المفاهيم والمصطلحات
الاختلافات التاريخيّة
نرگس کرمی
30 Views
تُطلق «الاختلافات التاريخية» على المنازعات التي تضرب جذورها في العلاقات المتراكمة عبر قرون و تتولّد من التباينات القومية و الإثنية و الثقافية و الاجتماعية و الدينية ـ المذهبية و السياسية و الاقتصادية و الاستراتيجية. بدأت الحرب العدوانية التي شنها العراق ضد إيران، بذريعة الخلافات التاريخية بين البلدين من قبل النظام البعثي.
و تُعدّ الاختلافات التاريخية من أبرز العوامل الممهّدة للحروب الكبرى في العالم و غالباً ما تتّسم هذه المنازعات بطابع سياسي و ثقافي، بحيث يتعذّر حلّها عبر القواعد القانونية البحتة. بل إنّ تسويتها تتمّ من خلال قواعد أخرى، كالمصالح السياسية، العدالة و الإنصاف، مراعاة مصلحة طرف أو طرفين و من خلال آليات غير قانونية مثل: التفاوض الدبلوماسي، المشاورة، المساعي الحميدة، الوساطة، التحقيق و التقصّي، المصالحة و التسوية.
كانت الحرب المفروضة التي شنّها العراق على إيران من بين هذه الحروب، حيث شنها النظام البعثی بذريعة عدم حل الخلافات التاريخية بين البلدين و هي خلافات تعود جذورها إلى ظهور الإمبراطوريتين العثمانية ذات المذهب السنّي و الصفوية ذات المذهب الشيعي، في أوائل القرن الخامس عشر الميلادي (القرن العاشر الهجري.[1]
في عام 1502م (880هـ.ش) أسّس الشاه «إسماعيل الصفوي» دولة مستقلّة و أنشأ سلالة «الصفويين» بعد إسقاطه الحُكومات المحليّة. قد أثار هذا الأمر غضب الدولة العثمانية التي كانت آنذاك قد مدّت نفوذها شرقاً حتى آسيا الوسطى. منذ ذلك الحين اندلعت الحروب بين إيران و العثمانيين؛ فكان العثمانيون أحياناً يحقّقون الغلبة و يحتلّون أجزاء من الأراضي الإيرانية و في أحيان أخرى كان الإيرانيون يستولون على أراضيهم.[2]
استمرّت الخلافات بين الإمبراطوريتين الإيرانيّة و العثمانيّة نحو أربعة قرون كاملة، حتى نهاية الحرب العالميّة الثانية و قد خلّفت هذه الحروب و الاشتباكات خلال أربعمئة عام، أكثر من ثماني عشرة معاهدة صلح و عدداً من البروتوكولات الحدودية. غير أنّ جميع تلك المعاهدات لم تُفلح في إرساء السلام أو تحقيق الاستقرار في علاقات إيران و العثمانيين. أما الخلافات بين البلدين، التي استمرت لقرون، فقد ورثتها جمهورية العراق مع تفكك الإمبراطورية العثمانية و تأسيس دولة العراق.
و في أحد تلك الاتفاقات و هو بروتوكول عام 1913م (1292هـ.ش) الذي فُرض على إيران بتدخّل مباشر و نفوذ واسع من بريطانيا و روسيا، تمّ وضع نهر أروندرود (شطّ العرب) و جميع جزره تحت سيادة الدولة العثمانية. نظراً لكون هذا البروتوكول مفروضاً و مجحفاً بحقوق إيران في «أروندرود» فقد طالبت إيران منذ اللحظات الأولى لتأسيس الدولة العراقية، بحلّ النزاعات الحدودية و بالاعتراف بحقوقها المشروعة في هذا النهر و تحدید خطّ التالوگ (خط القعر) بوصفه الحدّ النهري الفاصل بين البلدين.
كما أعلنت إيران بطلان بروتوكول 1913م و محاضر جلساته المرفقة، باعتبار أنّ الدولة التركيّة (وريثة الدولة العثمانية) قد ألغته من جهة و من جهة أخرى لعدم المصادقة عليه في البرلمان الإيراني. بناءً على ذلك، علّقت إيران اعترافها الرسمي بدولة العراق على شرط قبول العراق بحقوق إيران في «أروندرود».
تجاهل العراق مطالب إيران و واصل سياسة الماضي، إلى أن قدمت الحكومة البريطانية ضمانات لإيران، خشيةً على أمن مصالحها في المنطقة، بأنها ستساعد الحكومة الإيرانية على الوصول إلى حقوقها في حال اعترافها بحكومة العراق و بالفعل اعترفت الحكومة الإيرانية آنذاك باستقلال العراق، غير أنّ تلك الوعود لم تتحقّق، واشتدّت حدّة الخلافات بين البلدين أكثر ممّا كانت عليه سابقاً.[3]
في تلك المرحلة و خلال السنوات اللاحقة، تبادلت الدولتان مذكّرات شديدة اللهجة. فقد كان العراق يعُدّ نهر «أروندرود» ملكاً خالصاً له، بينما لم تكن إيران تقبل بالاتفاق الذي فُرض عليها قبل قرنٍ من الزمان. على أثر هذه التوتّرات، قدّم العراق عام 1934م (1313ه.ش) شكوى ضدّ إيران إلى عصبة الأمم و قد اقترحت العصبة أن يبذل الطرفان جهودهما لحلّ الخلاف عبر المفاوضات المباشرة و بناءً على ذلك، بدأت بين إيران و العراق مفاوضات في طهران و بغداد لتحديد الحدود البرية و النهرية بين البلدين بدقّة.إلا أن هذه الجلسات أيضاً ظلت غير مكتملة و دون نتائج، بسبب اعتراض إيران على إصرار العراق على حضور ممثل بريطاني في الاجتماعات.[4]
و مع سقوط النظام الملكي في العراق إثر انقلاب 14 يوليو 1958م (23 تیر 1337ه.ش) و وصول القوميين إلى السلطة، عادت الخلافات العقائدية بين إيران و العراق إلى الواجهة من جديد و قد لجأت الحكومة العراقية الجديدة إلى الذرائع التاريخية لإثبات سيادتها على «خوزستان» و«أروندرود» و بدأت عمليّات التضييق على الشيعة و الإيرانيين المقيمين في العراق و استمرّ هذا النهج بعد انقلاب حزب البعث في يوليو 1968م (1347ه.ش).
في النصف الأول من عقد السبعينيات و بعد انسحاب القوات البريطانية من الخليج الفارسي و تولي الشاه الإيراني دور شرطي المنطقة، وقفت الحكومة البعثية موقفًا معارضًا إزاء هذه التطورات.تصاعدت الخلافات تدريجياً حتى بلغت حدّ الاشتباك الحدودي بين الطرفين في ديسمبر 1971م (آذر 1350ه.ش) و على إثر ذلك، قدّم النظام البعثي شكوى إلى مجلس الأمن، فأصدر المجلس القرار 348 الذي دعا الطرفين إلى التفاوض للوصول إلى اتفاقٍ شامل و بعد عدّة جولات من المفاوضات بين الممثلين السياسيين للبلدين، تمّ أخيراً إبرام معاهدة الحدود الدولي و حسن الجوار بين إيران و العراق.[5]
إنّ من أبرز بنود ذلك القرار كان الالتزام بوقف إطلاق النار، سحب القوات من حدود الطرف الآخر و إجراء مفاوضات للوصول إلى اتفاق شامل. لتنفيذ القرار، عقد وزراء خارجية إيران و العراق في سبتمبر 1974م (شهریور1353ه.ش) مفاوضات في «إسطنبول»، غير أنّها لم تُسفرعن نتائج إيجابية. لكنّ الجمود لم يدم طويلاً، ففي مارس 1975م (اسفند 1353ه.ش) و بوساطة «هواري بومدين» رئيس الجزائر آنذاك، وقّع الجانبان في 6 مارس 1975م (15 اسفند 1353ه.ش) بياناً عُرف لاحقاً باسم بيان «الجزائر».
بموجب هذا البيان، جرى شكلياً حلّ جميع الخلافات بين البلدين و اعترفت الحكومة العراقية بعد سنواتٍ طويلة بحقوق إيران في «أروندرود». بعد توقيع البيان، شهدت العلاقات الإيرانية ـ العراقية تحسّناً ملحوظاً و بذل الطرفان جهوداً واسعة لتعزيز علاقاتهما.[6]
و بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، سارع النظام البعثي إلى الاعتراف بالحكومة الإيرانية الجديدة، معلناً رغبته في حسن الجوار و تعزيز العلاقات الودية. ولكن بعد أقل من شهرين، اتخذت تدريجياً موقفًا عدائيًا و بدأت بالتدخل في الشؤون الداخلية الإيرانية من خلال طرح مزاعم حول الخليج الفارسي، مثل الادعاء بتحقيق حقوق العرب و إعلان دعمها لأنشطة الأقليات العرقية الإيرانية بهدف الحصول على الحكم الذاتي.
لقد تجاهل العراق عمليًا التزاماته بموجب بيان «الجزائر» من خلال إجراءات مثل تسليح و تسلل العناصر المناهضة للثورة إلى إيران و خاصة في «خوزستان» و طرد الآلاف من الشيعة العراقيين و إجبارهم على العودة إلى إيران بحجة أنهم من أصل إيراني.
قد أدّت مخالفة العراق لبنود البيان، مثل التأكيد على حسن الجوار، الحفاظ على أمن الحدود و عدم التدخل في الشؤون الداخلية لبعضهما البعض، أدى إلى تدهور العلاقات بين البلدين.
في سبتمبر1980م (شهریور 1359ه.ش) أقدم النظام البعثي على احتلال منطقتي «زینالقوس» و«سیف سعد» (خانليلي و ميمك) و في 17 سبتمبر 1980م (26 شهریور 1359ه.ش) و بذريعة انتهاك إيران لاتفاقية 1975(1353ه.ش) أعلن العراق، مخالفًا بذلك المبادئ و المعايير الدولية، بطلان هذه المعاهدة و أعلن سيادته على كامل «أروندرود» و بعد أسبوعٍ واحد، أي في 31 شهریور 1359ه.ش (22 سبتمبر 1980م) شنّ العراق هجوماً واسعاً على طول الشريط الحدودي و استهدف القواعد الجوية و المطارات الدولية الإيرانية.
خلال الأسابيع الأولى من الحرب، احتلّ العراق مدن «خرمشهر»، «سوسنگرد»، «بُستان»، «مهران»، «دهلران»، «خسروي»، «قصرشيرين»، «هويزه»، «نفتشهر»، «موسيان» و «سومار» كما قصف جوّاً و بالمدفعية و الصواريخ مدناً مثل «آبادان»، «الأهواز»، «دزفول»، «شوش»، «انديمشك»، «سرپل ذهاب» و «إسلامآباد غرب».[7]
كما أَنّ السياسات الدولية المدعومة من الولايات المتحدة، من خلال تأييدها للعراق و إعلانها الحياد في الحرب، كانت من العوامل التي مهّدت لعدوان العراق على إيران. أمّا الاتحاد السوفيتي فأعلن الحياد ظاهرياً، لكنه قدّم دعماً للعراق في الواقع.[8]
و بدأ «صدّام حسين» رئيس العراق آنذاك، الحرب و هو يتخذ لنفسه لقب "قائد القادسية"، كان هدف النظام البعثي من اختيار لقب «قائد القادسية» هو إستحضار حرب العرب ضد الإيرانيين الزرادشتيين. كان صدّام يصف الإيرانيين دائماً بـ "المجوس" و يطلق على الحرب اسم "حرب العرب و المجوس" في محاولةٍ لاستقطاب الدعم العربي.[9]
و استمرت الجهود السياسية و الدعائية الواسعة للنظام البعثي طوال سنوات الحرب الثماني، بهدف تضخيم الخلافات التاريخية و القومية بين الشعبين الإيراني والعراقي.[10]
خلال سنوات الحرب، قدّمت المنظمات و الهيئات الدولية لإيران و العراق مقترحات تتعلّق بوقف إطلاق النار و الدخول في مفاوضات، إلّا أنّ موقف إيران تجاه أيّ مقترح لوقف إطلاق النار كان يقوم على تحديد المعتدي و إلزام العراق بدفع التعويضات.
في نهاية المطاف، اضطرّت إيران، نظرًا للضغوط السياسية و الاقتصادية و العسكرية الداخلية و الدولية، إلى قبول القرار 598 و وقف إطلاق النار في يوليو 1988م (تیر 1367ه.ش)، رغم أنّ هذا القرار لم يتضمّن ما يمكّنها من تحقيق جميع مطالبها.[11]
بعد عقود من التوتّر، الاشتباكات الحدودية، بل و الحرب بين إيران و العراق، جاء سقوط نظام «صدّام حسين» في الهجوم الأمريكي عام 2003م ليشكّل فرصة تاريخية لإقامة علاقات ودّية بين البلدين.
بعد سقوط نظام «صدّام» و تأسیس هيكل إدارة الحكم المؤقت، وضعت الحكومة الإيرانية سياستها على أساس انتقاد وجود المحتلين الأمريكيين و التواصل مع الفصائل الشعبية في العراق.
و على خلاف معظم الدول العربية، أقرّت إيران بالحكومة المؤقتة و كانت أول دولة من جيران العراق تعترف بـ«مجلس الحكم الانتقالي» الذي تأسس عام 2003م و تمثّلت سياستها العامة في دعم هذا المجلس و انتقاد استمرار وجود القوات المحتلّة في العراق.
و بعد فوز الشيعة في الانتخابات البرلمانية لعام 2004م و تشكيل الحكومة المؤقتة برئاسة «إبراهيم الجعفري» زعيم حزب الدعوة، أصبحت الظروف مهيّأة أكثر لرفع مستوى العلاقات السياسية بين البلدين.[12]
و اليوم، تحتاج إيران والعراق، لأسباب أمنية و اقتصادية، إلى إقامة علاقة مستقرة. على الرغم من استمرار الخلافات بين البلدين، يدرك العراقيون أنّ أهم ما قامت به إيران في السنوات الأخيرة هو مساعدة العراق على تحرير جزء كبير من أراضيه من سيطرة تنظيم داعش و هذا يُعدّ من أهم أسباب ترحيب العراقيين بإقامة علاقة ودّية مع إيران.[13]
[1] . دائرة المعارف للدفاع المقدّس، ج1، طهران: مركز دائرة المعارف، مركز بحوث علوم و معارف الدفاع المقدّس، 2010 (1389ه.ش)، ص 370.
[2] . مفيد، عبد الحسين، سابقه تاریخی اختلافات ایران و عراق(الخلفية التاريخية لخلافات إيران و العراق)، طهران: جيش جمهورية إيران الإسلامية، هيئة معارف الحرب، 2006 (1385ه.ش)، ص 1.
[3] . مجلة التاريخ السياسي و الاجتماعي لإيران المعاصرة، السنة الأولى، العدد 1، سبتمبر 2002 (مهر1381ه.ش)، ص 22–23.
[4] . مفيد، عبد الحسين، سابقه تاریخی اختلافات ایران و عراق(الخلفية التاريخية لخلافات إيران و العراق)، ص 5.
[5] . دائرة المعارف للدفاع المقدّس، ص 375.
[6] . يكتا، حسين، جنگ ایران و عراق (1): اختلافات تاریخی،(حرب إيران و العراق (1): الخلافات التاريخية)، ص 27.
[7] . مفيد، عبد الحسين، سابقه تاریخی اختلافات ایران و عراق(الخلفية التاريخية لخلافات إيران و العراق)، ص 13–14.
[8] . درويشي، فرهاد، تجزیه و تحلیل جنگ ایران و عراق ج1: ریشههای تهاجم(تحليل حرب إيران و العراق، ج1: جذور الهجوم)، طهران: مركز دراسات و بحوث الحرب التابع للحرس الثوري الإسلامي، 1999 (1378ه.ش)، ص 24 و27.
[9] . درويشي، فرهاد، جنگ ایران و عراق: پرسشها و پاسخها(حرب إيران و العراق: أسئلة و أجوبة)، طهران: مركز دراسات و بحوث الحرب التابع للحرس الثوري الإسلامي، 2007 (1386ه.ش)، ص 30.
[10] . دائرة المعارف للدفاع المقدّس، ص 376.
[11]. درويشي، فرهاد، جنگ ایران و عراق: پرسشها و پاسخها (حرب إيران و العراق: أسئلة و أجوبة)، ص 228–230.
[12] . صحيفة «اعتماد»، العدد 1100، 30 أبریل 2006 (10 اردیبهشت 1385ه.ش)، ص 3.
[13] . صحيفة «دنياي اقتصاد»، العدد 4573، 18 مارس 2019 (27 اسفند 1397ه.ش)، ص 2.

