الخلافات الحدودية بين إيران و العراق
كان ادّعاء العراق بشأن السيادة على «الأروند رود» و كيفية استخدامه و كذلك ادّعاؤه الملكية على بعض النقاط الحدودية الاستراتيجية بين البلدين، السبب الرئيس للخلافات الحدودية بين إيران و العراق.من بين الدول المجاورة لإيران، يمتلك «العراق» أطول حدود مشتركة معها بطول 1608 كيلومترات،[1] و قد ادّعى منذ البداية الملكية على بعض المناطق الحدودية.
ترجع جذور الخلافات الحدودية بين إيران و العراق إلى عهد تأسيس الدولة «الصفوية» في إيران و قيام الإمبراطورية العثمانية التي كان العراق جزءًا منها.[2]في تلك المرحلة و حتى سقوط الدولة العثمانية، كان السبب الأساسي للخلافات الحدودية بين البلدين يتمثّل في رغبة كل طرف في التوسّع الإقليم و مواجهة انتشار الأفكار الدينية للطرف الآخر؛لأنّ إيران كانت أكبر دولة شيعية، بينما كانت الدولة العثمانية أكبر دولة سنّية في العالم الإسلامي.[3]
لكن بعد سقوط الدولة العثمانية و تأسيس الدولة الحديثة في العراق، انحصرت الخلافات بين البلدين في كيفية استخدام الموارد المائية لـ «الأروند رود» في شمال الخليج الفارسي.على خلاف إيران التي تمتلك سواحل في شمال الخليج الفارسي و جزءًا كبيرًا من بحر عُمان، فإن العراق لا يملك ساحلًا مناسبًا.فهو يمتلك أقصر ساحل على الخليج الفارسي، بطول يقارب 55 كيلومترًا و معظم هذا الساحل ضحل و غير مناسب لإنشاء موانئ آمنة و قابلة للاستخدام.
انتهج العراق، للخروج من هذا المأزق الاتصالي، سياسةً توسّعية و أصبح هذا التوجّه منذ استقلاله عام 1932م (1311هـ.ش) العاملَ المحوريَّ الأبرز في سياسته الخارجية تجاه جارتيه «إيران» و «الكويت».فلو تمكّن العراق من السيطرة على الموارد المائية ل«إيران» و «الكويت»، لحصل على منافذ بحرية عميقة و لأصبح قادرًا على لعب دور فعّال و مؤثر في الخليج الفارسي و لانفتح الطريق أمامه لتحقيق أهدافه التوسّعية.[4]
إلى جانب الخلاف حول ملكيّة «الأروند رود» و طريقة استخدامه، كانت بعض النقاط الحدودية الاستراتيجية مثل مدينة «ميمك» و قرية «كنجانچم» في محافظة «إيلام» التي تتمتع بأهمية خاصة للطرفين من حيث السيطرة العسكرية على الحدود، من محاور الخلافات الحدودية بين «إيران» و «العراق».
و في أعنف مواجهة عسكرية بين البلدين خلال عهد «بهلوي» هاجمت القوات العراقية في 10 فبرایر 1974(21 بهمن 1352ه.ش) «تلة 343» التابعة لقرية «كنجانچم» على طريق «مهران – إيلام» و المشرفة على سهل «بدره» في العراق و تمكّنت من احتلالها.غير أنّ القوات الإيرانية و بعد ساعات من الاشتباك العنيف، استطاعت عند الساعة الثانية فجر اليوم التالي استعادة التلة من العدو[5].
حتى سنة 1976م(1355هـ.ش)، أدّت محاولات البلدين للتوصل إلى اتفاق بشأن الخلافات الحدودية إلى توقيع معاهدات مثل «كردان»(1125)،[6] «أرزنةالروم»(1201 و 1225)،[7] «إسطنبول»(1102)،[8] و «طهران»(1289)،[9]لكن أيًّا منها لم يُرضِ العراق و وقفت القوات العسكرية للبلدين في مواجهة بعضهما في سنوات 1969(1348هـ.ش)،[10] 1972(1351هـ.ش)،[11]و 1973(1352هـ.ش).[12]
في سنة 1976(1355هـ.ش) و خلال اجتماع «أوبك» في الجزائر، توصّل «صدّام» و «شاه» إيران إلى اتفاق يقضي بأن توقف إيران دعمها لـ«مسعود بارزاني» الذي كان يعارض «صدّام» و يسعى لانفصال «كردستان» العراق و أن تتخلى عن جزء من أراضي «ميمك» في محافظة «إيلام» لصالح العراق، مقابل أن يعترف العراق بسيادة إيران على النصف الشرقي من «الأروند رود».[13]و[14]
في عهد «بهلوي الثاني»، سعى العراق لتحقيق أهدافه من خلال إثارة مسألة الخلافات الحدودية مع إيران، بل إنها عمدت إلى طرح الحدود غير المشتركة مع إيران أيضًا.فعلى سبيل المثال، حاول العراق في أواخر عقد 1960(1340هـ.ش) عبر نسب أصول البلوش القاطنين شرق إيران إلى العرب، حتی يخلق لهم هوية عربية سنّية في مواجهة الأغلبية الفارسية الشيعية.لهذا السبب، حصل جبهة «تحرير بلوشستان» و هي أهم منظمة سياسية بلوشية معارضة لحكومة «بهلوي» على دعم مباشر سياسي و مالي و عسكري من حزب البعث العراقي و جعلت بغداد مقرّها الرئيسي.
قد قبلت هذه الجبهة، مقابل حصولها على الدعم المالي من النظام البعثي، أن تؤيد ادعاءات العراق و الدول العربية الأخرى بشأن «خوزستان» و أن تتبنّى ادعاء العراق بملكيته الكاملة لـ «الأروند رود».[15] في هذه الفترة نفسها و ضمن انسجامه مع ادّعاءات مشيخات الخليج الفارسي بشأن الجزر الثلاث الإيرانية (أبو موسى، تنب الكبرى و الصغرى) و الخليج الفارسي، اعتبر العراق أنّ إيران، رغم امتلاكها أكثر من 1000 كيلومتر من السواحل، دولةٌ غريبة عن الخليج الفارسي.كما استخدم العراق تسميةً «مزوّرة» للخليج الفارسي، مدّعيًا أنّه خليج عربي و أنّ إيران قامت بإحتلاله.لهذا السبب شبّه العراق، إيران بالكيان الصهيوني و أطلق على الخليج الفارسي اسم «فلسطين الثانية».[16]
إلى جانب الخلافات بين إيران و العراق حول ملكية الأنهار الحدودية، كان فكر تجزئة «خوزستان» و ضمّها إلى «العراق» هدفًا ثابتًا لدى الحكّام العراقيين في الماضي.خلال الحرب المفروضة التي استمرت ثماني سنوات، تناولت وسائل الإعلام العراقية هذا الطموح مرارًا.يمكن تصور هدفين أحدهما أقصى و الآخر أدنى للعراق في هجومه على إيران خلال الحرب المفروضة؛ الهدف الأقصى: ضمّ خوزستان إلى العراق و الهدف الأدنى: إلغاء اتفاقية الجزائر 1975. لهذا السبب، في بداية الحرب المفروضة، أقدم العراق على عبور «الأروند رود» و التوغّل في محافظة «خوزستان» التي يقطنها عدد كبير من العرب و معلنًا أنّ هدفه هو «تحرير عربستان» (أي خوزستان الإيرانية) .[17]
بدأت مرحلة جديدة من الخلافات الحدودية بين البلدين مع انتصار الثورة الإسلامية في إيران.في هذا الوقت، تخلّى العراق عن مواصلة مشروع تحديد الحدود الجديد لتعيين الخط الفاصل بدقة بين البلدين، الذي كان قد بدأ في عهد حكم الشاه البهلوي.[18]بعد عامين من انتصار الثورة الإسلامية و في ظل وضعية تأثّر الجيش الإيراني بأحداث الثورة و وقوعه في مشاكل، أعلنت الحكومة العراقية في مذكرة رسمية بتاريخ 17 سبتمبر 1980(26 شهریور 1359هـ.ش) التي سلّمتها إلى سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في بغداد، إلغاء «معاهدة 1975» من جانب واحد و بعد أسبوع، في 22 سبتمبر 1980(31 شهریور 1359هـ.ش)، شنّ العراق هجومًا واسعًا على أراضي الجمهورية الإسلامية الإيرانية بـ12 فرقة قتالية، مع قصف المطارات و المنشآت الاقتصادية في مدن مختلفة و إطلاق هجمات بحرية و جوية و برية على القواعد و المنشآت العسكرية الإيرانية و السفن التجارية و فُرضت بذلك الحرب الثمانية سنوات على إيران.[19]
مع انتهاء الحرب المفروضة، وجّه «صدّام حسین» رسالة إلى حجّة الإسلام «أكبر هاشمی رفسنجانی» (رئيس الجمهورية آنذاك) و أعلن فيها التزام العراق باتفاقية 1975 و تراجعه عن المواقف التي أدّت إلى اندلاع الحرب بين البلدين.[20]مع انتهاء الحرب المفروضة و رغم عودة العلاقات بين البلدين إلى حالتها الطبيعية، فإن الخلافات الحدودية بين إيران و العراق ما زالت قائمة.
ففي سنة 1988م(1367هـ.ش)، أعلن العراق أنّه يعتزم، من خلال حفر ممرّ مائي جديد، إبعاد «الأروند رود» نحو 20 كيلومترًا عن الحدود الإيرانية و تحويله إلى نهر داخلي في العراق، إلا أنّ هذا المشروع فشل بسبب تكاليفه المالية الباهظة و العقبات الجغرافية.[21]
مع سقوط نظام البعث في العراق، صرّح «جلال طالباني» أول رئيس للعراق بعد «صدّام حسين» بأن اتفاقية «الجزائر1975» مع إيران ملغاة و لا قيمة قانونية لها.[22]لكن بعد ردود الفعل التي ظهرت في إيران[23]و العراق[24]، تراجع عن موقفه و أكّد علی صلاحیة هذه الاتفاقية.[25]في واقعة أخرى، ادّعت الحكومة العراقية سنة 2009م(1388هـ.ش) أنّ إيران قامت بإجراءات على الأنهار الحدودية أدّت إلى تقليل كمية المياه الواردة إلى العراق.
في المقابل، نفى مساعد وزير الخارجية الإيراني هذا الادعاء و أعلن استعداد إيران لإجراء مفاوضات فنية حول تقسيم مياه الأنهار الحدودية مع العراق و تحديد حصة كل من البلدين و أشار إلى أنّ إيران و العراق اتفقا في أبریل 2008«فروردین 1387ه.ش) على حلّ جميع المشكلات بينهما استنادًا إلى «اتفاقية 1975» موضحًا أنّ هذه الاتفاقية لا تحدد نسبة تقاسم مياه الأنهار و أن لجنة مشتركة من خبراء البلدين تعمل على تحديد حصة كل طرف.[26]
منابع و ارجاعات:
- [1] توسلی، حمیدرضا، مساحة «إیران»، مجلة «كتاب ماه تاريخ وجغرافيا»، العدد 173، 2012(1391هـ.ش)، ص 39.
- [2] جعفری ولدانی، اصغر(دراسات حول الحرب المفروضة: مراجعة تاریخیة للخلافات الحدودیة بین إیران و العراق(1): من القرن الخامس عشر حتى استقلال العراق)، المجلة الفصلية «السياسة الخارجية»، صيف و خریف 1987م(تیر و شهریور 1366ه.ش)، العدد 3، ص 409.
- [3] المصدر نفسه، ص 409–410.
- [4] امیری، علی و آخرون، نقش متغیرهای ژئوپلیتیکی در چالش مرزی ایران و عراق (دور المتغیرات الجیوبولیتیكیة في التحدیات الحدودیة بین إیران و العراق)، المجلة الفصلية «العلوم والفنون الحدودية»، العدد 10، 2014(1393هـ.ش)، ص 113–114.
- [5] پیروزان، کریم، نبرد دلیران و شیران ایرانزمین(معركة شجعان و أُسود إیران)، طهران، دار النشر:«ایران سبز»، 2016م(1395 هـ.ش)، ص 30–31.
- [6] عابدینی، ابوالفضل،(معاهدات السلام بین إیران و الدولة العثمانیة و تخفیف التوترات المذهبیة في العهد «الصفوي» و «الأفشاري»)، فصیلة«تاریخ ایران»، العدد 60/5، 2009 (1388هـ.ش)، ص 114.
- [7] امامی خویی، محمدتقی؛ جفرودی، نیلوفر، روابط سیاسی ایران و عثمانی از 1212 تا 1265هـ.ق (العلاقات السیاسیة بین إیران و الدولة العثمانیة 1212–1265هـ.ق)، فصیلة«مسکویه» العدد 22، 2012م(1391هـ.ش)، ص 12 و22.
- [8] نایبپور، محمد؛ خسروزاده، سیروان، قرارداد 1975 الجزایر از زمینهها تا پیامدها (اتفاقیة الجزائر 1975: الخلفیات و النتائج)، المجلة الفصلية «العلوم والفنون الحدودية»، العدد 9، 2014م(1393هـ.ش)، ص 38.
- [9] جهانگرد، نسرین، نگرشی بر روابط و اختلافهای مرزی ایران و عراق و دخالت دول بیگانه (قراءة في العلاقات و الخلافات الحدودیة بین إیران و العراق و تدخل القوى الأجنبیة)، المجلة الفصلية «تاريخ العلاقات الخارجية»، العدد 19، 2004م(1383هـ.ش)، ص 106–108.
- [10] مشفقیفر، ابراهیم، حاکمیت رژیمهای کودتایی در عراق و تشدید بحرانهای سیاسی–نظامی با ایران(1958–1975) (سیطرة الأنظمة الانقلابیة في العراق و تصاعد الأزمات السیاسیة–العسكریة مع إیران 1958–1975م)، المجلة الفصلية «تاريخ العلاقات الخارجية»، العدد 19، 2004م(1383هـ.ش)، ص 131–132.
- [11] المصدر نفسه، ص 133–134.
- [12] المصدر نفسه، ص 134.
- [13] المصدر نفسه، ص 137.
- [14] میمك؛ من ضربة ذوالفقار إلى «نصر 6»، ISNA: isna.ir/xdjmbW
- [15] خلیلی، محسن و آخرون، مدلسازی ژنومهای ژئوپلیتیک تأثیرگذار بر سیاست خارجی ایران و عراق (نمذجة الجینومات الجیوبولیتیكیة المؤثرة في السیاسة الخارجیة لإیران و العراق)، المجلة الفصلية «علم الاجتماع السياسي للعالم الإسلامي»، السنة 1، العدد 3، 2012م(1391هـ.ش)، ص 24–25.
- [16] امیری، علی و آخرون، المصدر نفسه، ص 114.
- [17] خلیلی، محسن و آخرون، المصدر نفسه، ص 26–27.
- [18] میمك؛ من ضربة ذوالفقار إلى «نصر 6»، المصدر نفسه
- [19] اختری، سجاد؛ شبانی، سارا، بررسی تأثیر مخاصمات مسلحانه بر معاهدات مرزی (دراسة تأثیر النزاعات المسلحة على المعاهدات الحدودیة)، المجلة الفصلية «العلوم و الفنون الحدودية»، المجلد 8، العدد 2، 2017م(1396هـ.ش)، ص 192–193.
- [20] علوی، اسماعیل،(لماذا عاد «صدام» إلى اتفاقیة الجزائر؟)، صحیفة «ایران»، الاثنین 23 أغسطس 2021م(1 شهریور1400ه.ش)، العدد 7705، ص 9.
- [21] نیرومندفرد، فریبا؛ شهیدی، علی، هیدروپلیتیک ایران و عراق و بهینهسازی مصرف آبهای مشترک مرزی (الهیدروبولیتیك بین إیران و العراق و ترشید استخدام الموارد المائیة المشتركة)، المجلة الفصلية «السياسة العالمية»، العدد 2، 2018م(1397هـ.ش)، ص 252–254.
- [22] (طالباني: نعتبر اتفاقیة الجزائر مع إیران ملغاة)، ISNA: isna.ir/xbZS9
- [23] (سفیر إیران في العراق فی حوار مع «ایسنا»: اتفاقیة «الجزائر 1975» جزء من جزء من الوثائق الدولیةغیر قابلة للتغییر)ISNA: isna.ir/xbZSh
- [24] (محسن حکیم فی حوار مع «ایسنا»: اتفاقیة الجزائر 1975 غیر قابلة للتغییر)، isna.ir/xbZTS.
- [25] جعفری ولدانی، اصغر،(استخدام موارد میاه الأنهار الحدودیة بین إیران و العراق و القانون الدولي)، المجلة الفصلية «بحوث القانون و السياسة»، السنة 11، العدد 26، ربیع و صیف 2009م(1388هـ.ش)، ص 88.
- [26] المصدر نفسه، ص 64–65.