الإمداد

الإمداد هو جميع المواد الخام و المصنَّعة التي تُوضع تحت تصرّف المستهلكين (الوحدات) من أجل تجهيز و صيانة و استمرار العمليات القتالية و الإدارية؛ مثل المؤن، الملابس، العتاد، الوقود و اللوازم المتفرقة. كما يُطلق مصطلح الإمداد على عملية إعداد هذه المواد و توزيعها و حفظها و إعادة تدويرها. فعلى سبيل المثال، يعني إمداد الماء جميع الإجراءات التي تضمن توزيع الماء الكافي للوحدات في مختلف أوضاع القتال، مع مراعاة قواعد الصحة.

يشمل نشاط نظام الإمداد مجموعة واسعة من المهام تمتدّ من تحديد الاحتياجات على المستوى الوطني إلى تسليم المواد للمستهلك في ساحة القتال. تعتمد كفاءة و فاعلية هذا النظام على خمسة مبادئ لوجستية: التنبؤ، التكامل، سرعة الأداء، الاستمرار و التأمين الفوري و الارتجالي.

لأجل تسهيل عمل نظام الإمداد، قُسِّمت مواد الإمداد إلى عشر فئات رئيسة: الحصص الغذائية و أعلاف الدواب؛ المواد الثانوية المدرجة في جداول التنظيم، مثل الملابس، التجهيزات الفردية، الخيام، المعدات الإدارية و المعيشية. المواد النفطية؛ مواد البناء؛ الذخائر؛ اللوازم الشخصية؛ المعدات الرئيسة؛ مثل الدبابات، قاذفات الصواريخ و المركبات. المواد الطبية؛ قطع الغيار؛ المواد المرتبطة بالبرامج المدنية، مثل التنمية الزراعية. كما تشمل الإمدادات المتفرقة موادَّ أخرى، مثل المياه و الخرائط و المواد المسترجعة.

قد سجّل غياب نظام إمداد فعّال و عجزه عن توفير التموين المحلي إحدى أفدح الهزائم في التاريخ باسم «نابليون بونابرت». ففي سنة 1812م، تمركز الجيش الكبير الفرنسي، بهدف إخضاع القيصر «ألكسندر الأول» إمبراطور روسيا على حدود هذا البلد بأكثر من خمسمئة ألف جندي. لكن هذا الجيش، المعتاد على القتال في مناطق أوروبا الوسطى و الجنوبية الخصبة و المأهولة، وجد نفسه فجأة أمام واقع جديد.

  فقد أدّى التقدّم السريع للقوات الفرنسية داخل «روسيا» إلى امتداد خطوط الإمداد بشكل مفرط، بينما كانت عربات التموين تتحرك بصعوبة في الطرق الوعرة و الأراضي الموحلة و تتعرّض باستمرار لهجمات القوزاق. كما أنّ المناطق قليلة السكان على طول خطّ التقدّم لم تكن قادرة على توفير احتياجات الجيش الضخم و أدّت الأراضي الروسية القليلة الخصوبة و المُجدبة و البرودة القاسية و نقص مياه الشرب إلى سقوط أعداد كبيرة من الجنود بسبب الجوع و المرض.

من جهة أخرى، اعتمد الجيش الروسي استراتيجية الأرض المحروقة؛ فكان يتراجع باستمرار و يدمّر المحاصيل و  مرافق الدعم في طريقه، ليمنع العدو من الاستفادة منها و عندما وصل «نابليون» إلى «موسكو»، وجدها مدينة مدمّرة و خالية من السكان. كما أدّى انتشار أمراض مثل «التيفوس» و «الزحار» في صفوف الجيش الفرنسي إلى اضطرار «بونابرت» للعودة. فخرج جيشه المنهك و المريض من الأراضي الروسية و قد هلك منهم أربعمئة ألف جندي.

كان الإمداد خلال حرب «إيران» و «العراق» موضوعًا بالغ الأهمية و التأثير بالنسبة إلى كلا طرفي الحرب. فالعراق، نظرًا لكونه قد خطّط منذ مدة طويلة لشنّ الهجوم على «إيران» كان قد جهّز نفسه في جميع المجالات الإمدادیة و خزّن المواد الإمدادية اللازمة بكميات كافية. لكن خلافًا لحسابات القادة العراقيين، توقّف الجيش العراقي في السنة الأولى من الحرب عن مواصلة التقدّم بعد دخوله الأراضي الإيرانية و في السنتين الثانية و الثالثة و بفعل سلسلة العمليات الناجحة للقوات الإيرانية، فقد إلى جانب خسائره البشرية الثقيل، الجزء الأكبر من مواده الإمدادية، من مختلف أنواع التجهيزات الخفيفة و الثقيلة.

منذ السنة الثالثة للحرب، أدّى قلق الدول الغربية و الشرقية و لاسيما دول المنطقة من الانتصار الوشيك لإيران إلى تدفّق موجة كبيرة من المساعدات العسكرية إلى العراق، إضافة إلى الدعم المالي. فقد سلّمت «مصر» إلى العراق جميع الأسلحة و التجهيزات الشرقية المتبقية في جيشها و استبدلت بها الأسلحة الغربية. كما وصلت مساعدات أخرى من «تركيا»، «الأردن»، «دول الخليج»، «الدول الشرقية» و غيرها.

منذ السنة الثالثة للحرب، كانت أنواع الأسلحة و التجهيزات المصرية، الصينية، الروسية، البرازيلية، الأردنية، الألمانية و الفرنسية تقع في أيدي المقاتلين الإيرانيين. قد استمر هذا الدعم العالمي للعراق حتى نهاية الحرب و تزايد تنظيمه يومًا بعد يوم و لم يعانِ العراق في أي وقت من نقص في المواد الإمدادية. أمّا في إيران، فكان الوضع على العكس تمامًا. فجمهورية إيران الإسلامية لم تكن تملك أي خطة لمهاجمة دولة أخرى كي تستعدّ أو تتجهّز مسبقًا و فوق ذلك، فإن انتصار الثورة الإسلامية و سقوط نظام «بهلوی» أدّيا إلى تعطّل جزء كبير من المصانع و المراكز الصناعية و الإنتاجية بسبب فرار العناصر المرتبطة بالنظام السابق.

من جهة أخرى، فقد الجيش الإيراني نتيجة خروج المستشارين الأميركيين و عزل أو فرار قادته الرئيسيين، جاهزيته العسكرية. في ظل هذا الوضع، اندلعت الحرب و نهض الجيش و القوات الشعبية لمواجهة العراق. كان حرس الثورة الإسلامية بوصفه مؤسسة ناشئة بعد انتصار الثورة و لا يمتلك أي أسلحة أو تجهيزات عسكرية رئيسة؛ لكن بدخوله الساحة العسكرية و مع تأمين الأسلحة الخفيفة و اغتنام المعدات من الجيش العراقي في عدة عمليات كبرى و بدعم الحكومة و الشعب، تمكّن من الحصول على مختلف أنواع المواد الإمدادية.

مع استمرار الحرب و لاسيما بعد الانتصارات الكبرى للمقاتلين الإيرانيين، اشتدّت العقوبات الاقتصادية و التسليحية ضدّ جمهورية إيران الإسلامية، حتى أصبح مع مرور الوقت، تأمين المواد و التجهيزات و الأسلحة أمرًا شبه مستحيل. في حين كانت جميع الدول الغربية و الشرقية و العربية تجهّز العراق تجهيزًا كاملًا من الناحية العسكرية. كانت القوات المسلحة الإيرانية تؤمّن جميع احتياجاتها اللوجستية و الإمدادية عبر الإنتاج المحلي أو الدعم الشعبي أو غنائم الجيش العراقي.⁠[1]


المصادر والمراجع

  • [1]. تلخیص من موسوعة الدفاع المقدس، مجلد 1، طهران، مركز موسوعة معهد علوم و معارف الدفاع المقدس،2011م (1390هـ. ش)، ص230ـ228.

إكمال أو تعديل أو الإبلاغ عن خطأ