العمليات

عملية بدر

إعداد: ميلاد نيك سيرت النخجيري نقله إلى العربية: سيد محمود عربي
30 Views

تعد عملية بدر إحدى العمليات الهجومية التي نفذها الحرس الثوري الإسلامي وجيش الجمهورية الإسلامية الإيرانية في عام 1985م في منطقة هور الهويزة بهدف الوصول إلى مدينة البصرة.

شُكلت المرحلة الثانية من الاستراتيجية العسكرية الإيرانية، تحت عنوان "معاقبة المعتدي"، من خلال التخطيط والتنفيذ لأربع عمليات رئيسية: وهي رمضان (من 13 يوليو إلى 29 يوليو 1982 م)، ووالفجر التمهيدية (من 6 فبراير إلى 9 فبراير 1983 م)، وخيبر (من 22 فبراير إلى 12 مارس 1984 م)، وبدر (من 10 مارس إلى 16 مارس 1985 م).[1]

إن الأهمية الاستراتيجية لمنطقة شرق دجلة والخبرات المكتسبة من عملية خيبر هي ما دفع لاختيار منطقة غرب هور الهويزة مجدداً لتكون مسرحاً لعملية بدر. تم تقسيم المنطقة إلى قسمين: شمالي وجنوبي. أُوكل المحور الشمالي إلى مقر نجف الأشرف والمحور الجنوبي إلى مقر كربلاء. دخل مقر نجف الأشرف حيز التنفيذ من شمال "البيضة" حتى امتداد قناة "جُمَل" المائية. أما مقر كربلاء، فدخل حيز التنفيذ من الشمال، مقابل قناة "جُمَل" وقرية "نُجَيرة" شرق نهر دجلة، ومن الجنوب من منطقة "القرنة" (خط هالة). كُلِّفَ مقر نوح بمهمة السيطرة على "بَد الهويدي" والتقدم نحو جسر "زردان"، ثم إحداث تفجير في قناة "صويب" لجعل المياه تتدفق باتجاه البصرة. كما تم تكليف مقرّي "ظفر" و"نجف 2" بالعمل كقوات احتياط وتنفيذ عمليات خداع. كان على مقر ظفر أن يتحرك عبر إنزال جوي من منطقة "العزير" نحو الشمال في غرب دجلة. بينما كان على مقر نجف 2 أن ينفذ إطلاق نيران على طريق "العمارة-البصرة" والأجزاء الشمالية من جسر "العزير".

كانت القوات المخصصة لمقار القيادة كالتالي:

مقر نجف 1: فرقة واحد من القوات البرية للجيش و3 فرق وألوية من الحرس الثوري.

مقر نجف 2: فرقة واحد ولواء واحد من الحرس الثوري.

مقر كربلاء: 3 فرق ولواء واحد من القوات البرية للجيش، و4 فرق وألوية من الحرس الثوري.

مقر ظفر والذی في حال توفرت الظروف لتنفيذ مهمته، كان يتم تأمين قواته من المقار المذكورة أعلاه (خاصة نجف 1 وكربلاء).

مقر نوح: فرقة واحد ولواءان من الحرس الثوري.

شاركت في العملية أربع فرق و لواء واحد من الجيش إجمالاً، و 9 فرق و 9 ألوية من الحرس الثوري.[2]

إن قوة العراق قبل العملية في هذه المنطقة كانت تشمل: 29 كتيبة مشاة، وكتيبتين ميكانيكيتين، و9 كتائب مدفعية، و5 كتائب دبابات. وبعد تنبه العدو، تم إضافة وحدات إلى خطوط المواجهة، كما تم استبدال بعض الوحدات بأخرى أكثر قوة.[3] وقبل بدء العملية، تم إلقاء القبض على فريق استطلاع إيراني، مما أدى إلى علم العراقيين بتنفيذ العملية وزيادة عدد الألوية الخاصة المزودة بذخائر نوعية.[4]

بدأت العملية في 9 مارس 1985 م في تمام الساعة 23:00، تحت قيادة مقر خاتم الأنبياء (ص)،[5] وبالتنسيق المشترك بين الحرس الثوري والجيش، وكان الرمز السري لها "يا فاطمة الزهراء".[6] أُطلقت أول رصاصة من قبل المجاهدين الإيرانيين باتجاه مقر اللواء 429 الذي كان يقع في غابة "عجيردة".[7] جرى الاشتباك في منطقة تبلغ مساحتها حوالي 1100 كيلومتر مربع.[8] في محور مقر كربلاء (الجناح الجنوبي للعملية)، تم اختراق الخط الدفاعي في الساعة الأولى من بدء العملية. وتقدمت الوحدات بسرعة نحو الخط الثاني وسيطرت عليه.[9] مع استمرار التقدم، تمكنت بعض القوات من التمركز خلف نهر دجلة في المنطقة الفاصلة بين قناة "جُمَل 3" ونهر "روطة". لكن بسبب الاصطدام بالألغام ونقص القوارب اللازمة لنقل القوات، لم يكتمل تأمين الدفاع على نهر دجلة، وظل العدو متمركزاً بمسافة كيلومتر ونصف بين وحدتين من الحرس الثوري (فرقة 17 علي بن أبي طالب ولواء 44 قمر بني هاشم). أما في محور فرقة 8 نجف، فقد تحققت الأهداف المرجوة، وتمكنت جميع وحدات مقر كربلاء من التمركز خلف دجلة.

واجهت قوات مقر نجف 2 (نصرت) في محور ترابة (الحد الشمالي للعملية) نيراناً كثيفة. ورغم سقوط مخفر ترابة، أصدر قائد المقر أمر الانسحاب بسبب نقص القوات.[10] أما في محور مقر نجف 1، فقد هاجمت القوات الخط الدفاعي في تمام الساعة 23:00، وتم اختراق الخط بحلول الساعة 24:00.

في غروب اليوم الثاني، وبناءً على أوامر القيادة لضم فرقتين وتعزيز خط ذو الفقار، نجح المجاهدون في تشكيل خط مشترك وتحصين مواقعهم. في اليوم الثالث، قامت قوات ثلاث كتائب (سيد الشهداء، روح الله، والإمام الرضا - عليهم السلام) بعمليات إزعاج بهدف تثبيت وتقوية الخط الدفاعي. ونجحت هذه القوات في التقدم كيلومترين إضافيين والسيطرة على جزء آخر من المواقع العراقية في منطقة النُهَيِّر، مما أدى إلى تشكيل خط تأمين آخر موازٍ لقناة صَفِّين.[11]

في اليوم الرابع (13 مارس)، اقتصر الأمر على تبادل النيران بين الجانبين. وخلال هذه المرحلة من العملية، استشهد إبراهيم جعفر زاده، قائد لواء 18 الغدير. في اليوم الخامس (14 مارس)، وفي تمام الساعة 13:00، شن العراق هجوماً مضاداً ضخماً بعد تقييم المناطق الضعيفة، مستغلاً كامل قدراته المدفعية والصاروخية والجوية وطيران الجيش.[12] وبحلول فترة ما بعد الظهر، نجح العراق في إحداث اختراق على الضفة الشرقية لنهر دجلة، مما أدى إلى إخلال الترتيب الدفاعي للقوات الإيرانية. واستهدفت النيران المدفعية المعادية الخطوط الأمامية والخلفية للسواتر الترابية على القنوات المائية.[13] في هذا اليوم، استشهد عباس كريمي، قائد فرقة 27 محمد رسول الله (ص).

نظراً لضعف خط صَفِّين (بالقرب من نهر دجلة) واحتمال تصاعد ضغط العدو، قرر قادة مقار خاتم وكربلاء ونجف، في اجتماع مشترك، تشكيل مقر جديد باسم "ظفر". ووضعت تحت إمرة هذا المقر الفرق التالية: فرقة 17 علي بن أبي طالب (ع)، وفرقة 7 ولي العصر (عج)، بالإضافة إلى ألوية 23 نوهد، و33 المهدي، و55 المحمولة جواً (الجيش)، ولواء الشهداء الخاص.[14]

في ليلة اليوم الخامس، وفي إطار الجهود المستمرة لتطهير قرية الحُدَيْبَة، عبر جزء من القوات بقيادة فرقة عاشوراء نهر دجلة وهاجم شرق دجلة. ومع بزوغ الفجر، ونظراً لعدم إتمام التطهير والالتحام الكامل، لم يتوفر المجال للتقدم نحو منطقة القرنة. ومنذ حوالي الظهر، زاد العدو من ضغطه وصعَّد القصف الجوي، مما سلب القوات الإيرانية إمكانية تأمين المناطق التي سيطرت عليها.[15]

بعد أن نجح الجيش العراقي في منع تمركز وحدات مقر نجف خلف نهر دجلة، ركز هجماته على قوات مقر كربلاء. وفي هذا المحور، كانت فرقة 31 عاشوراء قد عبرت دجلة وسيطرت على أرض تُعرف باسم "الكيسية" غرب النهر.[16] وخلال هذه الأحداث، استشهد مهدي باقري، قائد فرقة 31 عاشوراء.[17]

بعد تنفيذ القوات العراقية قصفاً مدفعياً مكثفاً وضغطاً جوياً، مصحوباً باستخدام الغازات الكيماوية، أصبح الحفاظ على المواقع التي تم الاستيلاء عليها أمراً صعباً، واضطرت القوات الإيرانية إلى الانسحاب.[18] بدأ العراق هجماته الكيماوية على جزر مجنون حوالي الساعة 4:00 مساءً في 13 مارس. أسفر هذا القصف في الأسبوع الأول عن إصابة 2231 شخصاً واستشهاد 32.[19] استخدم العراقيون الأسلحة الكيماوية أكثر من ثلاثين مرة خلال خمسة أيام.[20]

خلال هذه العملية، شارك طيران الجيش الإيراني بـ 20 مروحية ونفذ 743 ساعة طيران. وساهمت هذه المروحيات في تدمير التحصينات والمعدات المدرعة، وإجلاء 1028 جريحاً، وإنزال 945 مقاتلاً، بالإضافة إلى نقل 1049 طناً من الإمدادات والذخائر.[21]

في النهاية، انتهت هذه العملية بتثبيت الموقف الإيراني شرق نهر دجلة.[22] من بين إنجازات العملية، يمكن ذكر ما يلي:

تحرير قطاع واسع من المناطق المهمة والغنية بالنفط في جزر مجنون، وأكثر من 500 كيلومتر مربع من منطقة الهور.[23]

تدمير 6 طائرات، و5 مروحيات، و250 دبابة وناقلة جنود، و60 قاذف هاون، و200 مركبة عسكرية متنوعة، و40 قطعة مدفعية متنوعة.

تدمير حوالي 20 لواء وكتيبة للعدو، وقتل وجرح 15000 شخص، وأسر 3200 فرد من قوات العدو.[24]

إلحاق خسائر تتراوح بين 20% إلى 100% بـ 7 ألوية و 5 فرق عراقية، وكذلك إلحاق أضرار بنسبة 20% بكل من فرقة الحرس الجمهوري وقوة الكوماندوز التابعة للفيلق الثالث لجيش صدام.[25]

تُصنف الخسائر التي تكبدتها القوات الإيرانية في هذه العملية بأنها أكبر من خسائر الجيش العراقي.[26] ويُطلق العراقيون على هذه العملية اسم "تاج المعارك".[27]

بعد العملية، اتفق ممثلو الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي في اجتماع عُقد في فيينا على دعم العراق لمنع هزيمته. وبعد أربعة أيام من العملية، طالبت الحكومة الأمريكية إيران بإنهاء الأعمال العدائية عبر المفاوضات. كما دعت المملكة المتحدة إلى فرض وقف إطلاق نار بين إيران والعراق عبر منظمة الأمم المتحدة.[28]

وفي أعقاب عملية بدر، صدرت تعليمات من مقر العمليات خاتم الأنبياء (ص) بأن يقوم الجيش الإيراني والحرس الثوري بالعمل بشكل منفصل في العمليات اللاحقة.[29]

 

[1]دروديان، محمد، سیری در جنگ ایران و عراق،‌ ج۳: فاو تا شلمچه (نظرة في الحرب الإيرانية-العراقية، ج3: الفاو حتى شلمجة)، طهران: سپاه پاسداران انقلاب إسلامي (الحرس الثوري الإسلامي)، مرکز اسناد و تحقیقات دفاع مقدس (مركز وثائق وبحوث الدفاع المقدس)، ط2، 1999، ص6؛ رشيد، محسن، أطلس الحرب الإيرانية-العراقية، طهران: سپاه پاسداران انقلاب إسلامي، مركز وثائق وبحوث الدفاع المقدس، ط2، 2010، ص68 و 70 و 72 و 73.

[2] الله‌داد، حسين، گزارش‌های روزانه صحنه نبرد لشکر ۱۷ علی‌بن‌‌ابیطالب (تقارير يومية عن مسرح معركة فرقة 17 علي بن أبي طالب)، طهران: سپاه پاسداران انقلاب إسلامي، مركز وثائق وبحوث الدفاع المقدس، 2012، ص132-136.

[3] المرجع نفسه، ص135.

[4] إحسان العلوي، نبرد هور (معركة الهور)، ترجمة: عبدالرسول رضاه‌كاه، طهران: حوزه هنری، 1996، ص41 و 42.

[5] دروديان، محمد، نظرة في الحرب الإيرانية-العراقية، ج2: من خرمشهر حتى الفاو، طهران: سپاه پاسداران انقلاب إسلامي، مركز وثائق وبحوث الدفاع المقدس، ط5، 1999، ص107.

[6] سلطاني، مرتضى، هوانیروز و حماسه بزرگ بدر (طيران الجيش (هوانيروز) وملحمة بدر الكبرى)، طهران: سوره سبز، 2010، ص22.

[7] جزائري، مسعود، مجنون، طهران: نسيم حيات و صرير، 2005، ص139؛ حبيبي، أبو القاسم، کارنامه عملیات سپاهیان اسلام در هشت سال دفاع مقدس (سجل عمليات جيوش الإسلام في ثماني سنوات من الدفاع المقدس)، طهران: ‌ اداره روابط عمومی و انتشارات سپاه( إدارة العلاقات العامة والنشر في الحرس الثوري)، ط5، 2004، ص98.

[8] راهنمای عملیات جنگ 8ساله (دليل عمليات حرب الثماني سنوات)، طهران: سپاه پاسداران انقلاب إسلامي، مركز وثائق وبحوث الدفاع المقدس، ط3، 1993، ص45.

[9] الله‌داد، حسين، تقارير يومية عن مسرح معركة فرقة 17 علي بن أبي طالب، ص137.

[10] المرجع نفسه، ص138.

[11] المرجع نفسه، ص139 و 148.

[12] المرجع نفسه، ص149؛ حبيبي، أبو القاسم، سجل عمليات جيوش الإسلام في ثماني سنوات من الدفاع المقدس، ص100.

[13] کل‌علي بابايي، تا آوردگاه الهاله (حتى ميدان معركة الهالة)، طهران: صاعقه، 2012، ص131.

[14] الله‌داد، حسين، تقارير يومية عن مسرح معركة فرقة 17 علي بن أبي طالب، ص149؛ حبيبي، أبو القاسم، سجل عمليات جيوش الإسلام في ثماني سنوات من الدفاع المقدس، ص100.

[15] جزائري، مسعود، مجنون، ص159.

[16] الله‌داد، حسين، تقارير يومية عن مسرح معركة فرقة 17 علي بن أبي طالب، ص140.

[17] المرجع نفسه، ص141.

[18] دروديان، محمد، نظرة في الحرب الإيرانية-العراقية، ج6: من البداية حتى النهاية، طهران: سپاه پاسداران انقلاب إسلامي، مركز وثائق وبحوث الدفاع المقدس، ط21، 2015، ص108.

[19] فروتن، عباس، جنگ شیمیایی عراق و تجارب پزشکی آن(الحرب الكيماوية للعراق وتجاربها الطبية)، طهران: تيمورزاده ـ طبيب، 2003، ص122.

[20] دروديان، محمد، نظرة في الحرب الإيرانية-العراقية، ج6، ص115.

[21] سلطاني، مرتضى، طيران الجيش (هوانيروز) وملحمة بدر الكبرى، ص31.

[22] سميعي، علي، کارنامه توصیفی عملیات‌های هشت سال دفاع مقدس (السجل الوصفي لعمليات ثماني سنوات من الدفاع المقدس)، طهران: معاونت تبلیغات و انتشارات نمایندگی ولی فقیه در نیروی زمینی (معاونية الدعاية والنشر لممثلية الولي الفقيه في القوة البرية)، 1997، ص197.

[23] المرجع نفسه؛ درخشنده، أبو الفضل، از جنون تا مجنون (من الجنون إلى مجنون)، طهران: حديث قلم، 2014، ص24.

[24] سميعي، علي، السجل الوصفي لعمليات ثماني سنوات من الدفاع المقدس، ص198.

[25] دروديان، محمد، نظرة في الحرب الإيرانية-العراقية، ج2، ص110.

[26] سالمي‌نجاد، عبدالرضا، نگاهی به حضور حماسی لشکر 7 ولی‌عصر‌(عج) در هشت سال دفاع مقدس (نظرة على الحضور الملحمي لفرقة 7 ولي العصر (عج) في ثماني سنوات من الدفاع المقدس)، ج7: عبور از آبراه‌های صفین و نینوا (عبور ممرات صفين ونينوى المائية)، طهران: نيلوفران، 2018، ص345.

[27] صبار فلاح اللامي، مأموریت در خرمشهر (مهمة في خرمشهر)، ترجمة: مهرداد آزاد، طهران: الحوزة الفنية، 1997، ص84.

[28] أصغرزاده، توحيد، سردار بدر (قائد بدر)، أورمية: تكوين، 2007، ص102.

[29] تقيان‌بور، عباس، سایه های نور(ظلال النور)، طهران: إيران سبز، 2014، ص55.