الأماكن

مدينة شوش

افسانه صادقی
2 Views

تُعدّ مدينة «شوش» في محافظة «خوزستان» من المدن التي تعرّضت في الأيام الأولى من الحرب المفروضة من قِبل العراق على إيران لدمار واسع، إذ أصبحت شبه مهدّمة و خالية من السكان بسبب الهجمات المتكررة للعدو.مع تنفيذ عملية «فتح المبين» في أبريل 1982م (فروردين 1361هـ.ش) خرجت هذه المدينة من مرمى رؤية و نيران القوات العراقية المباشرة. 

تقع «شوش» في شمال غرب محافظة «خوزستان»، تحدّها من الشمال مدينة «انديمشك»، من الشرق مدينة «دزفول»، من الشمال الغربي مدينة «دهلران»، من الجنوب الشرقي مدينة «شوشتر» و من الغرب و الجنوب الغربي مدينة «دشت آزادگان». تُعدّ «شوش» من أقدم مراكز الحضارة في العالم و قد عُثر في هذه المنطقة على آثار و بقايا تعود إلى عصور ما قبل التاريخ. تُعدّ «مدينة شوش» اليوم مركز هذه المحافظة و يعتنق معظم سكانها المذهب الشيعي الاثني عشري و يتحدثون الفارسية و العربية.[1]بحسب إحصاء عام 2016م (1395هـ.ش) بلغ عدد سكان «شوش» 205720 نسمة.[2]

تتمتّع هذه المدينة بتاريخ حافل بالأحداث. فقد كانت «شوش» العاصمة الشتوية للإمبراطوريات الكبرى. يرجّح بدرجة كبيرة أنّها تحوّلت من قرية إلى مدينة في منتصف الألف الرابع قبل الميلاد، ثم ازدهرت و أصبحت مركز حكم «عيلام» (إحدى الحضارات الأربع في ذلك العصر). لكن عندما سقطت «عيلام» بيد «الآشوريين»، دُمّرت «شوش» تقريبًا بالكامل. في عهد «الأخمينيين» استعادت «شوش» مجدها السابق، لكنها تعرّضت مرة أخرى للنهب و الدمار الكامل عند سقوط الدولة الأخمينية.  في سنة 17 قبل المیلاد، دخلها المسلمون و ظلّت حتى زمن الغزو المغولي من المدن الكبيرة والمزدهرة و كانت مركزًا للزراعة و التجارة في «خوزستان».

في سنة 1890م (1269هـ.ش) دخل فريق فرنسي مكوّن من 120 شخصًا بقيادة «جان جاك دي مورغان» (عالم الآثار الفرنسي المعروف) إلى «شوش» للتنقيب و قد بنوا قلعة تشبه قلعة «الباستيل» في فرنسا ليقيموا فيها و يحفظوا الآثار المكتشفة. لكن «دي مورغان» أرسل لاحقًا مكتشفاته إلى متحف «اللوفر» في «باريس».[3]

عندما نُقلت مركزية محافظة «خوزستان» إلى «الأهواز»، بدأت «شوش» تفقد أهميتها تدريجيًا، غير أنّ إنشاء السِّكة الحديديّة العابرة للبلاد، أعاد الحيوية إلى اقتصادها. كما أنّ الأهمية التاريخية لـ«شوش» و وجود مرقد النبي «دانيال عليه السلام» فيها جعلاها محطّ اهتمام و جذب للسياح، حتى أصبحت ـ مع ازدياد عدد سكانها ـ مدينةً ذات بلدية في سنة 1956م (1335 هـ.ش).[4]بقيت «شوش» حتى سنة 1989م (1368 هـ.ش) إحدى الأقسام التابعة لقضاء «دزفول»، لكنها تحوّلت منذ أغسطس من العام نفسه إلى قضاء مستقل.[5]

تُعدّ «شوش» من المدن التي هاجمها «العراق» منذ اليوم الأول للحرب، أي في 22 سبتمبر 1980م (31 شهریور 1359 هـ.ش). قد اكتسبت هذه المدينة أهمية خاصة في الخطة العملياتية للجيش العراقي بسبب مرور الخط الحديدي و طريق «انديمشك ـ الأهواز» بمحاذاتها و كان قطع هذه الطرق يؤثر تأثيرًا كبيرًا في جبهتَي «الأهواز» و«دزفول». تقدّم «اللواء الأول الميكانيكي» في الجيش العراقي نحو المدينة و تمركز على بُعد سبعة كيلومترات غربها و من هناك بدأ بقصف «شوش» بشكل مستمر. في الأيام الأولى للحرب تضررت مبانٍ كثيرة في المدينة و أصبحت «شوش» تدريجيًا خالية من السكان، إذ اضطر أهلها إلى الهجرة نحو مناطق آمنة في ظروف شديدة القسوة. 

و بقدر ما كانت «شوش» تُخلى من سكانها، كانت تستقبل المقاتلين القادمين من مختلف أنحاء البلاد للالتحاق بخطوط المواجهة مع القوات العراقية. في تلك السنوات عُرفت «شوش» باسم مدينة «الشهداء المجهولين» و كانت من أهم مراكز تنظيم المقاتلين و إرسالهم إلى جبهات القتال. مع دخول المقاتلين إليها، بدأت التحصينات الدفاعية تُشيَّد تدريجيًا، من الخنادق إلى السواتر الترابية. قد تشكّلت في هذه المنطقة واحدة من أهم الجبهات، الممتدة على طريق «شوش» باتجاه نهر «كرخة»، حيث تمركزت القوات على امتداد طريق «شوش ـ فكة» المعبّد (جبهات «عنکوش»، «زعن»، «شليبية») و في نقاط أخرى مثل «صالح مشطط» و «جسر شجاع» على الضفة الأخرى من «الكرخة».[6]

في بدايات الحرب، كان «مجيد بقائي» قائد حرس «شوش» و قد نجح في إنشاء تنظيم ميداني منسجم في جبهة «شوش» و جمع معلومات دقيقة عن الجيش العراقي و حدّد قدراته القتالية، فصمّم عمليات متعددة في هذه الجبهة. أهم عملية محدودة في جبهة «شوش» (في منطقتَي «زعن» و «شليبية») كانت عملية «الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف»، التي نُفّذت في 14 أبريل 1981م (25 فروردين 1360 هـ.ش) بقيادة «بقائي». استمرت العملية خمسة أيام، تراجع خلالها العراقيون مسافة كبيرة عن ضفاف نهر «كرخة»، مما أتاح للمقاتلين الإيرانيين إنشاء جسر على النهر، استُخدم لاحقًا في عملية «فتح المبين» لتحرير المناطق المحتلة في جبهة «شوش».[7]

كان الهدف من عملية «فتح المبين» إخراج مدن «دزفول»، «انديمشك» و «شوش» من مدى نيران مدفعية العراق، إخراج «شوش» بالكامل من سيطرة الجيش العراقي و تطهير «الموقعين 4 و5». كان قادة «الجيش» و «الحرس» يرون أنّ العملية يجب أن تبدأ بالتزامن من أربعة محاور: «عين خوش»، جسر «نادري»، «شوش» و«رقابية». لهذا الغرض شُكّلت أربعة مقارّ عمليات:«قدس»، «نصر»، «فتح» و«فجر» و تولّت تنظيم القوات. أصبح «مجيد بقائي»، «مرتضى صفاري» و «حمزة كربلائي» مسؤولي مقر «فجر»، الذي كان مقره في قبو حرس «شوش».[8]

في مارس 1982م (اسفند 1360 هـ.ش) بعد أن أدرك العراقيون استعداد المقاتلين الإيرانيين لتنفيذ عملية في منطقة «شوش»، نشروا عشرة ألوية مستقلة و عددًا من ألوية جيش «الشعب» في المنطقة، كما قاموا بزرع الألغام فيها.[9]

في الساعة 00:30 من فجر 22 مارس 1982م (2 فروردين 1361هـ.ش)، بدأت عملية «فتح المبين» تحت رمز:«بسم الله القاصم الجبارين، يا زهراء سلام الله عليها». كان «مجيد بقائي» مسؤول قيادة وحدات مقر «فجر». من خصائص هذه العملية قرب خطوط القوات الإيرانية و العراقية في منطقة مقر «فجر»، بحيث إنّ وحدات هذا المقر، بعد عبور حقول الألغام و العوائق، كانت تصل إلى خط العراقيين خلال عشرين دقيقة فقط، بينما كانت المقارّ الأخرى تحتاج إلى قطع مسافات أطول للوصول إلى مواجهة القوات العراقية و هو ما كان يستغرق وقتًا أطول. 

في الأيام الأول والثاني و الثالث من العملية واجه المقاتلون الإيرانيون صعوبات كبيرة، لكن منذ اليوم الرابع، أي 24 مارس 1982م (4 فروردين 1361 هـ.ش) أصبحت الأوضاع تحت السيطرة. في 27 مارس دُمّر «اللواء الأول الميكانيكي» و «اللواء العاشر المدرع» التابعان للجيش العراقي و تمكّن المقاتلون الإيرانيون من السيطرة على المنطقة الممتدة من مضيق «عين خوش» إلى مرتفعات «تينة»، مضيق «أبو قریب»، مضيق «برقازه» و مضيق «رقابية». وأخيرًا و بعد أسبوع من بدء العملية، خرجت مدينة «شوش» من مدى نيران مدفعية الجيش العراقي.[10]

بعد عملية «فتح المبين» و مع تطهير هذه المنطقة و إعادة إعمارها، عاد الناس إلى مدنهم و قراهم. خلال الحرب المفروضة من قبل العراق على إيران، كانت «شوش» من المدن المحبّبة لدى المقاتلين. فقد كانت في الحقيقة إحدى أهمّ مناطق الإسناد الخلفي للجبهات. كان المقاتلون يقصدونها لزيارة النبي «دانيال عليه السلام» و لرؤية المواقع الأثرية في «شوش» و للاستحمام و الترفيه و التسوّق. 

بعد انتهاء الحرب، وُضعت خطط إعمار«شوش» على جدول الأعمال، فإلى جانب إعادة بناء ما دمّرته الحرب، أُولي اهتمام بالحفاظ على جزء من آثار و ذكريات تلك المرحلة. قد شُيّد نُصب شهداء «فتح المبين» على بُعد ثمانية كيلومترات شمال غرب «شوش» و غرب نهر «كرخة». جاء اختيار هذا الموقع بسبب استشهاد عدد من مقاتلي مقر«فجر» قبل أيام من عملية «فتح المبين» أثناء محاولتهم التقدّم عبر تسعة شقوق نحو خنادق الجيش العراقي. قد أُعيد ترميم بعض هذه الشقوق العملياتية لتبقى شاهدة على بطولات المقاتلين في تلك المنطقة. في 9 يناير 2003م (19 دی 1381 هـ.ش) دُفن ثمانية شهداء مجهولي الهوية في هذا الموقع.[11] و خلال الحرب المفروضة، استشهد 490 من أهالي هذه المدينة.


[1] . پورجباری، پژمان، اطلس جغرافیای حماسی، ج1: خوزستان در جنگ(أطلس الجغرافیا الحماسیة، ج1: خوزستان في الحرب)، طهران: مؤسسة حفظ آثار و نشر قیم الدفاع المقدس، صریر، 2010م(1389 ه‍.ش)، ص211.

[2] .مرکز الإحصاء الإیرانی، النتائج التفصیلیة للتعداد العام للسکان و المساكن، 2016م(1395ه.ش)، طهران: مرکز الإحصاء الإیرانی ، 2018 (1397 ه‍.ش)، ص66.

[3] . سلیمی، علی‌الله، شوش، طهران: مؤسسة حفظ آثار و نشر قیم الدفاع المقدس، 2014م(1393 ه‍.ش)، ص15–21.

[4]. پورجباری، پژمان، أطلس الجغرافیا الحماسیة، ج1، ص214.

[5] . سلیمی، علی‌الله، شوش، ص21.

[6] . المصدر نفسه، ص37 و38 و45 و47 و53.

[7] . المصدر نفسه، ص55–61.

[8] . المصدر نفسه، ص72 و73.

[9] . المصدر نفسه، ص79.

[10] . المصدر نفسه، ص82 و84 و88.

[11] . المصدر نفسه، ص93–96.