الرحلة رقم 655

تحليق طائرة «إيرباص» المدنية التابعة لـ «شركة الخطوط الجوية للجمهورية الإسلامية الإيرانية» (إيران إير) بالرحلة رقم 655 انتهى بمأساة في 3 يوليو 1988م (12 تیر 136هـ. ش)، عندما استهدفتها بصاروخٍ سفينةٌ حربية تابعة للبحرية الأمريكية في الخليج الفارسي، مما أدى إلى استشهاد جميع من كانوا على متنها. بعد اندلاع الحرب العراقية المفروضة ضد إيران عام 1980م (1359هـ. ش)، شرع العراق منذ عام 1981م (1360هـ. ش) في مهاجمة السفن التجارية الإيرانية و زرع الألغام في الخليج الفارسي و في عام 1983م (1362هـ. ش) اتسعت نطاقات الهجمات الجوية، لتبلغ ذروتها عام 1986م (1365هـ. ش) و قد تقدمت السلطات في الجمهورية الإسلامية الإيرانية بشكاوى ضد العراق لدى المحافل الدولية، إلا أن المجتمع الدولي لم يُعرها الاهتمام اللازم.⁠[1]

لم يؤدِّ اتساع رقعة الحرب في الخليج الفارسي إلى فرض أعباء مالية باهظة على إيران فحسب، بل هدد أيضًا مصدر دخلها الرئيس المتمثل في النفط. لهذا أعادت إيران النظر في سياستها عام 1987م (1366هـ. ش)، و لجأت إلى تنفيذ هجماتٍ مضادة.⁠[2]أفضى هذا الوضع إلى طلب الكويت المساعدة من الولايات المتحدة الأمريكية، الأمر الذي ترتب عليه حضور عسكري أمريكي و أوروبي في الخليج الفارسي.⁠[3] و في 2 يوليو 1988م (11 تیر 1367هـ. ش)، اشتبكت القطع البحرية الأمريكية للمرة الأولى مع الزوارق الحربية الإيرانية المسلحة و ذلك أثناء مرافقتها سفينة دنماركية كانت تنقل النفط السعودي.⁠[4]

في الساعة 10:17 من صباح يوم الأحد 3 يوليو 1988م (12 تیر 1367هـ. ش) بتوقيت طهران، أقلعت طائرة الركاب التابعة لـ «إيران إير» برقم الرحلة 655 من مطار «بندر عباس» متجهة إلى «دبي» و بعد سبع دقائق فقط و أثناء تحليقها فوق الخليج الفارسي  و هي لا تزال داخل المجال الجوي الإيراني و في أجواء المياه المحيطة بجزيرة «هنگام»، استهدفتها بصاروخ السفينة الحربية الأمريكية «يو إس إس فينسنس» (USS Vincennes)، ما أدى إلى سقوطها. كانت الطائرة تقل 275 راكبًا و 15 فردًا من طاقمها، من بينهم 66 طفلًا و 46 شخصًا من رعايا دول أجنبية.⁠[5] في أول رد فعل رسمي، سعت السلطات الأمريكية إلى تبرير الهجوم على الطائرة المدنية الإيرانية من الناحية القانونية، مدعيةً أن الطائرة المستهدفة كانت طائرةً عسكرية و أنها كانت بصدد مهاجمة السفينة الحربية المذكورة.⁠[6]

في 5 يوليو 1988م (14 تیر 1367هـ. ش)، وجّهت الجمهورية الإسلامية الإيرانية رسالة إلى «مجلس الأمن الدولي» و إلى «منظمة الطيران المدني الدولي» (إيكاو)، طالبت فيها بمتابعة قضية إسقاط الطائرة. قد عرضت الحكومة الإيرانية مطالبها على النحو الآتي:1. إدانة الهجوم الذي شنّته القوات العسكرية الأمريكية في الخليج الفارسي و أدّى إلى تدمير طائرة «إيرباص» الإيرانية المدنية التابعة للرحلة رقم 655؛ 2. الإعلان الصريح عن وقوع جريمة دولية استنادًا إلى انتهاك قواعد القانون الدولي و إخلال الولايات المتحدة الأمريكية بالتزاماتها القانونية بصفتها عضوًا في «منظمة الطيران المدني الدولي»؛ 3. تحديد مسؤولية الولايات المتحدة الأمريكية و الإعلان عنها بصورة واضحة و المطالبة بالتعويض عن الأضرار المادية و المعنوية؛ 4. المطالبة بالإزالة الفورية للعوائق و القيود و التهديدات القائمة و وضع حدّ لاستخدام القوة العسكرية ضد الطيران المدني في المنطقة و إنهاء الوجود العسكري الأجنبي في الخليج الفارسي.⁠[7]

في 16يوليو 1988م (25 تیر 1367هـ. ش)، عقدت «منظمة الطيران المدني الدولي» (إيكاو)،   اجتماعًا بحضور وزير الخارجية الإيراني «علي أكبر ولايتي» و نائب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية «جورج هربرت ووكر بوش». أكد «ولايتي» أن الوجود العسكري الأمريكي في الخليج الفارسي يُعدّ السبب الرئيس لانعدام الأمن في المنطقة و اعتبر استهداف الركاب المدنيين العزّل عملًا لا يمكن تبريره.⁠[8] في المقابل، زعمت الولايات المتحدة أن إيران ليست بريئة تمامًا من الحادث، مدعيةً أن الطائرة المدنية الإيرانية كانت تحلّق على ارتفاع منخفض و بالقرب من الطراد الأمريكي «فينسنس» و أن السفينة أقدمت على إطلاق النار دفاعًا عن النفس في مواجهة ما اعتقدته تهديدًا محتملاً من الطائرة الإيرانية.⁠[9]

خلال جلسات «مجلس الأمن الدولي» التي شارك فيها «علي أكبر ولايتي»، دعا ممثلو الدول الأعضاء إلى إنهاء الحرب الإيرانية-العراقية و تعزيز ضمانات سلامة الملاحة الجوية. كما دعا المجلس إيران إلى قبول القرار 598 بوصفه خطوة لإنهاء الحرب و هو ما قوبل في البداية برفض المندوب الإيراني⁠[10] إلا أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية أعلنت رسميًا قبولها للقرار في 18 يوليو 1988م (27 تیر 1367هـ. ش).⁠[11]كذلك أصدر «مجلس الأمن الدولي» في 30 يوليو 1988م (8 مرداد 1367هـ. ش) القرار 616 ردًّا على الشكوى الإيرانية. قد أعرب المجلس في هذا القرار عن أسفه و تعازيه لسقوط الطائرة المدنية الإيرانية، لكنه امتنع عن إدانة الولايات المتحدة الأمريكية على هذا الهجوم.⁠[12]أما «منظمة الطيران المدني الدولي (إيكاو)»، فقد اكتفت، بدلًا من إجراء تحقيق فني شامل، بالتعبير عن الأسف و تقديم التعازي إلى أسر الضحايا و ذويهم.⁠[13]

عقب إخفاق الحكومة الإيرانية في تحقيق النتيجة المرجوة في كلٍّ من «منظمة الطيران المدني الدولي» (إيكاو) و «مجلس الأمن الدولي»، أحالت القضية إلى «محكمة العدل الدولية» في «لاهاي»،⁠[14]و قدّمت عريضتها الرسمية إلى المحكمة في مايو 1989م (أردیبهشت 1368هـ. ش).⁠[15]تم تحديد 12سبتمبر 1994م (21 شهریور 1373هـ. ش) موعدًا للنظر في القضية، أنّ هذه القضية لم تُبحث في نهاية الأمر في «لاهاي»، إذ اتفقت الولايات المتحدة و إيران على معالجة الموضوع خارج إطار القضاء الدولي. و انتهى الأمر إلى اتفاق يقضي بأن تدفع الولايات المتحدة تعويضات عن الطائرة و الأضرار التي لحقت بأسر الضحايا، من دون الإقرار بأي مسؤولية قانونية عن الحادث.⁠[16]قد اتُّخذ هذا القرار بسبب تراجع آمال المسؤولين الإيرانيين في صدور حكم يدين الولايات المتحدة، في ظل ما كانت تتمتع به من نفوذ واسع و تأثير كبير في العديد من الأوساط السياسية و القضائية الدولية.⁠[17]بعد الإعلان عن التسوية، دُفعت التعويضات إلى إيران عام 1995م (1374هـ. ش).⁠[18]رأى عدد من الحقوقيين و الخبراء الإيرانيين أن هذا الاتفاق مع الولايات المتحدة و سحب الدعوى من «محكمة العدل الدولية»، كان إجراءً غير مدروس و يتعارض مع المصالح الوطنية.⁠[19]

عقب هذا الهجوم، لم يُقدَّم أيٌّ من أفراد طاقم الطراد الأمريكي «فينسنس» إلى المساءلة القانونية. كما مُنح قائد الطراد «ويليام روجرز»، وسام الاستحقاق من حكومة الولايات المتحدة الأمريكية عند انتهاء خدمته العسكرية.⁠[20]في إيران، تُقام سنويًا في 3 يوليو (12 تیره. ش)، بالقرب من جزيرة «هنگام» و في موقع سقوط الطائرة، مراسم لإحياء ذكرى الشهداء و تخليد ذكراهم.⁠[21]في عام 1998م (1377هـ. ش)، وجّه الكاتب و الناشط الثقافي «حبيب أحمد زاده» رسالة إلى «ويليام روجرز» بشأن استهداف الطائرة المدنية الإيرانية من قبل الطراد «فينسنس»   و نُشرت الرسالة في عدد من الصحف و المطبوعات المحلية. ثم أعاد إرسالها عام 2008م (1387هـ. ش) عبر البريد الإلكتروني إلى «روجرز» و إلى تسعمائة شخص آخر.⁠[22]


المصادر والمراجع

  • [1]. طلوعی، محمود، بازی قدرت ـ جنگ نفت در خاورمیانه (لعبة القوة: حرب النفط في الشرق الأوسط)، تهران: نشر: علمی، 1992م (1371هـ. ش)، ص311– 318.
  • [2]. المجلة الفصلية «نغین إيران»، ش2، خريف 2002م (پاییز 1381هـ. ش)، ص13.
  • [3]. المجلة الفصلية «راهبرد»، ش71، صيف 2014م (تابستان 1393هـ. ش)، ص13– 14.
  • [4]. طلوعی، محمود، بازی قدرت ـ جنگ نفت در خاورمیانه (لعبة القوة: حرب النفط في الشرق الأوسط)، ص318.
  • [5]. امیرخانی، خدیجه، شلیک کن و فراموش کن (أطلق النار ثم انسَ)، تهران: مركز وثائق الثورة الإسلامية، 2014م (1393هـ. ش)، ص119، 120، 132.
  • [6]. المجلة الفصلية «نغین إيران»، ش5، صيف 2003م (تابستان 1382هـ. ش)، ص7.
  • [7]. المجلة الفصلية «گزارش»، ش64، يونيو 1996م (خرداد 1375هـ. ش)، ص19.
  • [8]. امیرخانی، خدیجه، شلیک کن و فراموش کن (أطلق النار ثم انسَ)، ص153، 160، 161.
  • [9]. مجلة «دراسات العلاقات الدولية»، ش22، صيف 2013م (تابستان 1392هـ. ش)، ص9.
  • [10]. المجلة الفصلية «نغین إيران»، ش2، خريف 2002م (پاییز 1381هـ. ش)، ص5؛ درودیان، محمد، سیری در جنگ ایران و عراق، ج5: پایان جنگ (دراسة في حرب الإيرانیة و العراقیة، مجلد5: نهاية الحرب)، تهران: مركز دراسات و بحوث الحربية التابع للحرس الثوري، ص143.
  • [11]. درودیان، محمد، سیری در جنگ ایران و عراق، ج5: پایان جنگ (دراسة في حرب الإيرانیة و العراقیة، مجلد5: نهاية الحرب)، ص147.
  • [12]. امیرخانی، خدیجه، شلیک کن و فراموش کن (أطلق النار ثم انسَ)، ص156.
  • [13]. المصدر نفسه، ص14.
  • [14]. المصدر نفسه، ص160.
  • [15]. صحيفة «الجمهورية الإسلامية»، ش2894، 21 مايو 1989م (31 اردیبهشت 1368هـ. ش)، ص12.
  • [16]. امیرخانی، خدیجه، شلیک کن و فراموش کن (أطلق النار ثم انسَ)، ص160– 164.
  • [17]. المصدر نفسه، ص160.
  • [18]. المصدر نفسه، ص165
  • [19]. المجلة الفصلية «نغین إيران»، ش5، صيف 2003م (تابستان 1382هـ. ش)، ص7.
  • [20]. امیرخانی، خدیجه، شلیک کن و فراموش کن (أطلق النار ثم انسَ)، ص168.
  • [21]. المصدر نفسه، ص219.
  • [22]. مجلة «سوره» الشهرية، ش37، أبريل– مايو 2008م (فروردین و اردیبهشت 1387هـ. ش)، ص6– 7.

إكمال أو تعديل أو الإبلاغ عن خطأ