العمليات
علمية قادر
إعداد: ليلا خراساني فر
نقله إلى العربية: سيد محمود عربي
22 Views
انطلقت عملية "قادر" الهجومية واسعة النطاق في تاریخ 14 يوليو 1985، تحت نداء ورمز "يا صاحب الزمان (عج)"، وبقيادة مباشرة من العميد علي صياد شيرازي، قائد القوات البرية للجيش آنذاك. شمل مسرح العمليات مناطق "أشنوية" داخل إيران ومحوري "أربيل" و"سيدكان" داخل العمق العراقي. نُفذت المناورة على ثلاث مراحل أساسية (قادر 1، 2، و3) واستمرت حتى 12 سبتمبر 1985، تلتها مرحلة دفاعية وتثبيت مواضع في 9 أكتوبر من العام نفسه.
عقب عملية "بدر" (مارس 1985) وتصعيد العدو لعمليات قصف المناطق السكنية، وُضِعت "العمليات المحدودة" في أولويات الخطط الحربية. وتمثلت الأهداف التعبوية في استنزاف معنويات قوات العدو، ورفع الكفاءة القتالية للقوات الصديقة، مع الحفاظ على زمام المبادأة في ميدان القتال. كما استهدفت العملية حرمان العدو من الوقت اللازم لإعادة التنظيم، وتوفير الفرصة لإعداد وتجهيز منطقة العمليات الرئيسية المرتقبة.
بناءً على ذلك، اقترح حرس الثورة الإسلامية عدة قواطع لتنفيذ عمليات محدودة، كان من بينها منطقة "سيدكان" العامة، والتي أُسندت مسؤولية إعدادها وتجهيزها إلى مقر "حمزة سيد الشهداء".[1] تُعد "سيدكان" منذ أمد بعيد معقلاً لنشاط قوات "بارزاني" المناهضة لنظام البعث العراقي،[2] حيث كانت المنطقة آنذاك تحت إمرة أبناء بارزاني، قيادات الحزب الديمقراطي الكردستاني العراقي.[3]
تقرر أن تشرع القوات الإيرانية بالسيطرة على مرتفعات "حسن بيك" و"قلندر" و"سر بيران" لفرض الهيمنة التكتيكية على مدينتي "سيدكان" و"مرگه سور"، مع السيطرة على مضيق "حسن علي بيك" الاستراتيجي. تمثلت الغاية من العملية في إيجاد آلية مستدامة لإدارة حرب العصابات والعمليات غير النظامية داخل العمق العراقي.
في أعقاب عملية "بدر" وتماشياً مع التطورات الميدانية، طرأ تحول جوهري على صيغة التعاون بين الحرس والجيش؛ حيث تقرر أن تقدم كل مؤسسة خططها العملياتية المستقلة إلى القيادة العليا للحرب. وبالرغم من المجهودات الكبيرة التي بذلها الحرس في قاطع "سيدكان"، فقد قررت القيادة العليا في يونيو 1985 إحالة مسؤولية الاستطلاع والإعداد في هذا القاطع إلى قوات الجيش، على أن يتم وضع "لواء الشهداء الخاص" تحت إمرتها لتنفيذ الهجوم التعرضي المرتقب.[4]
بناءً على هذا المخطط، أطلق الجيش الإيراني مسنوداً بوحدات من الحرس الثوري عملية "قادر" في 14 يوليو 1985، مستهدفاً تحقيق عدة غايات تعبوية تشمل: السيطرة على العوارض الجبلية الحاكمة في المنطقة، قطع خطوط الإمداد والاتصال التابعة للعناصر المناهضة للثورة، تدمير القوى البشرية للعدو، تحرير أجزاء من الأراضي العراقية، والاقتراب من المحاور اللوجستية الرئيسية للجيش العراقي. تولى العقيد علي صياد شيرازي القيادة الميدانية للعملية، والتي نُفذت عبر ثلاث مراحل هجومية أساسية أعقبتها مرحلة دفاعية وتثبيت المواقع.[5]
وقبيل ساعة الصفر، عقد صياد شيرازي اجتماعاً مع مسعود بارزاني وقادته لتقديم إيجاز عسكري حول مقتضيات العملية، مطالباً إياهم بتوجيه قواتهم ورفع جاهزيتها؛ حيث أكد بارزاني حينها أن سكان القرى في منطقة العمليات يقفون إلى جانبه، متعهداً بمسك الأرض والحفاظ على القاطع في حال تحريره.[6]
انطلقت المرحلة الأولى من عملية "قادر"، والمعروفة باسم "قادر 1"، في 14 يوليو 1985.[7] نفذ المجاهدون الإيرانيون في هذه المرحلة عملية نظامية في عمق 30 كيلومتراً داخل المناطق الجبلية العراقية عبر محور "كلاشين" المتاخم لخط حدود "أشنويه"، مما أدى إلى مباغتة الجيش العراقي وتدمير جزء من معداته واحتجاز عدد من الأسرى. وفي سياق تطوير الهجوم، تمكنت القوات الإيرانية من السيطرة على مرتفع "سربله" وجزء من مرتفع "کوشبند"، إلا أنها اضطرت للانسحاب من "کوشبند" تحت وطأة الضغط العسكري العراقي الكثيف، واتخذت وضعية دفاعية في مرتفعات "حصاردست".[8]
وفي عملية "قادر 2"، زجّ "لواء القدس" بقطعاته في 28 يوليو 1985 صوب مرتفعات "سرخيات" و"سرسکر". وفي الساعات الأولى من اليوم التالي، جرى تطهير عدد من الخنادق والتحصينات العراقية. أسفرت العملية عن السيطرة على مرتفعات "سرهويزه" و"سربله" و"أشنويه"، لكن القوات الإيرانية اضطرت للانسحاب في نهاية المطاف إثر تعرُّضها لهجوم مضاد عنيف من قِبل القوات العراقية.[9]
شنّ الجيش العراقي في 8 سبتمبر 1985 هجوماً مضاداً عنيفاً على محور "سرخيات"، وتمكن من السيطرة على هذه المرتفعات بعد اشتباكات استمرت عدة ساعات. في اليوم ذاته، انطلقت عملية "قادر 3" في محور مرتفعات "بوره بوك" الواقعة عند أقصى النقطة الحدودية الشمالية بين إيران والعراق. نُفذت العملية بتشكيل قتالي مشترك ضم فرقة "8 نجف أشرف" التابعة للحرس الثوري، واللواء المحمول جواً، والفرقة 23 (نوهد - القوات الخاصة والمظليين)، بالإضافة إلى لواء "الشهداء" الخاص واللواء الأول من الفرقة 77 مشاة (التابعة للجيش).
خلال هذه المرحلة، نجح المجاهدون الإيرانيون في التوغل داخل الأراضي العراقية والسيطرة على مساحة تزيد عن 45 كيلومتراً مربعاً. إلا أن القوات الإيرانية اضطرت للانسحاب في اليوم التالي نتيجة الهجمات المرتدة العراقية المكثفة. وفي نهاية المطاف، اختتمت عملية "قادر 3" في 12 سبتمر 1985 دون تحقيق النتائج المرجوة.[10] وعقب هذه المراحل الثلاث، انتقلت عملية "قادر" إلى وضعية الدفاع، لتنتهي هذه المرحلة كلياً في 13 نوفمبر 1985.[11]
في "عملية قادر"، تمت السيطرة على مرتفعات "حصاروست"، "بربزينروست"، "كارکزين"، "لولان"، "کردشوان" و"باشكين" وصولاً إلى عمق 35 كيلومتراً داخل الأراضي العراقية. وقد أصبحت مناطق واسعة من مدينتي "سيدكان" و"ديانا" وأكثر من عشر قرى ومجمعات سكنية تحت "السيطرة النارية" ومرمى بصر المقاتلين الإيرانيين، إلا أن المواقع التي تمت السيطرة عليها لم يتم تثبيتها. وبشكل عام، رغم نجاح القوات الإيرانية في تأمين بعض الأهداف في كل مرحلة من مراحل العملية، إلا أن عوامل عدة -من بينها "الهجمات المضادة" للعدو- حالت دون تحقيق نجاح كامل للعملية. بلغت خسائر القوات العراقية 2000 قتيل و3000 جريح و30 أسيراً. كما تم تدمير 6 طائرات، 3 مروحيات، 22 قطعة من المعدات المدرعة والهندسية، 274 آلية خفيفة وثقيلة، و25 مربض مدفعية عراقية.[12] أما في الجانب الإيراني، فقد استشهد 178 مجاهداً، وجُرح 428، وفُقد أثر 619 آخرين.[13] وقد نال "حسن آبشناسان"، أحد قادة الجيش ومصممي هذه العملية، وسام الشهادة في 30 سبتمبر 1985م.[14]
[1]فصلية "تاريخ جنگ "، مرکز مطالعات و تحقیقات جنگ (مركز الدراسات وبحوث الحرب)، السنة الثالثة، العدد 8، خريف 1994، ص 21-23.
[2] علائي، حسين، تاریخ تحلیلی جنگ ایران و عراق(التاريخ التحليلي لحرب إيران والعراق)، المجلد 2، طهران: دار "مرز وبوم"، 2016، ص 131.
[3] إنتصار، نادر، (ترجمة عرفان قانعي فرد)، سیاست کردها در خاورمیانه (سياسات الأكراد في الشرق الأوسط)، طهران: دار "علم"، 2011، ص 263.
[4] فصلية "تاريخ جنگ"، المرجع السابق، ص 23 و24.
[5] كامياب، محمد، عملیات قادر: تیرماه تا آبانماه 1364، منطقه عملیاتی شمالغرب (عملية "قادر": من تموز/يوليو إلى تشرين الثاني/نوفمبر 1985، القاطع العملياتي الشمالي الغربي)، طهران: "إيران سبز"، 2013، ص 24 و38.
[6] عملیات قادر و مدیریت مستقل ارتش در جنگ، پایگاه اطلاعرسانی پژوهشگاه علوم و معارف دفاع مقدس (عملية قادر والإدارة المستقلة للجيش في الحرب"، المنصة المعلوماتية لمعهد بحوث علوم ومعارف الدفاع المقدس،) ص 28؛ كامياب، محمد، المرجع السابق، ص 25.
[7] المرجع نفسه، ص 38.
[8] إيزدي، مصطفى؛ استكي، جواد؛ ياران، مسعود؛ تاریخ بیستساله پاسداری از انقلاب اسلامی در غرب کشور، ج5: تهاجم عراق و مقابله با متجاوزین (تاريخ عشرين عاماً من حراسة الثورة الإسلامية في غرب البلاد، المجلد 5: الغزو العراقي ومواجهة المعتدين)، طهران: مرکز مطالعات و تحقیقات توسعه امنیت پایدار (جامعة الإمام الحسين (ع)، كلية ومعهد بحوث القيادة والأركان والعلوم الدفاعية)، 2008، ص 323.
[9] عملیات قادر و مدیریت مستقل ارتش در جنگ (عملية قادر والإدارة المستقلة للجيش في الحرب)، المرجع السابق، ص 36-38.
[10] إيزدي، مصطفى (وآخرون)، المرجع السابق، ص 323 و324.
[11] كامياب، محمد، عملية "قادر"، ص 262.
[12] جعفري، مجتبى، اطلس نبردهای ماندگار: عملیات نیروهای زمینی در هشت سال دفاع مقدس شهریورماه 1359- مردادماه 1367. (أطلس المعارك الخالدة: عمليات القوات البرية في سنوات الدفاع المقدس الثماني (أيلول 1980 - آب 1988)، طهران: "سوره سبز"، الطبعة 35، 2004، ص 110 و112.
[13] إيزدي، مصطفى (وآخرون)، المرجع السابق، ص 324.
[14] عدالتخواه، فريبرز، زندگینامه شهید سرلشکر حسن آبشناسان. تهران: سازمان حفظ آثار و نشر ارزشهای دفاع مقدس ارتش جمهوری اسلامی ایران (سيرة الشهيد اللواء حسن آبشناسان، طهران: منظمة حفظ آثار وقيم الدفاع المقدس للجيش)، منشورات "آتشبار"، 2016، ص 66.

