الأماكن

أبو قريب (مضيق)

إعداد: مريم بدر جلالي نقله إلى العربية: سيد محمود عربي
22 Views

يُعد مضيق أبو قريب نقطة حدودية استراتيجية مرتفعة تقع في مواجهة منطقتي فكة وشراني. سقطت هذه النقطة بيد القوات العراقية في الأيام الأولى من الحرب المفروضة، إلا أن المجاهدين الإيرانيين تمكنوا من تحريرها في مارس 1982 ضمن عملية "فتح المبين". وفي أواخر الحرب، صمدت المنطقة أمام محاولات إعادة الاحتلال بفضل استبسال كتيبة عمار التابعة لفرقة 27 محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله).

يقع مضيق أبو قريب ضمن النطاق الإداري لقضاء دهلران جنوب محافظة إيلام، ويتمركز جغرافياً في مرتفعات "تينه"، حيث يشطر طريق "دشت عباس – جم‌هندي". وتتميز منطقة أبو قريب باحتوائها على احتياطات نفطية وآبار عديدة.[1]

في بداية العدوان العراقي، قام الجيش العراقي بتشييد جسر عسكري على نهر "دويرج" غرب أبو قريب (منطقة جم‌هندي) لتسهيل عبور وحداته نحو المضيق والاستحواذ على الموارد النفطية. ظلت المنطقة تحت السيطرة العراقية حتى ربيع 1982، حين خططت إيران لعملية "فتح المبين" بهدف استعادة هذه المنطقة وسائر الأراضي المحتلة غرب نهر الكرخة.

في الخطة العملياتية لعملية "فتح المبين"، قُسمت منطقة نهر الكرخة المحتلة إلى أربعة محاور، حيث وقع مضيق "أبو قريب" ضمن محور "عين خوش" و"دشت عباس". كان تحرير "عين خوش" والمضيق من الأهداف الاستراتيجية الكبرى؛ إذ إن السيطرة عليهما كانت تعني تهديد المواقع الخلفية للقوات العراقية وقطع خطوط إمدادها بالكامل.[2]

خلال العملية التي انطلقت في ۲۲ مارس ۱۹۸۲، أبدى الجيش العراقي مقاومة شرسة في مضيق أبو قريب، رافضاً التفريط بهذا الموقع الحيوي. وعندما رصدت القيادة الإيرانية في "مقر كربلاء" (ممثلة بصياد شيرازي ومحسن رضائي) نية العدو في التقدم للسيطرة على النقطة الحاكمة المعروفة بـ "يال ۲۵۱"، صدرت الأوامر للواء ۲ المدرع دزفول لتعزيز الجناح الأيسر للمضيق.

شن لواء دزفول هجوماً على المواضع العراقية، ونظراً للمحدودية الشديدة في عدد دبابات هذا اللواء مقارنة بالوحدات المدرعة العراقية، تمكنت دبابات T-72 التابعة لـ اللواء 10 حرس جمهوري عراقي من تدمير ثماني دبابات إيرانية. أدى احتراق الدبابات إلى زعزعة الروح المعنوية للقوات الإيرانية مما أسفر في النهاية عن انسحابها. وعندما وصل العقيد صياد شيرازي بمروحيته إلى "دشت عباس"، أدرك أن قائد اللواء قد أصدر أوامر الانسحاب بدافع الخوف وحفاظاً على الأفراد. وبناءً على معرفته بكفاءة ضباطه، قام بتعيين أحد قادة الكتائب وهو "محمد جعفر لهراسبي" قائداً للواء بعد ترقيته إلى رتبة عقيد، لما رآه من شجاعته وتضحياته في عملية "طريق القدس". وفي نهاية المطاف، نجح هذا اللواء بالتعاون مع ألوية الجيش والحرس الأخرى، وبعد مقاومة مستميتة، في دحر اللواء 10 العراقي في اليوم الثامن من عمليات "فتح المبين" وتحرير مضيق أبو قريب.[3] واختتمت العملية بتحرير المضيق في 30 مارس 1982.[4] ومنذ ذلك الحين، لم تشهد المنطقة أحداثاً جوهرية حتى 12 يوليو 1988، حين تقدم العراق في منطقة "فكة" قبيل القبول الرسمي للقرار 598، وشن هجوماً على إيران عبر مضيق أبو قريب.

نظراً لتمركز أقوى وحدات جيش الجمهورية الإسلامية في هذا القطاع، ساد في البداية نوع من التفاؤل في التعامل مع هجوم العدو، إلا أن الأنباء اللاحقة كشفت عن عمق الفاجعة. قام الجيش العراقي بعملية "التفاف" على قوات الجيش الإيراني، متقدماً في عمق الأراضي الإيرانية بهدف أسر الآلاف. كان هجوم العدو ساحقاً لدرجة أن وحدات الاستطلاع أفادت قبل غروب الشمس بإخلاء المنطقة الواقعة خلف جسر الكرخة، وأن القوات الإيرانية تنسحب في طوابير طويلة مشاةً وهم في حالة إعياء وعطش شديدين، بينما تشتت آلاف الجنود في المدن القريبة (أنديمشك ودزفول). صدرت الأوامر للفرقة 27 محمد رسول الله (ص) بصد العدو بأي ثمن، حيث كان الخطر الأكبر يتمثل في وصول العراق إلى جسر الكرخة وقطع طريق أنديمشك – الأهواز الاستراتيجي.

تولى كتيبة عمار (التابعة للفرقة 27)، التي كان عناصرها يستعدون للذهاب في إجازة، مسؤولية هذه المهمة. وتحت قيادة محمد رضا يزدي وبإشراف غلام رضا صالحي (قائم مقام الفرقة)، تحركت القوات نحو مضيق أبو قريب بأقل الإمكانيات والذخائر. وعلى الرغم من الخسائر البشرية الفادحة، لم يسمحوا للجيش العراقي بالعبور من المضيق. وخلال هذه المعركة التي استمرت يومين، استشهد عدد من مقاتلي الكتيبة بسبب نقص العتاد وغياب الدعم، لكن صمودهم أجبر القوات العراقية على التراجع، مما أنقذ المضيق من سقوط ثانٍ.[5]

وفي عام 2017، أنتجت منظمة أوج للإعلام الفني فيلماً يخلد بطولات هذه الكتيبة بعنوان "تنگه ابوقریب" (مضيق أبو قريب)، من إخراج بهرام توكلي، وقد حصد الفيلم جائزة أفضل فيلم في مهرجان فجر السينمائي الـ36.[6]

 

[1]بورجباري، بجمان، اطلس جغرافیای حماسی2: ایلام در جنگ (أطلس الجغرافيا الملحمية 2: إيلام في الحرب)، طهران: بنیاد حفظ آثار و نشر ارزش‌های دفاع مقدس (مؤسسة حفظ آثار ونشر قيم الدفاع المقدس)، 2015، ص 148 و199؛ فرودي، قاسم، اطلس مناطق عملیاتی غرب و جنوب غربی (أطلس المناطق العملياتية في الغرب والجنوب الغربي)، طهران: مؤسسة حفظ آثار ونشر قيم الدفاع المقدس، 2016، ص 37.

[2] حبيبي، أبو القاسم، اطلس خوزستان در جنگ ایران و عراق (أطلس خوزستان في حرب إيران والعراق)، طهران: مرکز اسناد و تحقیقات دفاع مقدس (مركز وثائق وبحوث الدفاع المقدس)، 2013، ص 168؛ أطلس الجغرافيا الملحمية 2، المرجع نفسه، ص 199.

[3] آقاميرزايي، محمد علي، شرهاني وأبو قريب، طهران: بنیاد حفظ آثار و نشر ارزش‌های دفاع مقدس، سازمان هنری و ادبیات دفاع مقدس (مؤسسة حفظ آثار ونشر قيم الدفاع المقدس، المنظمة الفنية والأدبية للدفاع المقدس)، 2014، ص 19-29؛ رشيد، محسن، أطلس حرب إيران والعراق، طهران: مركز وثائق وبحوث الدفاع المقدس، الطبعة الثالثة، 2013، ص 48.

[4] آقاميرزايي، محمد علي، شرهاني وأبو قريب، المرجع نفسه، ص 28؛ رشيد، محسن، أطلس حرب إيران والعراق، المرجع نفسه، ص 48.

[5] آقاميرزايي، محمد علي، شرهاني وأبو قريب، المرجع نفسه، ص 75-85.

[6] صحيفة شرق، العدد 3226، تاريخ 21 أغسطس 2018 (30 مرداد 1397)، ص 10.