حوكمة الحرب (الإدارة الحربية)

مع بداية الحرب المفروضة، اضطرت المنظومة الإدارية للبلاد إلى تأسيس مؤسسات أو منظمات مختلفة أو إصلاح هيكلي للمنظمات القائمة لتتوافق مع الظروف الحربية، حتى تتمكن من إدارة الحرب بأفضل صورة. كانت «هيئة التعبئة الاقتصادية للبلاد»، «منظمة التعزيرات الحكومية»، «مؤسسة شؤون مهاجري الحرب المفروضة»، «مجلس الدفاع الأعلى»، «هيئة الأعلام الحربی»، «مجلس الدعم الأعلى للحرب»، «وزارة حرس الثورة»، «هيئة مواجهة الهجمات الجوية» و «المحكمة الخاصة بالنظر في المخالفات الحربية» جزءاً من الهياكل الإدارية للبلاد التي أُسست بسبب وقوع الحرب المفروضة.

أثر هجوم العراق على إيران على قطاعات مختلفة من البلاد. من هذه التأثيرات إحداث تغيير في هيكل حوكمة البلاد، بحيث أُنشئت في الحرب المفروضة مؤسسات و هياكل لم تكن موجودة قبل ذلك في النظام السياسي للبلاد و اختفت بعد نهاية الحرب و بانتهاء الاحتياجات المؤقتة.

كان أهم عارض و تداعيات الحرب المفروضة على البلاد في القطاع الاقتصادي. فمن جهة توقف مصافي النفط في جنوب البلاد عن العمل و انخفاض إنتاج الطاقة و من جهة أخرى اضطراب الصادرات و الواردات و ندرة و ارتفاع أسعار السلع و ظهور المشاكل الاقتصادية، مما دفع مجلس الوزراء في جلسة 27 سبتمبر 1980م (5 مهر 1359هـ. ش) إلى تشكيل «هيئة التعبئة الاقتصادية للبلاد» لتتخذ القرارات المطلوبة للظروف الحربية و تنفذها عبر المنظمات المسؤولة.

كان الأعضاء أصحاب القرار في هذه الهيئة، وزراء النفط، الصناعات و المناجم، العمل و الشؤون الاجتماعية، الزراعة، الداخلية، الطاقة، الشؤون الاقتصادية و المالية، التجارة، الدفاع و رؤساء منظمة التخطيط و الميزانية، البنك المركزي الإيراني أو ممثليهم المفوضين، عدداً من نواب المجلس و عدداً من ممثلي القطاع الخاص، برئاسة رئيس الوزراء.⁠[1]

كان أول إجراء للهيئة إنشاء نظام الحصص أو الكوبونات لتوزيع عادل للأرزاق و الاحتياجات الأساسية للناس منها السكر، الزيوت، النفط و البنزين و الذي لقي ترحيباً من الشعب بسبب خلق الأمن النفسي في المجتمع.⁠[2]و من الإجراءات الأخرى لـ «هيئة التعبئة الاقتصادية» خلال الحرب: مراقبة الأسواق المفتوحة و السوداء، تغطية مقاتلي الحرب، دفع تأمين البطالة للمتأثرين بالحرب و تشكيل صناديق القرض الحسن في المساجد و الأحياء.⁠[3]

كان استخدام الحكومة لصلاحيات مجال التعزيرات الحكومية من التأثيرات الأخرى لوقوع الحرب المفروضة على هيكل حوكمة البلاد. أدت المشاكل الاقتصادية و الاجتماعية الناجمة عن كيفية إنتاج و توزيع و عرض السلع في سنوات الحرب إلى أن يسأل رئيس الوزراء في رسالة إلى «الإمام الخميني» عن مدى صلاحيات الحكومة في تسعير السلع و الخدمات الضرورية و مراقبة تنفيذ ذلك من قبل الحكومة و أجاب الإمام بأن الحكومة مخولة بالقيام بهذا العمل.⁠[4]و عقب صدور هذا الحكم نُفذ مشروع مكافحة الاحتكار و رفع الأسعار في أنحاء البلاد.

كان تشكيل «مؤسسة شؤون مهاجري الحرب المفروضة» من التأثيرات الاقتصادية الأخرى للحرب على نظام حوكمة البلاد. كانت المهمة الرئيسية لهذه المؤسسة، توفير إمكانيات الحياة للأفراد الذين هاجروا من المناطق الحربية إلى سائر محافظات البلاد.⁠[5]من الإجراءات الاقتصادية الأخرى لهذه المؤسسة دفع رواتب شهرية لمهاجري الحرب المفروضة بالتعاون مع وزارة الاقتصاد.⁠[6]

حاولت وزارة الاقتصاد بوصفها الركن الاقتصادي للحكومة، باتخاذ سياسات مثل منع نمو السيولة في البلاد، خفض الضرائب غير المباشرة، مراقبة السياسة النقدية عبر التقنين، التسعير الرسمي و منح العملة الرسمية، العملة المقايضة، عملة الطلاب، العملة العلاجية و عملة السفر-و هي إجراءات خاصة في فترة الحرب-تقليل التأثيرات الاقتصادية للحرب على معيشة الناس.⁠[7]كان تفويض اتخاذ القرار بشأن كيفية تخصيص الإيرادات النقدية النفطية من الحكومة إلى نواب «مجلس الشورى الإسلامي» من القرارات الاقتصادية الخاصة الأخرى لأيام الحرب، مما أدى إلى تقليل الريع و الفساد في القطاع الاقتصادي للحكومة.⁠[8]

أثر وقوع الحرب المفروضة أيضاً على القطاع السياسي في البلاد. كان عقد جلسات منتظمة لـ «مجلس الدفاع الأعلى» -الذي رغم تشكيله في 10 مايو 1980م (20 أرديبهشت 1359هـ. ش) بقي معلقاً حتى وقت الحرب المفروضة-أول تأثير للحرب المفروضة على الهيكل السياسي للبلاد.⁠[9]في 12 أكتوبر 1980م (20 مهر 1359هـ. ش) عدّد «الإمام الخميني» في حكم موجه إلى مسؤولي البلاد الإشراف على جميع الأمور المتعلقة بالحرب، تنسيق جميع القوات المسلحة، إدارة المناطق الحربية و تعيين ممثلين فيها ضمن مهام هذا المجلس.

كان من المهام و الصلاحيات الأخرى لـ «مجلس الدفاع الأعلى» في حكم الإمام، الإشراف على جميع الدعاية، المقابلات، الخطب، الكتابات، البيانات و الإعلانات التي تُنشر عبر الإذاعة و التلفزيون أو الصحف و تحديد خط السياسة الخارجية المتعلقة بالدفاع.⁠[10]

بناءً على هذا الحكم كان الأشخاص و الجماعات و جميع القوات ملزمين بالامتثال لقرارات «مجلس الدفاع الأعلى» و يُعدّ مخالفة أحكامه جريمة. كان على المأمورين الحكوميين أيضاً مهمة القبض على المخالفين لأحكام «مجلس الدفاع الأعلى» و تسليمهم للنظر وفق الظروف الحربية.⁠[11]كان تشكيل «هيئة الأعلام الحربی» من الإجراءات الأولية لـ «مجلس الدفاع الأعلى» لتغطية أخبار الجبهة و الحرب. من مهام «هيئة الأعلام الحربی» تنسيق السياسات الكلية للمعلومات و أخبار الحرب، تنظيم أخبار العمليات و الحرب، مراقبة عدم بث الأخبار التي تؤثر سلباً على روحية الشعب و المقاتلين أو تؤدي إلى استفادة استخباراتية للعدو.⁠[12]

في عام 1986م (1365هـ. ش)، مع زيادة مسؤوليات «مجلس الدفاع الأعلى» و الحاجة إلى الاهتمام الأدق بدعم الحرب، تشكل «مجلس الدعم الأعلى للحرب» بأمر من «الإمام الخميني». كان الهدف من تشكيل هذا المجلس إلى جانب «مجلس الدفاع الأعلى» التنسيق و الاهتمام بوضع دعم الجبهات و تأمين و تموين القوات.⁠[13]

أثرّت الحرب المفروضة أيضاً على هيكل و مهام الحكومة. فتشكلت «وزارة حرس الثورة» بهدف تنسيق أكبر لحرس الثورة مع الحكومة و المجلس و الدعم و التموين لحرس الثورة (المالي و التسليحي و غير ذلك)⁠[14] و تشكلت «هيئة مواجهة الهجمات الجوية» في رئاسة الوزراء و إجراءات مثل بناء   الملاجئ و غيرها،⁠[15] كرد فعل على الوضع الخاص لزمن الحرب في جسم الحكومة.

في القطاع القانوني كان تشكيل المحاكم العسكرية تحت «المنظمة القضائية للقوات المسلحة» عام 1985م (1364هـ. ش) و تشكيل «المحكمة الخاصة بالنظر في المخالفات الحربية» عام 1988م (1367هـ. ش) من أهم تأثيرات الحرب على النظام القضائي للبلاد. بعد تشكيل «المنظمة القضائية للقوات المسلحة» تشكلت وحدات هذه المنظمة في مراكز المحافظات و تولت مهمة النظر في مخالفات القوات المسلحة مع مراعاة الإجراءات الشكلية لقانون الإجراءات.

في الفترة النهائية من الحرب و مع طرح هذه المسألة من قبل القادة الكبار في الجيش و حرس الثورة، بأن الأحكام الصادرة من «المنظمة القضائية للقوات المسلحة» لا تتمتع برادع كافٍ و أن هذه المسألة تؤثر على مجرى الحرب و ظهور بعض الهزائم،⁠[16]كُلف حجة الإسلام و المسلمين «علي رازيني» (الشهيد) بأمر من «الإمام الخميني» بتشكيل «المحكمة الخاصة بالنظر في المخالفات الحربية» للنظر في جرائم المخالفين دون مراعاة اللوائح المعقدة.⁠[17]و بما أن تشكيل مثل هذه المحكمة لم يستند إلى أي من القوانين القائمة في البلاد، حصل المسؤولون القضائيون على حكم حكومي من «الإمام الخميني» لهذا الموضوع.⁠[18]

بعد نهاية الحرب المفروضة فقدت بعض المؤسسات المشكلة خلال الحرب مثل «هيئة الأعلام الحربی»، «مجلس الدعم الأعلى للحرب» و «المحكمة الخاصة بالنظر في المخالفات الحربية» وظيفتها و انحلت. و استمرت بعض هذه المؤسسات الأخرى في نشاطها بتغيير الهيكل أو الاندماج في مؤسسات أخرى. من ذلك نقل صلاحيات الحكومة في مجال التعزيرات الحكومية إلى «منظمة التعزيرات الحكومية»،⁠[19]اندماج «مجلس الدفاع الأعلى» في «مجلس الأمن القومي الأعلى»،⁠[20]اندماج «هيئة التعبئة الاقتصادية للبلاد» في وزارة التجارة و اندماج «مؤسسة شؤون مهاجري الحرب المفروضة» في وزارة الداخلية.⁠[21]


المصادر والمراجع

  • [1]. راعي گلوجه، سجاد، موسوعة مؤسسات الثورة الإسلامية، طهران، مركز وثائق الثورة الإسلامية، 2013م (1392هـ. ش)، ص 159– 161.
  • [2]. المصدر نفسه، ص 161.
  • [3]. هاشم زهي، نوروز و آخرون، «تبيين تاريخي نقش وزارت اقتصاد در جنگ هشت‌ ساله» (التوضيح التاريخي لدور وزارة الاقتصاد في الحرب الثماني سنوات)، فصلية «رهيافت‌ هاي نوين مديريت جهادي و حكمراني اسلامي» (المقاربات الحديثة للإدارة الجهادية و الحوكمة الإسلامية)، العدد 4، 2021م (1400هـ. ش.)، ص 107.
  • [4]. موسوي الخميني، سيد روح الله، صحيفة الإمام الخميني (ره)، مجلد 20، طهران، مؤسسة تنظيم و نشر آثار الإمام الخميني (ره)، 2000م (1379هـ. ش)، ص 262.
  • [5]. المادة 1من قانون مؤسسة شؤون ضحايا الحرب، المصادق عليه في 4 يونيو 1981م (14 خرداد 1360هـ. ش).
  • [6]. هاشم زهي، نوروز و آخرون، المصدر نفسه، ص 114.
  • [7]. المصدر نفسه، ص 110 و111.
  • [8]. المصدر نفسه، ص 111.
  • [9]. هاشمي نسلجي، سيد علي، موسوعة «الإمام الخميني»، مجلد 6، طهران، مؤسسة تنظيم و نشر آثار الإمام الخميني (ره)، 2021م (1400هـ. ش)، ص 490.
  • [10]. موسوي الخميني، سيد روح الله، المصدر نفسه، مجلد 13، ص 263 و 264.
  • [11]. المصدر نفسه.
  • [12]. قاسم پور، داود، (موسوعة مؤسسات الثورة الإسلامية)، طهران، مركز وثائق الثورة الإسلامية، 2013م (1392هـ. ش)، ص 162– 166.
  • [13]. ظريف منش، حسين و سيد أمين حجازي، «نقش شوراي عالي پشتيباني جنگ در دفاع مقدس» (دور مجلس الدعم الأعلى للحرب في الدفاع المقدس)، فصلية علمية «دراسات الدفاع المقدس و المعارك المعاصرة» لجامعة الضباط و تدريب حرس الإمام الحسين (ع)، العدد 7، 2022م (1401هـ. ش)، ص 123.
  • [14]. مجلة «پاسدار اسلام» (حارس الإسلام)، (في حديث وزير حرس الثورة المحترم الأخ «رفيق‌ دوست» حول تشكيل وزارة حرس الثورة و برامجها)، مجلة «پاسدار اسلام» (حارس الإسلام)، العدد 12، 1982م (1361هـ. ش)، ص 59.
  • [15]. موقع «همشهري أونلاين» الإخباري، «نظرة على جهود الحكومة للتدريبات العامة على الاحتماء و بناء الملاجئ في الهجمات الجوية»، hamshahrionline. ir/x8338.
  • [16]. موقع «جماران» الإخباري، «رازيني طرح: تفاصيل النظر في ملفات مخالفات الحرب بأمر الإمام، محاكمة المنافقين في عملية «مرصاد»، رأي الإمام و «الشهيد بهشتي» في خلخالي و..».، https://www.jamaran.news/fa/tiny/news-1217789.
  • [17]. المصدر نفسه.
  • [18]. المصدر نفسه.
  • [19]. موسوي الخميني، سيد روح الله، المصدر نفسه، ج 21، ص 118.
  • [20]. المادة 176 من الدستور للجمهورية الإسلامية الإيرانية، المصادق عليه في 28 يوليو 1989م (6 مرداد 1368هـ. ش).
  • [21]. راعي گلوجه، سجاد، المصدر نفسه، ص 161 و162.

إكمال أو تعديل أو الإبلاغ عن خطأ