المساعدات الدولية للعراق
عزّزت المساعدات الدولية الواسعة، لا سيما من جانب القوى الكبرى و الدول العربية، القدرات العسكرية و الاقتصادية و الاستخباراتية للعراق طوال ثماني سنوات من الحرب المفروضة و مكنته من مواصلة حرب استنزاف طويلة ضد إيران.
بدأت حرب العراق على إيران في ظروف كانت فيها حالة البلدين مختلفة تماماً. فقد كانت القوات المسلحة الإيرانية تفتقر إلى التماسك اللازم و لم تتلقَ إيران أي دعم خارجي. في المقابل، دخل العراق الحرب مدعوماً سياسياً و اقتصادياً و عسكرياً من أكثر من 80 دولة في العالم، واستمرت هذه المساعدات في التزايد طوال فترة الحرب.[1]كانت «الاتحاد السوفييتي»، «فرنسا» و «الصين» الدول الثلاث الرئيسية الموردة للأسلحة للعراق.
اشترى العراق معظم معدات جيشه من «اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية» قبل عقد من بدء الحرب. قد أرسل السوفييت إلى العراق أحدث الطائرات الحربية، المروحيات، الدبابات و الأسلحة الأخرى. إضافة إلى ذلك، كان قادة الجيش السوفييتي يتواجدون في بغداد و يقدمون التدريبات اللازمة للجيش العراقي. شكّلت الأسلحة السوفييتية الصنع 85٪ من المعدات التي استخدمها العراق. من بين المساعدات السوفييتية للعراق في الحرب المفروضة مع إيران: 400 دبابة تي-55، 300 صاروخ أرض-أرض سكود بي، 1000 دبابة تي-62، 500 دبابة متقدمة تي-72، نحو 200 طائرة من طرازات ميج المختلفة.[2] كما قدمت أجهزة الاستخبارات السوفييتية للعراق معلومات كثيرة عن خرائط مواقع حظائر الطائرات في القواعد الجوية الإيرانية.[3]
في الفترة من 1986م إلى 1988م، قدّم السوفييت للعراق أسلحة بقيمة تقارب 9 مليارات دولار، شملت 2000 دبابة و 300 طائرة مقاتلة و 300 صاروخ سكود. بفضل هذه الأسلحة تشكّلت قدرة عسكرية متزايدة لدى الجيش العراقي، فشنّ هجمات واسعة على إيران.[4] كانت فرنسا أيضاً، مثل الاتحاد السوفييتي، تزود العراق بطائرات حربية، مروحيات، صواريخ و منظومات صاروخية، مدافع و معدات رادارية.[5] كان العراق يشتري من فرنسا صواريخ مضادة للدبابات و منظومات دفاع جوي و مروحيات.[6]
في خريف عام 1983م (1362هـ. ش) سلّمت فرنسا للعراق خمس طائرات «سوبر إيتاندارد»، استخدمتها لمهاجمة ناقلات النفط الإيرانية في محطة النفط بجزيرة «خارک» بصواريخ إكسوسيت.[7] بشكل إجمالي، باعت فرنسا لصدام 133 طائرة مقاتلة من طراز «ميراج» و حصلت مقابل ذلك على 2/5 مليار دولار.[8] نفّذ العراق أول هجوم ناجح له على محطة نفط «خارک» باستخدام مقاتلات «ميراج».[9]كان تسليم الأسلحة الفرنسية للعراق شبه يومي و أصبح مطار «شاتورو» في وسط «فرنسا» نقطة تحميل للطائرات العراقية العملاقة من طراز «أنتونوف». بلغت كميات الشحنات التسليحية الفرنسية المرسلة إلى العراق حداً جعل الطائرات المدنية التابعة لخطوط «بغداد-باريس» تحمل أيضاً أسلحة إلى العراق تقريباً في منتصف عام 1986م.[10]
كما كانت «الصين» ترسل أسلحة إلى العراق طوال الحرب المفروضة.[11] و باعت الصين للعراق 4 قاذفات قنابل من طراز إتش-6، و 40 طائرات مقاتلة من طراز إف-6، 80 طائرة مقاتلة من طراز إف-7، و 200 صاروخ مضاد للسفن من طراز «دودة القز»، 650 ناقلة جنود برمائية من طراز 63، و 1600 دبابة من طراز 69.[12] كان العراق يستخدم الدبابات الصينية كمدفعية ثقيلة و ناقلات جنود مدرعة في آن واحد و إذا تعطلت دبابة كان يتركها و يشتري جديدة، لأن الدبابات كانت تُوفَّر له بأسعار رخيصة جداً.
اشترى العراق أيضاً خلال الحرب معدات متقدمة بمليارات الدولارات من مصر و بعد «أنور السادات» واصل الرئيس «حسني مبارك» دعم صدام و قدّم له خلال ثمانينيات القرن العشرين[13] أسلحة و صواريخ بقيمة 5/3 مليار دولار.[14] كانت بلجيكا و إيطاليا أيضاً من الداعمين للعراق، من خلال إرسال صواريخ متقدمة مضادة للدروع و المساعدة في بناء مدفعية بعيدة المدى.[15] كما زوّدت إيطاليا العراق بأجهزة لاسلكي من طراز بي. آر. سي 638 و بي. آر. سي 439، بينما زوّدته بريطانيا بأجهزة لاسلكي من طراز «راكال».[16]
في مجال إنتاج الأسلحة الكيميائية و الصاروخية، حظيت التكنولوجيا الألمانية بأولوية أكبر من سائر التسلح في تزويد العراق. ففي الفترة من 1982م إلى 1990م، تولت 68 شركة ألمانية توريد المعدات و البنية التحتية للبرنامج العسكري العراقي. بمساعدة الشركات الألمانية، افتتح العراق في سبتمبر 1983م مجمع مصانع إنتاج المواد الكيميائية في «سامراء» و بدأ إنتاج غاز الخردل فيه في ديسمبر 1983م (آذر 1362هـ. ش). استُخدم هذا الغاز لأول مرة على نطاق واسع ضد القوات الإيرانية في «عملية خيبر». كما مكّنت التكنولوجيا الألمانية العراق من بدء إنتاج صواريخ سكود.[17]
في مجال القوى البشرية أيضاً، حصل العراق على مساعدة من مصر و الأردن و السودان؛ إذ وفرت هذه الدول قوى عاملة و مرتزقة للقتال إلى جانب الجيش العراقي.[18]أما في المجال الاستخباراتي، فقد بدأت «وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية» (CIA) منذ أواخر مارس 1982م (أوائل فروردين 1361هـ. ش)[19] بتزويد العراق بصور أقمار صناعية و معلومات عسكرية دقيقة. يُقال إن هذه الصور كانت دقيقة إلى درجة أنها كانت تُظهر حتى تحركات جندي إيراني خاطئة في المعسكرات التدريبية الإيرانية و في الاستعراضات. كانت الأقمار الصناعية الأمريكية تراقب تحركات إيران على الجبهات و تزود صدام بمعلومات عن حركة الدبابات، المدافع، القوارب و حتى انتقال مقار القيادة الإيرانية، نتائج الهجمات الجوية و الصاروخية العراقية على إيران.[20]
على سبيل المثال، في 3 مارس 1988م (أواخر إسفند 1366هـ. ش) قدمت «وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية» معلومات للعراق عن انسحاب القوات الإيرانية من شرق نهر «أروند»،[21]مما ساهم في نجاح عملية استعادة «الفاو» من قبل العراق.[22] كما ساعدت الولايات المتحدة القوات المسلحة العراقية ببيع مروحيات بقيمة 200 مليون دولار. كان هذا البيع العسكري المباشر الوحيد من أمريكا للعراق خلال فترة الحرب. في الوقت نفسه، قدمت أمريكا دعماً سرياً ملحوظاً للعراق. فقد كانت «وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية» تفحص بشكل غير مباشر مصادر الأسلحة التي تصل إلى العراق للتأكد من أن هذا البلد يمتلك ما يكفي من القوة العسكرية و الأسلحة و الذخائر و وسائل النقل لمواجهة إيران.[23]
يُظهر مقارنة القدرة القتالية بين العراق و إيران في نهاية الحرب بوضوح حالة التفاوت التي سادت طوال سنوات الدفاع المقدس. فعندما أُعلن وقف إطلاق النار بين البلدين، تجاوز عدد الأفراد العسكريين العراقيين المليون، مما يعني أن صدام تمكن خلال ثماني سنوات من مضاعفة قواته العسكرية أربع مرات. قد تُمّن المال اللازم لهذا الغرض من السعودية و الكويت.[24] اقترض العراق نحو 60 مليار دولار من الدول الأجنبية لمواصلة الحرب ضد إيران، منها 40 مليار دولار على الأقل من الدول العربية، بما في ذلك 14 مليار دولار من الكويت. كما وفرت إمارات الخليج الفارسي نحو 30 مليار دولار، أي أكثر من نصف المساعدات المالية للعراق.[25]
بطبيعة الحال، قدمت أيضاً «الاتحاد السوفييتي»، «فرنسا»، «ألمانيا الغربية»، «اليابان» و أخيراً «الولايات المتحدة» اعتمادات مالية للعراق.[26] في نهاية الحرب المفروضة، تضاعف عدد الطائرات العراقية. فقد امتلك العراق في نهاية الحرب 600 طائرة مقاتلة، كان مئات منها[27]روسية و فرنسية الصنع.[28] و بفضل حصوله على كميات هائلة من الأسلحة الحديثة التقليدية و غير التقليدية، تمكن العراق من زيادة قدرة قواته البرية من 27 فرقة إلى 50 فرقة.[29]
المصادر والمراجع
- [1]. فردپور، حسن، پشتیبانان صدام در هشت سال جنگ تحمیلی (مؤيدو صدام في السنوات الثماني للحرب المفروضة)، طهران، دارالنشر: «إيران سبز»، 2023 م (1402 هـ. ش)، ص 1.
- [2]. المصدر نفسه، ص 44 و 45.
- [3]. المصدر نفسه، ص 10.
- [4]. درودیان، محمد، سیری در جنگ ایران و عراق - آغاز تا پایان سالنمای تحلیلی (نظرة على حرب إيران و العراق - من البداية إلى نهاية التقويم التحليلي)، مجلد 6، طهران، مرکز دراسات و بحوث الحرب، 1997م (1376هـ. ش)، ص 189.
- [5]. المصدر نفسه، ص 32.
- [6]. المصدر نفسه، ص 34.
- [7]. المصدر نفسه، ص 33.
- [8]. المصدر نفسه، ص 35.
- [9]. المصدر نفسه، ص 34.
- [10]. المصدر نفسه، ص 36.
- [11]. المصدر نفسه، ص 44.
- [12]. المصدر نفسه، ص 32.
- [13]. المصدر نفسه، ص 44 و 45.
- [14]. المصدر نفسه، ص 45.
- [15]. المصدر نفسه، ص 43.
- [16]. حبیبی، محمدمهدی، حماسه امواج - نقش مخابرات سپاه در عملیات والفجر 8 (ملحمة الأمواج - دور اتصالات الحرس الثوري في عملية والفجر 8)، طهران، مرکز الوثائق و بحوث الدفاع المقدس، 2021 م (1400 هـ. ش)، ص 374 تا 377.
- [17]. اردستانی، حجر و سیدمسعود موسوی شفایی، نقش آلمان و انگلیس در طولانی شدن جنگ تحمیلی عراق علیه ایران (دور ألمانيا و بريطانيا في إطالة أمد الحرب المفروضة للعراق ضد إيران)، طهران، دار النشر: «مرز وبوم»، 2023 م (1402 هـ. ش)، ص 120، 124، 126 و 127.
- [18]. فردپور، حسن، المصدر نفسه، ص 2.
- [19]. المصدر نفسه، ص 5.
- [20]. المصدر نفسه، ص 6.
- [21]. المصدر نفسه، ص 8.
- [22]. المصدر نفسه، ص 9.
- [23]. المصدر نفسه، ص 45
- [24]. المصدر نفسه، ص 1.
- [25]. مرکز وثائق الثورة الإسلامية، «حمایت های مالی غربی و عربی از رژیم بعث در جنگ تحمیلی» (الدعم المالي الغربي والعربي لنظام البعث في الحرب المفروضة)، 22 سبتمبر 2018 م (31 شهریور 1397 هـ. ش)، https://irdc.ir/fa/news/3623.
- [26]. فردپور، حسن، المصدر نفسه، ص 1.
- [27]. المصدر نفسه، ص 45.
- [28]. المصدر نفسه، ص 46.
- [29]. المصدر نفسه، ص 43.