الأماكن

سَردشت

افسانه صادقی
7 Views

سَردشت مدينة من مدن محافظة «آذربایجان غربی» التی قد تعرضت خلال سنوات الحرب المفروضة التي شنّها «العراق» ضدّ «إيران» لسلسلة من القصف المتكرّر. كان أخطر تلك الهجمات القصف الكيميائي الذي وقع في 28يونيو 1987م ‌(7 تیر 1366 هـ.ش).

تُعدّ «سردشت» إحدى مدن محافظة « آذربایجان غربی » في شمال غرب «إيران»، إذ يحدّها من الشمال «پیرانشهر»، من الشمال الغربي «مهاباد»، من الشرق «بوکان»، من الجنوب محافظة «كردستان» و من الغرب «العراق»، تقع على مسافة تقارب ثلاثين كيلومترا من الحدود العراقية.[1]يعتنق سكان «سردشت» المذهب السني الشافعي و يتحدثون اللغة الكردية السورانية بلهجة «موكريانية».[2]بحسب التعداد السكاني لعام 2016م ‌(1395 هـ.ش)، بلغ عدد سكان هذا القضاء 118,849 نسمة.[3]

تقع «سردشت» قبل الإسلام في الجهة الشمالية الغربية من موقعها الحالي، إلى جوار نبعٍ مائي و كانت تعرف حينذاك باسم «نیوزه‌رو» و قد أُحيطت باسوار و حصون متينة ما تزال آثارها قائمة حتى اليوم. وفقًا للروايات الشعبية، يرى أهالي «سردشت» أنّ مدينتهم هي مسقط رأس النبي «زرتشت» و يعتقدون أنّ اسم المدينة كان «زرتشت» ثم تحوّل بعد غزو العرب لإيران إلى «سردشت».[4]

بسبب امتداد حدود «سردشت» الطويلة و قربها الشديد من الدولة «العثمانية» في القرون الماضية، كانت هذه المنطقة معبرًا لدخول القوات الغازية إلى الأراضي الإيرانية، أو ملاذا للمعارضين لحكومات «العراق» و الدولة العثمانية.تعدّ الحرب العالمية الأولى من أكثر الفترات قسوة في تاريخ المدينة المعاصر، حيث تعرّض عدد كبير من أهالي «سردشت» للقتل الجماعي على أيدي قوات «المحور» و «الحلفاء».[5]

بعد انتصار«الثورة الإسلامية» في «إيران»، سعت بعض الأحزاب السياسية المعارضة، من خلال الترويج لشعارات الحكم الذاتي لـ«كردستان» و المناطق الكردية، إلى السيطرة على المدن و المناطق ذات الغالبية الكردية.[6]

و قد أسهمت مجاورة «سردشت» لـ «العراق» و وجود مناطق غابية واسعة في محيطها في تهيئة بيئة مناسبة لنشاط الجماعات الانفصالية و المعادیة للثورة و لاسيّما حزبي «الديمقراط» و «كومله»، حيث أنشؤوا مكاتب سياسية و سجونا و عددًا من المراكز التابعة لهم ضمن نطاق هذا القضاء و لاسيّما في غابات «آلواتان» و منطقة «دولتو». كما قاموا، في 24أغسطس 1979م ‌(2 شهریور 1358 هـ.ش)، بالهجوم على فوج الدرك في «سردشت»، فسيطروا على هذا الموقع الحدودي و نهبوا معدّاته.[7]

عقب صدور أمر «الإمام الخميني» في 18أغسطس 1979 ‌(27 مرداد 1358 هـ.ش) القاضي بتحرير المدن الكردية، دخلت في 6 سبتمبر 1979(15 شهریور 1358 هـ.ش) قوات الجيش و حرس الثورة الإسلامية و البسيج الشعبي، بقيادة «مصطفى چمران» نائب رئيس الوزراء آنذاك و وزير الدفاع، إلى مدينة «سردشت» و تمكّنت هذه القوات، عبر نزع السلاح العام و تطهير المدينة، من فرض حالة من الهدوء النسبي.

و في 7 أكتوبر 1979 ‌(15 مهر 1358 هـ.ش) تجددت الاشتباكات في المنطقة، حيث تعرضت مجموعة من عناصر حرس الثورة الإسلامية كانت في طريقها إلى «كرمانشاه» لتبديل الأفراد، لكمينٍ نصبته قوى معادية للثورة و أسفر الاشتباك عن استشهاد ثلاثين من عناصر الحرس و نجاة ثمانية منهم، فيما فقد الباقون. يُقال إن خيانة قائد معسكر «سردشت» آنذاك و امتناعه عن مرافقة الحرس الثوري و عدم إرسال قوات مساندة لإنقاذهم، كانت السبب الرئيس وراء هذه الحادثة.[8]

مع تدهور الأوضاعِ في «سردشت»، أجرت في نوفمبر 1979‌(آبان 1358 هـ.ش) لجنة خاصة من الحكومة المؤقتة مفاوضات في إحدى القرى القريبة من المدينة مع عدد من قادة الجماعات المعادية للثورة. غير أنّ هذه المفاوضات لم تُسفر عن نتيجة و بعد يومين فقط هاجمت تلك الجماعات معسکر المدینة من دون الالتزام بتعهداتها، لتندلع الاشتباكات من جديد.[9]عقب ذلك قاد «علي صياد شيرازي» (قائد عمليات المنطقة الغربية آنذاك) إلى جانب «مصطفى چمران» و قواتهما، العديد من العمليات و المعارك لتحرير المدينة.[10]

على الرغم من الجهود الكبيرة التي بذلها «صياد شيرازي» و سائر قوات الجيش و حرس الثورة الإسلامية، فإنّ «سردشت» بقيت محاصرة من قبل القوى المعادية للثورة حتى مايو 1982(اردیبهشت 1361هـ.ش.) نتيجة أداء «أبو الحسن بني صدر» رئيس الجمهورية آنذاك و ضغوط تلك الجماعات.[11]في منتصف مايو 1982‌(اردیبهشت 1361هـ.ش.) نُفذت عملية تحرير طريق «بانة–سردشت»، لتخرج المدينة بعد ثلاثة أعوام من الحصار.[12]

قام «العراق» بقصف منطقة «سردشت» الحدوديّة مرتين قبل الهجوم الشامل على إيران في 22 سبتمبر 1980 ‌(31 شهریور 1359 هـ.ش.)؛ الأولى في 4 يونيو 1979‌(14 خرداد 1358 هـ.ش.) و الثانية في 9 يوليو 1980(18 تیر 1359 هـ.ش).[13]خلال سنوات الحرب المفروضة، قامت الطائرات العراقية بقصف «سردشت» ثلاثا و سبعين مرة، كما تعرّضت المدينة مرارًا لقصف المدفعية العراقية.[14]

في مايو 1981‌(اردیبهشت 1360 هـ.ش) أقدم الجيش العراقي، في خطوة منسّقة مع «الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني» على قصف سجن «دوله‌تو». يقع هذا السجن في قرية «دوله‌تو» شمال غرب «سردشت» على مقربة من الحدود المشتركة مع العراق. كان «الحزب الديمقراطي» قد اعتقل منذ أشهر نحو مئتين و ثمانين شخصًا من عناصر«حرس الثورة الإسلامية»، «البسيج»، الجيش، «الجندرمة» و «البيشمركة» الأكراد، إضافة إلى معارضيه و أودعهم هذا السجن.قد أسفر هذا العمل المشترك بين الجيش البعثي و «الحزب الديمقراطي» عن استشهاد ثمانين من السجناء و إصابة أكثر من مئة آخرين بجروح.[15]

عقب تحرير «سردشت» من سيطرة الجماعات الانفصالية، تمثّلت المرحلة الثانية في تحرير طرق الاتصال بين المدينة و سائر المدن المجاورة، فيما خصّصت المرحلة الثالثة لتحرير المرتفعات و المناطق الفاصلة بينها. لتحقيق هذه الأهداف و كذلك لمواجهة الهجمات العراقية، نُفذت خلال سنوات الحرب المفروضة عمليات عديدة في منطقة «سردشت»[16]:من بينها عملية تحرير بلدة «ربط» في سبتمبر/أكتوبر1982‌(مهر 1361 هـ.ش) و تقع «ربط» على بُعد خمسة عشر كيلومترًا من «سردشت» و على طريق «سردشت–مهاباد»[17]، كذلك عملية «الجهاد» في مايو/يونيو 1983‌(خرداد 1362 هـ.ش.) في غرب قضاء «سردشت».[18]

من بين تلك العمليات:عملية «الشهيد أحمد صفرزاده» في مارس 1984 (فروردین 1363هـ.ش) في المنطقة الحرجية «ملكاري» الواقعة بين طريق «سردشت–مهاباد»[19]،عملية «نصر5» في يوليو 1987‌(تیر 1366هـ.ش.) في جنوب غرب«سردشت»[20]عملية «نصر 7» في يوليو/أغسطس 1987‌(مرداد 1366 هـ.ش.) على بُعد اثني عشر كيلومترًا جنوب «سردشت»[21] و غيرها من العمليات.

يُعدّ القصف الكيميائي لهذه المدينة من أبشع و أمرّ حوادث الحرب المفروضة. ففي 28 يونيو 1987(7 تیر 1366 هـ.ش) أقدم النظام البعثي على قصف «سردشت» بستّ طائرات عسكرية مستخدما قنابل كيميائية من غازي الخردل و الموستارد. قد وقع هذا القصف في أربع نقاط رئيسية مكتظّة داخل المدينة، إضافةً إلى نقطتين في محيطها.[22]كانت هذه الحادثة أول مرة بعد الحرب العالمية الثانية تُقصف فيها مدينة سكنية بالأسلحة الكيميائية. نظرًا لعدم جاهزية وحدات حرس الثورة الإسلامية و الجيش و كذلك الأجهزة الحكومية و المراكز العلاجية وعدم امتلاكها القدرة اللازمة للتعامل مع هذه الكارثة، واجه علاج الجرحى و المصابين صعوبات و نواقص كبيرة. قد أسفر هذا الهجوم عن استشهاد أكثر من مئة من أهالي «سردشت» و إصابة مئات آخرين.[23]

و أدّى تجاهل المنظمات الدولية و الهيئات العالمية المعنية بحقوق الإنسان إلى تأسيس منظمة غيرحكومية عام 2002 ‌(1381هـ.ش.) تحت عنوان «جمعية الدفاع عن حقوق مصابي الأسلحة الكيميائية في سردشت». تسعى هذه الجمعية، من خلال تقديم الوثائق و المستندات المتعلقة بضحايا و مصابي هذه الفاجعة، إلى حشد تضامن و تعاطف شعوب العالم معها.[24]

في 28 یونيو 2005 ‌(7 تیر 1384 هـ.ش) و بمناسبة الذكرى السنوية لهذه الحادثة، أُطلق اسم «هيروشيما» على أحد شوارع المدينة تخليدًا لذكرى القصف الذريّ لتلك المدينة و بعد فترة وجيزة قامت «اليابان» تعبيرًا عن تضامنها مع الشعب الإيراني، بتسمية أحد شوارع مدينة «هيروشيما» باسم «سردشت».[25]خلال ثماني سنوات الحرب المفروضة، بلغ عدد شهداء هذا القضاء 658 شهيدًا.[26].تمّ تشييد نُصب تذكار شهداء قصف «سردشت» الكيميائي عند مدخل المدينة.


[1] . حکمت، ریزان؛ ملائی توانی، علیرضا، تاریخ شفاهی بمباران شیمیایی سردشت (التاريخ الشفوي لقصف «سردشت» الكيميائي). طهران: معهد العلوم الإنسانية و الدراسات الثقافية، 2014 (1393 هـ.ش)، ص3.

[2] . حیدری، زهرا، «سردشت»، طهران: مؤسسة حفظ آثار و نشر قيم الدفاع المقدس، ص18.

[3] . مركز الإحصاء الإيراني، النتائج التفصيلية للتعداد العام للسكان و المساكن 2016(1395ه.ش)، طهران: العلاقات العامة و التعاون الدولي لمكتب رئاسة مركز الإحصاء الإيراني، 2018(1397 هـ.ش)، ص49.

[4] . المصدر نفسه، ص12 و13.

[5] . حکمت، ریزان؛ ملائی توانی، علیرضا، تاریخ شفاهی بمباران شیمیایی سردشت (التاريخ الشفوي لقصف «سردشت» الكيميائي)، ص20 و21.

[6] . حیدری، زهرا، «سردشت»، ص25.

[7] . صادقی، رضا، اطلس راهنما12: آذربایجان‌غربی در جنگ با ضدانقلاب و دفاع مقدس (أطلس راهنما12: أذربيجان الغربية في الحرب ضدّ الثورة و الدفاع المقدس). طهران: مركز دراسات و بحوث الدفاع المقدّس لحرس الثورة الإسلاميّة ، 2012 (1391 هـ.ش)، ص66.

[8] . حیدری، زهرا،«سردشت» ص34 و36.

[9] . المصدر نفسه، ص41.

[10] . المصدر نفسه، ص42 و 44؛ صادقی گویا، علی. عملیات شیندرا (عملية شيندرا). طهران: هيئة معارف الحرب، 1997 (1376 هـ.ش)، ص54.

[11] . جهانگشته، مریم، ناگهان جنگ: بر اساس خاطرات سردار محمد غفاری (فجأة الحرب: استناداً إلى مذكّرات القائد «محمد غفاري»). مشهد: طنين قلم، 2015 (1394 هـ.ش)، ص143 و144.

[12] . المصدر نفسه، ص153 و154.

[13] . حیدری، زهرا، «سردشت»، ص55.

[14] . صادقی، رضا، أطلس راهنما12، ص66.

[15] . حیدری، زهرا،«سردشت»، ص63 و65.

[16] . المصدر نفسه، ص59 و71.

[17] . صادقی، رضا، أطلس راهنما12، ص118.

[18] . المصدر نفسه، ص150.

[19] . المصدر نفسه، ص134.

[20] . المصدر نفسه، ص138.

[21] . المصدر نفسه، ص184.

[22] . حیدری، زهرا،«سردشت»، ص83.

[23] . صادقی، رضا،أطلس راهنما12، ص170.

[24] . حکمت، ریزان؛ ملائی توانی، علیرضا، تاریخ شفاهی بمباران شیمیایی سردشت (التاريخ الشفوي لقصف سردشت الكيميائي)، ص 66 و67.

[25] . حیدری، زهرا، سردشت (سردشت)، ص42 و43.

[26]. أرشيف الموسوعة الإلكترونية للدفاع المقدس، الوثيقة رقم 10ـ00ـ1367، عدد الشهداء حسب مكان الملف.