حقنة الأتروبين

يتكوّن الجهاز العصبي للإنسان من نحو 10¹ ² خلية عصبية (عصبون). يمكن اعتبار الخلية العصبية خليةً إفرازية تؤدي وظيفتها من خلال إفراز مادة كيميائية معينة و بعد إفراز هذه المادة، ترتبط بمستقبِل خاص في إحدى خلايا الجسم، فتؤدي إلى تنشيط عمل تلك الخلية أو تثبيطه. قد عُرف حتى اليوم أكثر من خمسين نوعًا من المواد الكيميائية التي تعمل نواقل أو وسائط عصبية و يُعدّ «الأستيل كولين» من أهمها.

و للتحكم في تأثير هذا الناقل العصبي، يوجد في الجسم إنزيم يُسمّى «أستيل كولين إستراز»، يقوم بتحويل «الأستيل كولين» إلى مادتين غير فعالتين و بذلك يمنع فرط نشاطه. إذا تعرّض الجسم لمواد تُثبّط هذا الإنزيم، فإن مستوى الأستيل كولين سيرتفع في الجسم، الأمر الذي يؤدي إلى ظهور آثار و مضاعفات مختلفة. فعلى سبيل المثال، يُعد «Soman» من مثبطات إنزيم «أستيل كولين إستراز» و ينتمي إلى مجموعة مشتقات حمض الفوسفوريك العضوية. تُعد عوامل الأعصاب من العوامل الكيميائية التي استخدمها العراق ضد المقاتلين الإيرانيين خلال فترة الدفاع المقدس.

هذا العامل، غاز أعصاب شديد القوّة، يوجد على هيئة سائل و بخار و تميل عادةً إلى اللون البني و لها رائحة تشبه رائحة الفاكهة و تؤثر هذه المواد في الجهاز العصبي للإنسان، مسببةً اضطرابات في التنفس، كما تُمتص بسهولة عبر الجلد و الرئتين و الأمعاء و ملتحمة العين و لذلك تُعد شديدة الخطورة على الإنسان. إن احتمال استخدام هذه المركبات كأسلحة في الحروب الكيميائية، يقتضي الإلمام الكافي بطرق معالجة حالات التسمم الناجمة عنها. من الأعراض الأولية و الشائعة للتسمم الناتج عن هذه المواد: تضيق حدقة العين، زيادة إفراز اللعاب، التعرق الغزير، الإسهال، التقيؤ، الضعف و الوهن العام، ارتخاء اليدين و الرجلين، الدوار  و الشعور بالضغط على الصدر. في مثل هذه الحالات يتأثر الجهاز العصبي المركزي بسرعة.

توجد أدوية ترتبط بمستقبلات «الأستيل كولين» و تمنع تأثيره. من أبرز هذه الأدوية «الأتروبين»، الذي يُستخدم في حالات التسمم بغازات الأعصاب الكيميائية. يُستخلص هذا الدواء طبيعيًا من نباتات مثل «Atropa belladonna»، كما يُنتج بطرق صناعية و شبه صناعية و بعد استعماله و امتصاصه، يتوزع على نطاق واسع في أنحاء الجسم و يصل إلى تركيز ملحوظ في الجهاز العصبي المركزي خلال مدة تتراوح بين ثلاثين و ستين دقيقة.

لمواجهة آثار المركبات شديدة السمية، كغازات الحرب الكيميائية، قد تستدعي الحاجة استخدام كميات كبيرة من «الأتروبين». لهذا الغرض يُعطى من 1 إلى 2 ملغم من كبريتات «الأتروبين» عن طريق الوريد كل خمس إلى خمس عشرة دقيقة، إلى أن تظهر علامات تأثير الأتروبين، مثل جفاف الفم. في الظروف الميدانية و لاسيما أثناء الحرب حيث يصعب تكرار الحقن الوريدي، صُممت الحقن الأوتوماتيكية تُحقن في العضلة الداخلية للفخذ و تقوم بإدخال 2 ملغم من الأتروبين إلى جسم المصاب في كل حقنة.

تكون هذه الحقنة، أسطوانية الشكل، ذات لونين أخضر و أصفر و عادة ما يحملها المقاتلون ضمن حقيبة القناع الواقي من الغازات لاستخدامها في الإسعافات الأولية. عند الاستعمال يُنزع الطرف الأصفر من الحقنة (صمام الأمان)، ثم يُضغط الطرف الأخضر على موضع الحقن حتى ينغرس فيه. إذا استمرت أعراض الإصابة بالعامل الكيميائي بعد مرور عشر دقائق، تُستخدم الحقنة الثانية، ثم الثالثة عند الحاجة. لا يجوز استعمال أكثر من ثلاث حُقن من دون إذن الطبيب. قد أسهمت هذه الحقنة، مرارًا في إنقاذ حياة المقاتلين خلال الحرب العراقية المفروضة على إيران. كان التردد أو التأخر في استخدامها يعني في كثير من الأحيان الفارق بين الحياة و الموت بالنسبة للمقاتل.

خلال فترة الدفاع المقدس، كان قادة المقار العسكرية يؤكدون باستمرار على ضرورة الاستعداد لمواجهة الهجمات الكيميائية للعدو، استخدام الأقنعة الواقية المزوّدة بمرشحات مضادة للغازات و كذلك الاستفادة من حقنة الأتروبين. من ذلك أن هيئة الأركان المشتركة لجيش الجمهورية الإسلامية الإيرانية، أصدرت تعميمًا إلى جميع القوات التابعة لها و إلى «وزارة الدفاع الوطني» و «حرس الثورة الإسلامية» جاء فيه: «وفقًا للمعلومات الواردة، استخدم العدو خلال الأسابيع الأخيرة قذائف كيميائية مسببة للغثيان بصورة متكررة؛ لذا يُرجى إصدار التعليمات اللازمة للمقاتلين لاتخاذ الإجراءات الآتية حمايةً لأنفسهم من العوامل الكيميائية:1. عند ملاحظة قذائف لا تُحدث شظايا و تترافق مع انبعاث غازات أو عند استنشاق روائح غير مألوفة، يجب استخدام القناع الواقي المجهز بمرشح مضاد للغازات فورًا.

2. إذا كان المقاتل لا يمتلك قناعًا واقيًا، فعليه أن يضع قطعة قماش مبللة على فمه و أنفه و أن ينتقل من المناطق المنخفضة إلى المناطق المرتفعة.

3. إذا تفاقمت آثار العامل المسبب للغثيان و أصيب المقاتل بدوار و غثيان شديدين مصحوبين بآلام في البطن، فيمكنه استخدام الحقنة الأوتوماتيكية من الأتروبين».⁠[1]


المصادر والمراجع

  • [1]. تلخیص مقالة من موسوعة الدفاع المقدس، مجلد 1، طهران، مركز موسوعة معهد علوم و معارف الدفاع المقدس، 2011م (1390ه. ش)، ص244ـ242.

إكمال أو تعديل أو الإبلاغ عن خطأ