سهل عباس
يُعدّ «دشت عباس»(سهل عباس) من أهمّ القواعد في المحور الشمالي خلال عملية «فتحالمبين».وفقًا للتقسيمات الإدارية، يُعدّ «دشت عباس» تابعًا لـ ناحية «موسيان» في قضاء «دهلران» بمحافظة «إيلام» و يقع عند الحدّ الفاصل بين محافظتَي «إيلام» و «خوزستان» و لذلك يمكن اعتباره بوّابة «خوزستان».[1]
على بُعد أحد عشر كيلومترًا من «دشت عباس» تقع بقعة مباركة يستمدّ السهل هويته منها.هذه البقعة تُنسب إلى «عباس بن فضل بن حسن بن عبيدالله بن عباس بن علي بن أبيطالب عليهالسلام» و لذلك سُمّي المكان «دشت عباس. يقع مرقد «الإمامزاده عباس» في مركز السهل و تمتدّ أراضي «دشت عباس» لعدّة كيلومترات بعد المرقد.
يمرّ طريق «أنديمشك – دهلران» الإسفلتي عبر «دشت عباس»، و هو أحد الطرق الخمسة الحيوية في «خوزستان» كان المسار الرئيسي لتحرّك قوات حرس «دزفول» للسيطرة على الحدود و التصدّي لتحركات جماعة «خلق عرب» المناوئة في «خوزستان».[2]
يحدّ «دشت عباس» من الشمال السفوح الجنوبية لـ«كبيركوه»، من الشرق مرتفعات «دهليز» و «عليگرهزد»، من الجنوب مرتفعات «تينة» و من الغرب جزء آخر من مرتفعات «تينة» و كذلك منطقة «عينخوش».[3]
مناخ «دشت عباس» في الصيف حار و جاف مع رياح مغبرّة تهبّ عادةً من الغرب إلى الشرق و في الشتاء يكون الجو معتدلًا و صافيًا و من دون رياح.تتميّز أرض «دشت عباس»، خلافًا لمحيطها الجبلي و التلالي، بأنها أرض رخوة و صالحة للزراعة.كما تُعدّ المنطقة مقرّ قشلاق للقبائل الرحّل التي تنزل إليها شتاءً من المناطق الشمالية.تمنح الأرض المسطّحة و قليلة العوارض لهذا السهل، قدرة عالية على المناورة للوحدات المدرّعة.[4]
من خلال السيطرة على المرتفعات الشمالية و الشرقية و الغربية لـ«دشت عباس»، يمكن رصد كامل منطقة غرب «دزفول.»كما تُعدّ المرتفعات الشمالية ل«دشت عباس»(كبيركوه)عوائق طبيعية ممتازة لمواجهة العدو.[5]مع بدء الحرب المفروضة، خُصّصت ستّ فرق من جيش النظام البعثي للهجوم على «خوزستان».كان من أهمّ أهداف الجيش العراقي[6]لتحقيق السيطرة الكاملة على «خوزستان»، احتلال الأرض الواسعة الواقعة غرب نهر «كرخه» في منطقتَي «شوش» و «دزفول».[7]
بسبب اتساع الأرض و عمق الأهداف، دخلت قوات العدو هذا المحور من محورَي «فكّه – شوش» و «شرهاني – پل نادري»، و بعد عبور المخافر الحدودية، توغّلت داخل الأراضي الإيرانية.في منطقة «شرهاني»، قامت الفرقة 10 المدرّعة للجيش العراقي بعد تجاوز نهر «دويرج» باحتلال «عينخوش»، ثم تقدّمت عبر «دشت عباس» باتجاه نهر «كرخه» و «پل نادري»(جسر نادري».[8]
مع سقوط المخافر في المنطقة، سقط معسكر«عينخوش» بيد العدو، ثم تقدّمت القوات المهاجمة نحو مرقد «الإمامزاده عباس» و «دشت عباس»، فأصبح «دشت عباس» منذ 27 سبتمبر 1980(5 مهر 1359هـ.ش) تحت احتلال كامل لقوات العدو و تحول إلى ميدان تحرك لعناصر اللواء 42 المدرّع.[9]
في 4 نوفمبر 1981(13 آبان 1360هـ.ش)، شُكّلت لجنة بحضور قادة و مخططي الجيش في مقرّ الفرقة 21 (سبزآب دزفول) و أدّى ذلك إلى إنشاء مقرّ تكتيكي في منطقتَي «دشت عباس» و «عينخوش» و كان هذا الإجراء بداية تشكيل مقرّ «قدس».[10]كان تحرير «دشت عباس» من المهام الموكلة إلى مقرّ «قدس».
في الواقع، كان لهذا المقرّ هدفان عملياتيان رئيسيان: تحرير مناطق «عينخوش»، «دشت عباس»، تلة 202، و قطع طريق «أبوغريب» الاستراتيجي من جهة و منع دخول العدو من الجنوب الشرقي إلى منطقة «دشت عباس» من جهة أخرى.[11]
في 9 نوفمبر 1981(18 آبان 1360 هـ.ش)، عُقد اجتماع في مقرّ المتقدّم لقیادة القوات البریة للجیش (النزاجا) و أُعلن أنّ سلسلة العمليات التي ستُنفّذ لتحرير «خوزستان» ستحمل اسم «كربلا».في التخطيط لعملية «كربلا 2» أُطلق عليها اسم «فتحالمبين» و نُفّذت في 10 نوفمبر 1981(19 آبان 1360هـ.ش).[12]
مع إبلاغ الخطة الأولية لعملية كربلا 2(فتحالمبين) في 3 فبرایر1982(14 بهمن 1360هـ.ش)، استعدّ اللواء 2 المدرّع «دزفول» المعروف باسم لواء «مازسوار» للتحرك بعد قطع مسافة تزيد على 300 كيلومتر نحو شمال «دشت عباس» إلى منطقة تُسمّى «لَزَه» التي كانت قد خضعت للاستطلاع مسبقًا و ذلك للتمركز هناك.[13]
في معركة «فتحالمبين» التي كانت منعطفًا مهمًا في تاريخ الدفاع المقدّس، تمّ تحرير مناطق «دشت عباس»، طريق «دهلران – دشت عباس»، مرتفعات «عينخوش» و «برقازه»، كما خرجت مدن «شوش» و «دزفول» و «أنديمشك» من مدى مدفعية العدو.[14]
في النصف الثاني من فبراير 1982م(بهمن 1360)، بدأت قواعد مختلفة تحت قيادة الحرس الثوري العمل في مناطق «دشت عباس»، «دهليز»، «بلتا» و نقاط أخرى لمواجهة قوات العدو.كان قائد محور «دشت عباس» هو «عبدالله أحمدي».ربما كانت أهمّ مهمة لهذه القاعدة هي الاستطلاع الدقيق لمواضع العدو و تحركاته في المنطقة الممتدة من غرب تلال «بلتا» حتى محيط «عينخوش».و تأتي أهمية هذا الاستطلاع الدقيق من أمرين:
أولًا، أنّ «دشت عباس» كان من المقرر أن يكون منطقة التحام بين مقرّ «قدس» و مقرّ «نصر» و ثانيًا، أنّ «دشت عباس» كان من القليل من الأراضي التي لا تحتوي على عوارض طبيعية و المرتفعات و المنخفضات، مما يجعلها مهيّأة لمناورة الدبابات و الآليات المدرّعة.
من أهمّ العمليات التي نُفّذت في منطقة «دشت عباس» يمكن الإشارة إلى ما يلي:
عملية «محرّم» التي جرت بين 1–11 نوفمبر1982(10 و 20 آبان 1361)، في الجبهة الجنوبية «عينخوش» –«زبيدات» بهدف السيطرة على رأس جسر في منطقة «العمارة» و تحرير المرتفعات الحدودية، و تم خلالها تحرير 500 كيلومتر مربع من الأراضي المحتلّة.
عملية «والفجر المقدّماتي» بين 6–10 فبراير1983(17 -21 بهمن 1361ه.ش) في الجبهة الجنوبية و شمال «چزابه» بهدف التقدّم نحو «العمارة» و تهديدها من الشرق، لكنها انتهت من دون نتيجة.
- عملية «والفجر 1» بين10–17 أبريل 1983(21 -28 فروردين 1362) في الجبهة الجنوبية جبل «نوقي» بهدف التقدّم نحو «العمارة» و قد أدّت إلى اختراق خطوط دفاع العدو، لكن بسبب عدم التحام الوحدات لم يتم تثبيت المنطقة المحرّرة.
من بين القوات المتمركزة في «دشت عباس» إضافةً إلى حرس «دزفول» كانت هناك مجموعة خاصة بقيادة الفريق الشهيد «حسن آبشناسان» و كانت تنفّذ عمليات حرب عصابات.كما تمركز اللواء 84 مشاة «خرمآباد» بعد تثبيت العدو غرب «كرخه» في المرتفعات الشمالية لمنطقتي «دشت عباس» و «عينخوش».من الأساليب التي استخدمتها قوات الاستطلاع مرارًا في «دشت عباس» التنصّت، والذي كان يتمّ بمساعدة العرب المحليين.[15]
لكن أحد أهمّ عناصر حرس «دزفول» في مجال الاستطلاع و العمليات كان الشهيد «توكل قلاوند».كان «قلاوند» ابن الجبال و كان يستطيع العمل بسهولة في المناطق الجبلية.
غالبًا ما كان يعمل ليلًا و يحمل المنظار و المعدات اللازمة و يتوغّل حتى عمق قوات العدو لجمع المعلومات حول الأفراد و عدد الآليات العسكرية و مواقع تمركزها.لهذا السبب اشتهر بلقب «الأواكس» في «دشت عباس».[16]
في السبت 27 مارس 1982(7 فروردين 1361هـ.ش)، دخلت إلى المنطقة بهدف تحرير «دشت عباس» كلٌّ من:مقرّ «نصر» بقيادة «حسن باقري»، مقرّ عمليات «قدس»، «اللواء 14الإمام الحسين»، «اللواء 84 «خرمآباد» التابع للجيش و كذلك كتائب «أبوذر غفاري»، «مسلم بن عقيل» و «حمزة سيدالشهدا» التابعة للواء 27.[17] و بذلك، و مع حضور المقاتلين الأبطال، تمّ تحرير المنطقة بعد ثمانية عشر شهرًا.[18]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منابع و ارجاعات:
- [1] رحیمی، مصطفی، دشت عباس: قطعهای از آسمان(دشت عباس: قطعة من السماء)، طهران، المنظمة الفنیة و أدب الدفاع المقدس، 2014م(1393هـ.ش)، ص12 و40.
- [2] رحیمی، مصطفی، المصدر نفسه، ص13–17.
- [3] المصدر نفسه، ص14.
- [4] المصدر نفسه، ص14–16.
- [5] المصدر نفسه، ص16؛ شاهان، محسن، عملیات فتحالمبین، قرارگاه قدس(عملیة فتح المبین، مقرّ قدس)، طهران، دارالنشر: إیران سبز، 2002م(1381 هـ.ش)، ص89.
- [6] رحیمی، مصطفی، المصدر نفسه، ص19.
- [7] حبیبی، ابوالقاسم، اطلس خوزستان در جنگ ایران و عراق(أطلس خوزستان في الحرب الإیرانیة‑العراقیة)، طهران، مركز الوثائق و بحوث الدفاع المقدس، 2014م(1393هـ.ش)، ص60.
- [8] المصدر نفسه، ص60.
- [9] رشید، محسن، اطلس راهنما 3: ایلام در جنگ (أطلس الدلیل 3: إیلام في الحرب)، طهران،مركز دراسات و بحوث الحرب للحرس الثوري، 2001م(1380هـ.ش)، ص60؛ رحیمی، مصطفی، المصدر نفسه، ص33.
- [10] شاهان، محسن، المصدر نفسه، ص30 و34 .
- [11] المصدر نفسه، ص57؛ حبیبی، ابوالقاسم،(أطلس الدلیل 8: «دزفول»، «شوش»، «أندیمشك» في الحرب)، طهران: مركز دراسات و بحوث الحرب للحرس الثوري، 2006 (1385 هـ.ش)، ص103.
- [12] شاهان، محسن، المصدر نفسه، ص17–19.
- [13] المصدر نفسه، ص154
- [14] نصراصفهانی، محمدرضا، تپههای تجلی (تلال التجلي)، اصفهان: فرقة الإمام الحسین 14، 1999م(1378هـ.ش)، ص94؛ حبیبی، ابوالقاسم، المصدر نفسه، ص110.
- [15] رحیمی، مصطفی، المصدر نفسه، ص40، 47، 53 و 59.
- [16] بذرافکن، حسین، مثل ستاره: خاطراتی از سردار شهید توکل قلاوند (مثل النجمة: ذكریات عن القائد الشهید «توكل قلاوند»)، اهواز،دارالنشر:معتبر، 2013م(1392هـ.ش)، ص78؛ رحیمی، مصطفی، المصدر نفسه، ص58.
- [17] رحیمی، مصطفی، المصدر نفسه، ص108–110.
- [18] المصدر نفسه، ص111.