المفاهيم والمصطلحات
اتفاق الجزائر 1975
مرضیه عابدینی
7 Views
عُقِد «اتفاق الجزائر» عام 1975 في 6 مارس 1975م (15 اسفند 1353هـ.ش) بشأن ملكية مياه «الأروندرود» (شط العرب)، بوساطة رئيس جمهورية الجزائر، بين «إيران» و «العراق». في عام 1980م (1359هـ.ش)، قام «صدّام» بتمزيق الاتفاق أمام أنظار مشاهدي التلفاز بالتزامن مع هجومه على «إيران».
تعود جذور الخلافات بين البلدين الجارين «إيران» و «العراق» إلى الماضي البعيد و يمكن عدّ قضية "الأروندرود" (شط العرب)، الخلافات الأيديولوجية و العلاقات مع القوى العظمى، النزاعات الحدودية، التنافس بين البلدين في «الخليج الفارسي»، الأقليات القومية و «الأكراد» من أبرز أسبابها، والتي أدّت إلى إبرام الاتفاقيات التالية في مراحل مختلفة:
1. اتفاق عام 1639م (1018هـ.ش) بين دولتي «الصفويين» و «العثمانيين» الذي حدّد الحدود بين البلدين بشكل غامض و غير واضح..
2.معاهدة عام 1746م (1125 هـ.ش) بين «نادر شاه أفشار» و «سلطان عثماني»، والتي كرّرت نفس الغموض الذي اتسمت به اتفاقية الدولة «الصفوية» و «العثمانية».
3.معاهدة صلح «أرضروم» التي وُقّعت عقب حربَي عامي 1821-1823م (1200-1202 هـ.ش) و أكّدت شروط اتفاقية 1746م، لكنها لم تتمكّن من إنهاء النزاع الحدودي.
4.أُبرم الاتفاق الثاني لـ«أرضروم» في عام 1847م (1226 هـ.ش) بوساطة «بريطانيا» بين «إيران» و «الدولة العثمانية» و نصّ على تشكيل لجنة من ممثلي الطرفين لتحديد الخطوط الحدودية بدقة.
5. اتفاق 21 ديسمبر1911م (1290 هـ.ش) في «طهران» و اتفاق عام 1913م (1292هـ.ش) في "القسطنطينية" والذي بموجبه تولّت لجنة ترسيم الحدود المكوّنة من ممثلي «إيران»، «العثمانيين»، «روسيا» و «بريطانيا» مهمة تحديد الحدود.
6. اتفاق 4 يوليو1937م (1316 هـ.ش)، حيث ادّعى "العراق" آنذاك أنّه استنادًا إلى الاتفاق الثاني لـ«أرضروم»عام 1847م و بروتوكولي 1911و1913، قد تمّ الاعتراف بسيادة الدولة العثمانية على «الأروندرود» (شط العرب). في المقابل، أعلنت «إيران» أنّ اتفاق «أرضروم» و البروتوكولات المذكورة غير معتبرة.
بموجب اتفاق 1937م، تخلّى «العراق» أخيرًا عن ادّعاء السيادة الكاملة على «الأروندرود» (شط العرب) واتفق البلدان على أن تكون الحدود وفقًا لما ورد في بروتوكول «القسطنطينية» عام 1913 و مذكّرات لجنة الحدود عام 1914.غير أنّ اتفاق 1937، بسبب تركيزه على الجوانب الفنية و القانونية للنزاع، لم يتمكّن من حلّ الخلافات الحدودية بشكل نهائي و ظلّ مجالًا للغموض و التفسيرات المختلفة.[1]
في عام 1957م (1336 هـ.ش)، اتفق رئيسا وزراء «إيران» و «العراق» خلال مفاوضات في «كراتشي» على الاستعانة بمحكّم سويدي لإنهاء خلافاتهما الحدودية، غير أنّ وقوع الانقلاب في «العراق» أدّى إلى توتّر العلاقات بين البلدين.[2]
أدّى انقلاب يوليو 1958م (1337هـ.ش) في «العراق» الذي أوصل «عبد الكريم قاسم» إلى السلطة، إلى زعزعة حالة السكون و التوازن في العلاقات بين «إيران» و«العراق» والتي كانت ناجمة أساسًا عن تشابه النظامين الملكيين، فكشف التناقضات الكامنة و أحيانًا زادها حدّة و أدّى إلى اندلاع اشتباكات حدودية محدودة. مع وصول «عبد الرحمن عارف» إلى الحكم، شهدت العلاقات بين «إيران» و «العراق» تحسّنًا نسبيًا، لكن هذا الوضع لم يستمر طويلًا حتى وصول الحكم البعثي اليساري إلى السلطة في «بغداد» في يوليو 1968م (1347 هـ.ش)».[3]
مع تولّي حزب «البعث» و الرئيس «حسن البكر» السلطة في «العراق»، الذي كان يدّعي قيادة العالم العربي، ازدادت الأمور تعقيدًا. فقد زعم «العراق» أنّ «الأروندرود» (شط العرب) تابع له و أنّ جزر «تنب الكبرى»، «تنب الصغرى» و «أبو موسى» تابعة للعالم العربي.[4]
كانت العلاقات بين «إيران» و «العراق» خصوصًا في سبعينيات و ثمانينيات القرن العشرين تحت تأثير سياسات القوى العظمى في المنطقة. فقد وضعت تبعية «إيران» لـ«الولايات المتحدة» في عهد «الشاه محمد رضا بهلوي» البلاد في معسكر الغرب، بينما كان «العراق» يزداد تقرّبًا من «الاتحاد السوفيتي».
و في عامي 1972 و1973م (1351 و1352 هـ.ش)، وقعت اشتباكات دموية في المناطق الحدودية بين «إيران» و«العراق».على إثر ذلك، طلب «العراق» في فبراير 1974م (1352بهمن هـ.ش) عقد جلسة عاجلة لمجلس الأمن الدولي للنظر في شكوى الحكومة العراقية. بعد عقد جلسات متعددة، أعلن «مجلس الأمن» أنّه، لمعالجة الأزمة و بناءً على اتفاق الطرفين المتنازعين،سيُوفد ممثلًا خاصًا عن الأمين العام للأمم المتحدةإلى الموقع.أدّت المهمة الناجحة لـممثل الأمم المتحدة إلى وقف إطلاق النار في 7 مارس 1974م (16 اسفند 1352هـ.ش) بين «إيران» و«العراق».[5]
عُقد مؤتمر قمة الدول الأعضاء في منظمة الدول المصدّرة للنفط (أوبك)» من 4 إلى 6 مارس 1975م (اسفند 1353 هـ.ش) في «الجزائر» و قد أتاح فرصة بوساطة «هواري بومدين»، رئيس جمهورية «الجزائر»، لعقد لقاء بين «محمد رضا شاه إيران» و «صدّام حسين» نائب رئيس جمهورية «العراق». بعد المفاوضات، أُعلن عن اتفاق عام بين البلدين لحل الخلافات وفق البنود التالية:
1.يحدّد الطرفان حدودهما البرية استنادًا إلى بروتوكول «القسطنطينية» لعام 1913م (1292هـ.ش) و محاضر جلسات عام 1914م (1293 هـ.ش).
2. يحدّد الطرفان حدودهما المائية وفقًا لخط «التالوِغ»(خط القعر).
3. بهذا الشكل، سيُقيم البلدان الأمن و الثقة المتبادلة على امتداد حدودهما المشتركة و يتعهّدان بممارسة رقابة دقيقة و فعّالة على حدودهما لمنع أي تسلّل أو اختراق ذي طابع تخريبي.
.4 تُعتبر هذه البنود عناصر غير قابلة للتجزئة و هي حلّ شامل و أي خرق لأي من هذه البنود يُعدّ مخالفًا لروح اتفاق «الجزائر».[6]
عقب هذا الاتفاق، اجتمع «عباس علي خلعتبري» وزير خارجية إيران و «سعدون حمادي» وزير خارجية العراق بحضور «عبد العزيز بوتفليقة» وزير خارجية الجزائر في «طهران» بتاريخ 15 مارس 1975م (24 اسفند 1353 هـ.ش). و أسفر هذا الاجتماع و الجلسات اللاحقة في «بغداد» و«الجزائر» عن توقيع معاهدة بتاريخ 13 يونيو 1975م (23 خرداد 1354 هـ.ش) بشأن الحدود الدولية و حسن الجوار بين «إيران» و«العراق»، إضافة إلى ثلاثة بروتوكولات مرفقة، أنهت الخلافات الحدودية بين الدولتين حول الحدود البرية و المائية.[7]
بعد «اتفاق الجزائر»، بلغت العلاقات بين البلدين ذروتها؛ إذ قام «أمير عباس هويدا»رئيس وزراء إيران بزيارة «العراق» في أبريل 1975م (فروردين 1354 هـ.ش)، كما زار «صدّام حسين»، نائب رئيس جمهورية «العراق»، «إيران» في مايو 1975م (اردیبهشت 1354هـ.ش) و أعرب الطرفان عن ارتياحهما لتنفيذ بنود اتفاق «الجزائر» بهدف إنهاء الخلافات العالقة بينهما، الحفاظ على الروابط الدينية و التاريخية و علاقات حسن الجوار و توسيع هذه العلاقات في مختلف المجالات بما يحقق مصلحة البلدين.[8]
كان كلا القوتين العظميين «الولايات المتحدة» و «الاتحاد السوفيتي» يرغبان في إنهاء الخلافات بين «إيران» و«العراق». فقد كان شبح توقف تصدير نفط «الخليج الفارسي» من العوامل التي دفعت «الولايات المتحدة» باستمرار إلى انتهاج سياسة تخفيف التوتر في المنطقة. من جهة أخرى، فإن التوصل إلى اتفاق بين «إيران» و «العراق» شجّع حكومة «بغداد»، التي كانت تسعى للخروج من العزلة السياسية و لعب دور أكثر فاعلية في العالم العربي، على الابتعاد عن «الاتحاد السوفيتي و كان هذا دافعًا مهمًا جعل «الولايات المتحدة» ترحّب بحل الخلافات بين البلدين. أما «الاتحاد السوفيتي»، فكانت له علاقات عسكرية و اقتصادية واسعة مع «العراق» و علاقات ودّية مع شاه «إيران» و كان أي صدام بين البلدين يضعه في موقف صعب.
من الناحية الإقليمية، كان كلا البلدين يرغبان في تنفيذ طموحاتهما الكبرى؛ فقد كان شاه «إيران» يطمح إلى لعب دور القوة المهيمنة في المنطقة و شرطي «الخليج الفارسي» ليكون عامل استقرار، بينما كان «العراق» يرى أنّ إنهاء خلافاته القديمة مع «إيران» يساعده في أداء دور قيادة العالم العربي.
أدّى وقوع الثورة الإسلامية في إيران عام 1979م (1357هـ.ش) إلى قلب موازين القوى ليس فقط في الشرق الأوسط بل في العالم بأسره و واجهت القوى الكبرى مشكلات و تحديات جديدة دفعتها في النهاية إلى التخطيط لإزالة النظام الإسلامي الجديد في «إيران». كما أنّ «صدّام حسين»، الذي تلقّى أخبارًا مبالغًا فيها و غير صحيحة عن ضعف وعدم كفاءة جيش الجمهورية الإسلامية الإيرانية و كان على علم بمحدودية تجهيزاته العسكرية، أقدم على إلغاء اتفاق «الجزائر1975» من جانب واحد و هو الاتفاق الذي كان قد وقّعه باسم «العراق»، واعتدى على «إيران». [9]
في 17 سبتمبر 1980م (26 شهریور 1359 هـ.ش)، أي قبل خمسة أيام من الغزو الرسمي لـ«العراق» لأراضي «إيران»، حضر «صدّام حسين» جلسة استثنائية لـ«المجلس الوطني العراقي» و قال: «أعلن أمامكم أنّنا نعتبر اتفاق السادس من مارس 1975 الجزائر ملغى بالكامل و سيتخذ مجلس قيادة الثورة قراره بهذا الشأن». بعد هجوم القوات العسكرية العراقية على «إيران»، مزّق «صدّام حسين» هذا الاتفاق أمام أنظار مشاهدي التلفاز و أعلن: «هذا الاتفاق يعود إلى زمن كنّا فيه ضعفاء، أما الآن فنحن أقوياء و لسنا بحاجة إليه».
[1]. دلدم، اسکندر، جنگ ایران و عراق به انضمام تاریخ معاصر عراق و روابط با ایران (الحرب الإيرانية‑العراقية مرفقة بالتاریخ المعاصر للعراق و العلاقات مع إيرن)، طهران: اقبال، 1983 (1362 ه.ش)، ص21 و22 و23.
[2]. بهروزی، فرهاد، تقویم تاریخ دفاع مقدس (آخرین روزهای صلح) (تقویم تاریخ الدفاع المقدس: الأیام الأخیرة للسلام)، طهران: مركز وثائق الثورةِ الإسلاميّة، 2005 (1384 ه.ش)، ص24.
[3]. دلدم، اسکندر، الحرب الإيرانية‑العراقية مرفقة بالتاریخ المعاصر للعراق و العلاقات مع إيران، ص21.
[4] . شیرعلینیا، جعفر، دائرةالمعارف مصور تاریخ جنگ (الموسوعة المصورة لتاریخ الحرب، طهران: سایان، ط2، 2013 (1392 ه.ش)، ص20.
[5]. دلدم، اسکندر، الحرب الإيرانية‑العراقية مرفقة بالتاریخ المعاصر للعراق و العلاقات مع إيران، ص21 و26 و27.
[6] . بهروزی، فرهاد، تقویم تاریخ الدفاع المقدس: الأیام الأخیرة للسلام، ص25 و26.
[7] . دلدم، اسکندر، الحرب الإيرانية‑العراقية مرفقة بالتاریخ المعاصر للعراق و العلاقات مع إيران، ص28.
[8] . بهروزی، فرهاد، تقویم تاریخ الدفاع المقدس: الأیام الأخیرة للسلام، ص26.
[9] . دلدم، اسکندر، الحرب الإيرانية‑العراقية مرفقة بالتاریخ المعاصر للعراق و العلاقات مع إيران، ص28–31.

