العمليات

عملية والفجر 4

إعداد: ليلا حيدري باطني نقله إلى العربية: سيد محمود عربي
16 Views

نُفذت عملية 'والفجر 4' في أكتوبر 1983 ضمن قطاع كردستان غربي إيران وقاطع 'بنجوين' وشمال السليمانية داخل الأراضي العراقية. استهدفت العملية السيطرة على وادي 'شیلر' وحامية 'بنجوين' العسكرية، بهدف قطع خطوط إمداد وتسلل العناصر المعادية.
وفي مايو 1983، توصلت القيادة العسكرية الإيرانية إلى قناعة استراتيجية مفادها أن المحاور العملياتية في 'شلمجة' و'مخفر زيد' (شرق البصرة) و'فكة'—والتي كانت تُعد ممرات الوصول الرئيسية نحو مدينة البصرة—قد أصبحت محاور مغلقة استعصى اختراقها دون تكبد خسائر فادحة في الأرواح والمعدات. وبناءً عليه، تقرر تحويل جهد العمليات نحو المناطق الجبلية.[1]

وخلال ربيع 1983، تم إقرار مخططات عمليتي 'والفجر 3 و4'. وبعد النجاح التعرضي لعملية 'والفجر 3' في أغسطس التي أدت لتحرير 'مهران'، أُسندت مهمة 'والفجر 4' في منطقة 'فوهة شیلر' الحدودية إلى مقر حمزة سيد الشهداء في أرومية، بقيادة مشتركة من 'عليرضا رضائيان' من الحرس الثوري والعقيد 'أمير بيجي' من الجيش. ورداً على هذه التحركات، صعد الجيش العراقي من قصفه الجوي والمدفعي على مدينتي 'بانه' و'مريوان' لعرقلة التشدد الإيراني.[2]

شمل مسرح عمليات 'والفجر 4' النطاق الواقع بين مدن مريوان وسردشت وبانه. وبرز 'سهل شيلر' بنتوئه الجغرافي العميق ومرتفعاته الحاكمة مثل 'كاني مانغا'، 'سورن'، 'سوركوه'، وثكنة ومدينة بنجوين العراقية، كواحد من أهم النقاط الاستراتيجية في هذا القاطع.[3]

تمثلت الغاية من العملية في الربط بين الخطوط الدفاعية الممتدة من مرتفعات 'سوركوه' إلى 'سورن'، وتعديل خط الحدود،[4] وتحرير مرتفعات 'قوتش سلطان' غرب مريوان. وكان من شأن نجاح المهمة تقليص طول الخط الدفاعي في منطقة 'سهل شيلر' مما يؤدي إلى توفير القوى البشرية، علاوة على قطع طرق تسلل العناصر المعادية للثورة وإخراج مدينة مريوان من مدى نيران العدو. كما شملت الخطط السيطرة على مدينة وثكنات بنجوين و'كرمك'، تمهيداً للعمليات المستقبلية في محافظة السليمانية.[5] ومن الأهداف الإضافية أيضاً، السيطرة على مرتفعات 'لري'، 'كنكرك'، 'مارو'، 'خلوزة 1 و2'، 'براله'، و'سربراله' داخل الأراضي العراقية.

تألف الهيكل القتالي لعملية 'والفجر 4' من أربعة مقار تكتيكية؛ حيث خُصص 'المقر التكتيكي حمزة 1' (يضم فرقة من حرس الثورة ولواءً من فرقة 21 التابعة للجيش) للسيطرة على مرتفعات بنجوين في محور مريوان. وحُددت مهام 'المقر التكتيكي حمزة 2' (يضم لواءً من حرس الثورة ولواءً من فرقة 28 التابعة للجيش) للسيطرة على مرتفعات مارو، وبراله، وسربراله في محور مريوان. أما 'المقر التكتيكي حمزة 3' (يضم فرقتين من حرس الثورة ولواءً من فرقة 28 التابعة للجيش)، فقد كُلف في المرحلة الأولى بالسيطرة على مرتفعات لزي، وكنكرك، وكرمك في محور بانه، وفي المرحلة الثانية بالسيطرة على مرتفعات كاني مانغا. كما وُضع 'المقر التكتيكي حمزة 4' (يضم فرقة من حرس الثورة ولواءً من فرقة 28 التابعة للجيش) درعاً احتياطياً يُدفع به وفقاً لمقتضيات الميدان.

نُفذت عملية 'والفجر 4' عبر أربع مراحل ومحورين أساسيين؛ حيث انطلقت المرحلة الأولى بقيادة 'المقر المركزي حمزة سيد الشهداء' تحت نداء 'يا الله، يا الله، يا الله' في تمام الساعة 24:00 من ليلة 19 أكتوبر 1983.

في محور بانه، تمكنت فرقة 'نجف 8' بالتعاون مع فرقة 'عاشوراء 31' ولواء 2 من فرقة 28 كردستان من السيطرة على مرتفعات 'لري' و'كرمك' و'كنكرك' الاستراتيجية. كما واصلت قوات 'المقر التكتيكي حمزة 3' زحفها جنوباً لتسيطر على مرتفع 'شيخ حسن' ومقر اللواء 428 العراقي، حيث نجحت في أسر معاون آمر اللواء.

أما في محور مريوان، فقد بدأت فرقة 'قمر بني هاشم 44' ولواء 3 من فرقة 21 حمزة عملياتها لاستعادة مرتفعات 'مارو' و'براله' و'خلوزة'، إلا أنها لم توفق إلا في تطهير مرتفع 'خلوزة'. وفي غضون ذلك، أحكمت قوات 'المقر التكتيكي حمزة 2' قبضتها على القمة الرئيسية لمرتفع 'هفت توانان' وأحد تلال 'خلوزة 2'.

وفي الليلة الثانية للعملية بمحور مريوان، نجحت فرق 'الإمام الحسين 14' و'كربلاء 25' ولواء 1 من فرقة 28 كردستان في السيطرة على مرتفعات 'سه درختی' و'تخم مرغي' و'هرگنه'، بالإضافة إلى مرتفع 'زله' الاستراتيجي بمناطق (سنگ معدن وكله قندي). تكمن أهمية هذه المرتفعات في إشرافها الكامل على مدينة بنجوين العراقية، ووقوع طريق 'بنجوين-نالباريز' ومضيق 'روكان' تحت مداها الناري. كما كُلف 'مقر حمزة 4 التكتيكي' بتأمين ما تبقى من مرتفعات 'براله' و'خلوزة 2' وإتمام عملية الالتحاق بالجناح الأيمن لفرقة 'نجف 8'.

أقرت القيادة العراقية بالهزيمة في هذه القطاعات، ورغم تنفيذها هجوماً مضاداً عنيفاً، إلا أنها منيت بالفشل وتكبدت خسائر بشرية كبيرة بالإضافة إلى وقوع العديد من أفرادها في الأسر. وفي اليوم الثالث للعملية (22 أكتوبر 1983)، تلقت 'فرقة الإمام الحسين 14' أوامر بالسيطرة على مرتفعات 'زله' و'سيد مصطفى'، غير أن معوقات ميدانية اضطرت القوات للانسحاب.

وفي الليلة الرابعة، باشرت وحدات 'مقر حمزة 2 التكتيكي' تطهير المناطق الواقعة بين محوري بانه ومريوان. وبإتمام عملية الالتحاق بين المحورين، أُعلن ختام المرحلة الأولى من العمليات، بالرغم من بقاء مرتفعات 'خلوزة 2' وضواحي بنجوين تحت الاحتلال العراقي.

وفقاً لخطط القادة، تقرر استكمال الأهداف غير المحققة للمرحلة الأولى خلال المرحلة الثانية. وفي هذا السياق، نجحت فرقة 'عاشوراء 31' في قاطع بانه من تدمير كتيبتين عراقيتين والسيطرة على مرتفعات 'خلوزة' و'كلو'. كما تمكنت فرقة 'نجف 8' بمؤازرة وحدات من 'عاشوراء 31' من التقدم جنوب مرتفعات 'كنكرك' و'كرمك'. وفي محور مريوان، استطاعت فرقتا 'الإمام الحسين 14' و'ثار الله 41' تدمير 8 دبابات معادية والسيطرة على نتوء 'سيد مصطفى' وأجزاء من مرتفع 'منجم المعادن' وقمته الرئيسية، إلا أن قوات العدو استعادت السيطرة عليها لاحقاً.

وبحلول 24 أكتوبر 1983، حققت الفرق '31' و'41' و'14' الأهداف المخطط لها، وقامت بإنشاء ساتر ترابي يمتد من منطقة 'كنكرك' بمحور بانه وصولاً إلى منطقتي 'كلو' و'ولياوه' بمحور مريوان. وفي 26 أكتوبر، وبعد معارك ضارية، تم تحرير المرتفعات الاستراتيجية 1470 و1530 غرباً، وجنوب مرتفع 'هرگنه' شمال شرق بنجوين. يُذكر أن مدينة بنجوين كانت قد تحولت إلى ثكنة عسكرية خالية من السكان، وعمد الجيش العراقي إلى تدمير أجزاء واسعة منها بعد علمه بانطلاق العمليات لمنع وقوعها بيد القوات الإيرانية.[6] وفي خضم هذه المواجهات، ارتقى علي رضائيان، قائد مقر 'حمزة سيد الشهداء' شهيداً في 25 أكتوبر.[7]

صدرت الأوامر صبيحة يوم 3 نوفمبر 1983 لبدء المرحلة الثالثة من عملية 'والفجر 4'، بهدف السيطرة على مرتفعات 'كاني مانغا' وتطهير قطاع من الطريق الغربي المحاذي لها. استهلت فرقة 'عاشوراء 31' الهجوم بالسيطرة على جزء من مرتفع 'شيخ كزنشين'. من جهتها، نجحت فرقة 'محمد رسول الله 27' في اقتحام المرتفعات 1866 و'شاخ تارشر' والقمم الحاكمة 1904 و1900، إلا أن هذه المواقع شهدت معارك تبادلية عنيفة أدت في نهاية المطاف إلى إعادة احتلالها من قبل الجيش العراقي. وبرغم ذلك، حققت القوات الإيرانية معظم أهدافها بحلول 4 نوفمبر؛ حيث أتمت فرقة 'الإمام الحسين 14' مهمتها بتطهير المرتفع الغربي لـ 'شيخ كزنشين' وتدمير مقر قيادة معادٍ. وفي الساعات اللاحقة، بلغت فرقة '27' أهدافها الميدانية، بينما قامت فرقة 'علي بن أبي طالب 17' بتطهير طريق غرب 'كاني مانغا'. وقد أدت هذه السيطرة إلى تأمين تقدم القوات جنوب طريق 'شيخ كزنشين' وحل معضلات الإمداد والتموين.

وفي 5 نوفمبر، كثف الجيش العراقي هجماته ضد مواقع فرقة '27' لاستعادة القمتين 1904 و1900، ونجح بعد قتال استمر ثماني ساعات في احتلالهما مجدداً. وإثر ذلك، كُلفت فرقة '17' بالتقدم عبر الطريق الغربي لـ 'كاني مانغا' للسيطرة على بعض النتوءات الغربية للمرتفع، لكنها واجهت هجوماً مضاداً عنيفاً أجبرها على الانسحاب، وبذلك أُعلن عن اختتام المرحلة الثالثة من عملية 'والفجر 4.[8]

انطلقت المرحلة الرابعة والأخيرة من عملية 'والفجر 4' في تمام الساعة 21:30 من ليلة 19 نوفمبر 1983. وُضعت ضمن مهام 'مقر حمزة 1 التكتيكي' السيطرة على مرتفعات 'كاني مانغا' وأكتافها الشرقية والغربية، ونتوءين غربييْن لمرتفع 'شاخ تارشر'، ومضيق 'روكان'، ومرتفع 'منجم المعادن'، بالإضافة إلى التقدم غرب 'كاني مانغا' وصولاً إلى منطقة 'كلز'. وخلال الفترة الفاصلة بين المرحلتين الثالثة والرابعة، قام الجيش العراقي بسحب وحداته المتضررة وزج بقطعات جديدة في الميدان؛ مما أدى لتعثر التقدم الإيراني نتيجة يقظة العدو. ورغم السيطرة الأولية على المرتفعات، إلا أن الكثافة النارية المعادية والدفع بتعزيزات مشاة كبيرة حال دون تثبيت المواقع.

وعزا القادة الميدانيون هذا الإخفاق الجزئي إلى تفتيت الأهداف بين وحدات متعددة، وعدم دقة الخطط، وغياب التنسيق البيني، فضلاً عن ضيق وقت الاستطلاع وتكرار الخطط التكتيكية. ونظراً للمقاومة العراقية المستميتة للحفاظ على المرتفعات الاستراتيجية وحلول فصل الشتاء، أُعلن ختام العمليات في 21 نوفمبر 1983.[9] كما سُجل استخدام الجيش العراقي للأسلحة الكيماوية؛ حيث أطلق نحو 20 قذيفة مدفعية كيماوية على قاطع العمليات، وقصف عدة قرى تابعة لمدينة 'بانه' بالغازات السامة.[10]

وبالرغم من بقاء قمم 'كاني مانغا' تحت الاحتلال، إلا أن العملية حققت منجزات هامة شملت: تحرير نحو 1000 كم² من الأراضي، واستعادة مرتفع 'قوتش سلطان'، وربط مرتفعات 'سورن' بـ 'سوركوه'، والسيطرة على مساحات شاسعة من وادي 'شيلر'، وإغلاق ممرات تسلل العناصر المعادية للثورة، والإشراف الناري على مدينة بنجوين وعدة قرى عراقية.[11]

واستكمالاً لسلسلة عمليات "والفجر"، نُفذت عملية "والفجر 5" في 16 فبراير 1984 بمحور جنكوله الواقع في محافظة إيلام.[12]

 

[1]كاظمي، أصغر. بمُو. طهران: حوزه هنري، 2000، ص 652؛ نعمتي، يعقوب؛ وكريمي، حجة الله؛ وأكبر بور، محمد جواد. روزشمار جنگ ایران و عراق کتاب بیست‌وهفتم: آماده‌سازی عملیات والفجر 4(يوميات الحرب الإيرانية العراقية، الكتاب السابع والعشرون: التحضير لعملية والفجر 4.) طهران: مرکز اسناد و تحقیقات دفاع مقدس (مركز وثائق وبحوث الدفاع المقدس)، 2015، ص 22.

[2] نعمتي، يعقوب (وآخرون). يوميات الحرب الإيرانية العراقية، الكتاب السابع والعشرون، ص 22؛ رشيد، محسن. اطلس جنگ ایران و عراق (أطلس الحرب الإيرانية العراقية). طهران: مرکز مطالعات و تحقیقات جنگ سپاه پاسداران انقلاب اسلامی (مركز الدراسات والبحوث الحربية التابع لحرس الثورة الإسلامية)، الطبعة الأولى، 2000، ص 59.

[3] سميعي، علي. کارنامه توصیفی عملیات‌های هشت سال دفاع مقدس (السجل الوصفي لعمليات ثماني سنوات من الدفاع المقدس). طهران: معاونت تبلیغات و انتشارات نمایندگی ولی فقیه نیروی زمینی (معاونية الدعاية والنشر بمكتب ممثل الولي الفقيه في القوة البرية)، 1997، ص 144.

[4] نعمتي، يعقوب (وآخرون). يوميات الحرب الإيرانية العراقية، الكتاب السابع والعشرون، ص 21.

[5] أردستاني، حسين. تجزیه و تحلیل جنگ ایران و عراق، ج3: تنبیه متجاوز (تحليل الحرب الإيرانية العراقية، المجلد الثالث: معاقبة المعتدي). طهران: مركز الدراسات والبحوث الحربية، 2000، ص 58.

[6] لطف الله زادكان، علي رضا؛ وهمتي، إيرج. يوميات الحرب الإيرانية العراقية، الكتاب الثامن والعشرون: أول عملية كبرى في الشمال الغربي "والفجر 4". طهران: مركز وثائق وبحوث الدفاع المقدس، 2017، ص 22-26.

[7] المصدر نفسه، ص 309.

[8] المصدر نفسه، ص 26-29.

[9] المصدر نفسه، ص 765.

[10] المصدر نفسه، ص 33 و30-32.

[11] رشيد، محسن. أطلس الحرب الإيرانية العراقية، ص 90.

[12] گذری بر حماسه والفجر 5(إطلالة على ملحمة والفجر 5). طهران: سپاه پاسداران انقلاب اسلامی منطقه شمال‌غرب (حرس الثورة الإسلامية - منطقة الشمال الغربي)، 1984، ص 13 و27.