين إلى المستشفيات الأوروبية من أهم الإجراءات العلاجية. فعلى سبيل المثال، أُرسل 37 شخصاً في 17 فبراير 1986م (28 بهمن 1364هـ. ش) إلى «السويد» و 107 أشخاص إلى «النمسا»، «ألمانيا الغربية»، «سويسرا»، «بلجيكا» و «إنجلترا».⁠[15]يُقال إن ألمانيا كانت أحياناً تعالج الجرحى الكيميائيين الإيرانيين لتتمكن من التعرف على تأثيرات هذه المواد و طرق علاجها.⁠[16]من الإجراءات الأخرى لعلاج المصابين الكيميائيين دعوة متخصصين أجانب، مما كان يوفر في تكاليف العلاج.⁠[17]

في أواخر الحرب المفروضة، إلى جانب نقل الجرحى العاديين من المناطق العملياتية إلى المستشفيات، وُضع نظام دقيق لنقل الجرحى الكيميائيين و كان علاج المصابين الكيميائيين يتم بشكل منتظم و منظم. إلى جانب الأطباء، تعرف المقاتلون أيضاً على الغازات المختلفة و ترياقاتها و أصبحوا مستعدين فوراً لمواجهتها بعد أي قصف كيميائي؛ لهذا السبب قلّ عدد الجرحى و الشهداء الكيميائيين تدريجياً مع مرور الوقت.⁠[18]استمر استخدام الأسلحة الكيميائية حتى نهاية الحرب المفروضة في صيف عام 1988م (1367هـ. ش).⁠[19]

كانت آخر حالة لاستخدام العراق للغازات الكيميائية في 2 أغسطس 1988م (11 مرداد 1367هـ. ش) في قرية «شيخ عثمان» بـ «أشنوية»، و أسفرت عن استشهاد 51 شخصاً من النساء و الأطفال.⁠[20] في الدفاع المقدس تعرضت «خوزستان» 225 مرة، «كردستان» 51 مرة، «إيلام» 37 مرة، «أذربيجان الغربية» 36 مرة، و «كرمانشاه» 33 مرة لهجمات كيميائية عراقية.⁠[21]و أسفر هذه الهجمات عن استشهاد 17٬250 شخصاً و إصابة 127 ألف شخص.⁠[22] يوجد حالياً 61٬892 مصاباً كيميائياً في إيران، منهم 683 مصاباً كيميائياً شديداً (رئة و عين و جلد)، و 9٬785 مصاباً بمضاعفات خفيفة (عين و جلد)، و 51٬424 مصاباً خفيفاً تحت سريري (جلد).⁠[23]

سيظل المصابون الكيميائيون يعانون من مضاعفات أمراض الرئة طوال حياتهم و يجب أن يكونوا تحت إشراف أطباء متخصصين.⁠[24] بسبب الإصابات و المشاكل الثانوية للإصابة و كذلك بسبب التقدم في السن، تتفاقم إصابات هؤلاء المصابين تدريجياً.⁠[25]من ذلك أن المصابين الكيميائيين في السنوات الأخيرة أصيبوا بضعف البصر و هو من المضاعفات المتأخرة لغاز الخردل.⁠[26]من المشاكل الأخرى المتعلقة بالمصابين الكيميائيين مسألة زواجهم و ولادة أطفال يعانون من أمراض عصبية و نفسية ناتجة عن انتقال الإصابة الكيميائية وراثياً.⁠[27]

مستشفى «ساسان» في «طهران» من المستشفيات فوق التخصصية التي تقدم خدمات علاجية مجانية للمصابين الكيميائيين. حتى عام 2018م (1397هـ. ش) كان بعض المصابين الكيميائيين يُرسلون إلى «ألمانيا» لمواصلة العلاج، أما حالياً فتتم هذه الرعاية في إيران.⁠[28]


المصادر والمراجع

  • [1]. ام الیوت، جفری و رابرت ریجینالد، «معجم المصطلحات السياسية الاستراتيجية»، ترجمة: «ميرحسن رئيس‌ زاده لنگرودي»، طهران، دار النشر: «معين»، 1994م (1373هـ. ش)، ص 219.
  • [2]. وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية، الأسلحة الكيميائية و آثارها التدميرية البيئية، https://www.irna.ir/news/5195468
  • [3]. وكالة أنباء «فارس»، كيف وقعت الأسلحة الكيميائية في يد صدام؟، www. farsnews. ir/news.
  • [4]. شریفی طرازکوهی، حسین و ساسان مدرس سبزواری، «کاربرد تسلیحات شیمیایی در جنگ ایران و عراق از منظر حقوق بین‌ الملل کیفری» (استخدام الأسلحة الكيميائية في حرب إيران و العراق من منظور القانون الدولي الجنائي)، فصلية دراسات القانون العام، العدد 52، خريف 2016م (1395هـ. ش)، ص 136.
  • [5]. یکتا، حسین، «استفاده گسترده عراق از سلاح‌ های شیمیایی در جنگ هشت‌ ساله» (الاستخدام الواسع للعراق للأسلحة الكيميائية في الحرب الثماني سنوات)، فصلية «نگين إيران»، العدد 4، ربيع 2003م (1382هـ. ش)، ص 62.
  • [6]. موقع الثورة الإسلامية، إرسال أول مجموعة من مصابي الأسلحة الكيميائية إلى أوروبا، www. bahman. ir/show
  • [7]. باقری، محمدرضا، تاریخ شفاهی دفاع مقدس (روایت سید مسعود خاتمی، طبیب زندان دولَتو) (التاريخ الشفهي للدفاع المقدس - رواية «السيد مسعود خاتمي» طبيب سجن دوله‌ تو)، طهران، مرکز وثائق و بحوث الدفاع المقدس، 2020م (1399هـ. ش)، ص 220.
  • [8]. نوری، علی، جنگ شیمیایی و پیشگیری و درمان آسیب‌ های ناشی از آن (الحرب الكيميائية و الوقاية و علاج الإصابات الناجمة عنها)، طهران، دار النشر: «جهان دانش»، 1984م (1363هـ. ش)، ص 40.
  • [9]. باقری، محمدرضا، المصدر نفسه، ص 218.
  • [10]. وكالة أنباء «إيسنا»، (مجتمع الأطباء، الرائد في علاج جرحى الأسلحة الكيميائية)، https://www.isna.ir/news/1402060100344.
  • [11]. المصدر نفسه.
  • [12]. بنی‌ یعقوبی، فائضه و آخرون، «مدیریت امداد و درمان مصدومین شیمیایى در دوران دفاع مقدس: یک مطالعه مرورى متمرکز» (إدارة الإغاثة و علاج مصابي الأسلحة الكيميائية في فترة الدفاع المقدس: دراسة مراجعة مركزة)، فصلية «الممرض و الطبيب في القتال»، العدد 37، شتاء 2023م (1401 هـ. ش)، ص 79.
  • [13]. یکتا، حسین، «استفاده گسترده عراق از سلاح‌ های شیمیایی در جنگ هشت‌ ساله (قسمت آخر)» (الاستخدام الواسع للعراق للأسلحة الكيميائية في الحرب الثماني سنوات - الجزء الأخير)، فصلية «نگين إيران»، العدد 5، صيف 2003م (1382 هـ. ش)، ص 55
  • [14]. باقری، محمدرضا، المصدر نفسه، ص 238 و 239.
  • [15]. یکتا، حسین، المصدر نفسه، ص 56.
  • [16]. «جوان أونلاين»، «روایت جانباز شیمیایی از بازی دوگانه آلمان در جنگ تحمیلی» (رواية جريح كيميائي عن اللعب المزدوج لألمانيا في الحرب المفروضة)، https://www.javanonline.ir/fa/news/1161760.
  • [17]. باقری، محمدرضا، المصدر نفسه، ص 265
  • [18]. المصدر نفسه، ص 216.
  • [19]. یکتا، حسین، المصدر نفسه، ص 52.
  • [20]. باقری، محمدرضا، المصدر نفسه، ص 200
  • [21]. وكالة أنباء القرآن الدولية (إيران أكبر ضحية للأسلحة الكيميائية)، https://iqna.ir/fa/news/3229730.
  • [22]. المصدر نفسه
  • [23]. وكالة «مهر» للأنباء، (تسجيل ملف 62 ألف جريح كيميائي)، www. mehrnews. com/news/1801272.
  • [24]. باقری، محمدرضا، المصدر نفسه، ص 253.
  • [25]. وكالة «مهر» للأنباء، «جانبازان شیمیایی با عوارض گاز خردل چه می‌ کنند» (ماذا يفعل الجرحى الكيميائيون مع مضاعفات غاز الخردل) https://www.mehrnews.com/news/5527294.
  • [26]. ریاضی، عباس و آخرون، «بروز عیوب انکساری در جانبازان شیمیایی آلوده به گاز خردل به‌ عنوان یک عارضه دیررس» (حدوث عيوب انكسارية لدى الجرحى الكيميائيين الملوثين بغاز الخردل كمضاعفة متأخرة)، فصلية الطب العسكري، العدد 6، ربيع 2004م (1383هـ. ش)، ص 13.
  • [27]. قدس «أونلاين»، ميراث أبناء الجرحى الكيميائيين من إصابة الأب)، https://www.qudsonline.ir/news/193117.
  • [28]. وكالة «مهر» للأنباء، ماذا يفعل الجرحى الكيميائيون مع مضاعفات غاز الخردل، المصدر نفسه.

إكمال أو تعديل أو الإبلاغ عن خطأ