الأماكن

جزيرة «مينو»

مرضیه عابدینی
14 Views

تُعدّ جزيرةُ «مينو» إحدى الجزر الإيرانية في الخليج الفارسي و تقع في الجنوب الغربي لإيران و بالقرب من مطار «آبادان». خلال فترة الحرب المفروضة، كانت وحدةُ الأسلحة التابعة لحرس الثورة الإسلامية في «آبادان» متمركزةً في هذه الجزيرة.

بحسب الوثائق التاريخية، فإن جزيرة «مينو» كانت منذ البداية تابعةً لإيران. كانت هذه الجزيرة قبل نحو ثلاثمائة عام مغمورة بالكامل بالمياه و تُعدّ جزءًا من قاع نهر«أروندرود». مع مرور الزمن، خرج نصف الجزيرة تدريجيًا من تحت الماء و خلال قرابة مئة عام أصبحت منطقةً مأهولة بالسكان و مزدهرة.[1] كانت تُعرف سابقًا باسم «جزيرة صَلبوخ» نسبةً إلى شخص يُدعى «حاج صَلبوخ» من عشيرة «آل بوفرهان» الذي كان يقيم فيها[2]، كان مركزها يُسمّى «مُعَمَّرِه». فيما بعد تغيّر اسم الجزيرة إلى «مينو» ثم إلى «مينوشهر»، كما أُطلق على مركز الناحية اسم «نوآباد».[3]

 كلمة «مينو» هي لفظٌ فارسيّ إيراني و تُعدّ هذه الجزيرة إحدى الجزر الإيرانية في الخليج الفارسي.[4]من حيث التقسيمات الإدارية، كانت جزيرة مينو سابقا تابعةً لقضاء «خرمشهر»، لكنها حاليًا تُعدّ من توابع قضاء «آبادان».[5]يبلغ عدد سكان الجزيرة نحو اثني عشر ألف نسمة و يعتنق سكان الجزيرة الدين الإسلامي على المذهب الشيعي و يتحدثون اللغة العربية.[6]

تزيد مساحة جزيرة «مينو» على ثمانية كيلومترات مربعة و يصل ارتفاعها عن مستوى نهر «أروندرود» إلى نحو عشرة أمتار. ترتبط الجزيرة بمدينة «آبادان» و«خرمشهر» عبر جسرٍ معدني يبلغ طوله 210 أمتار و عرضه ثمانية أمتار. قد أُنشئ هذا الجسر، الذي يتمتع بأهمية اتصالية كبيرة، في عام1970م(1349هـ ش).[7]

تجري في جزيرة «مينو» خمسة أنهار؛ اثنان منها يتفرّعان من نهر«جُرُف» و ثلاثة أخرى من نهر«أروندرود». يعمل سكان الجزيرة في الزراعة، صيد الأسماك و تربية المواشي. تغطي تربة الجزيرة ستّون نوعًا من أشجار النخيل و يُعدّ التمر المحصول الرئيس فيها. تُعدّ جزيرة «مينو» من المناطق القليلة في العالم التي يعمل فيها نظام الريّ بصورة طبيعية اعتمادًا على ظاهرة المد و الجزر و توفّر أشجار النخيل الكثيفة في الجزيرة نظامًا بيئيًا مناسبًا لعيش الطيور المهاجرة، كما تشكّل غابات القصب الكثيفة فيها ملاذًا للحيوانات البرّية و منها الخنازير البرّية. تصل درجة الحرارة في فصل الصيف إلى خمسين درجة مئوية.

بعد انتصار الثورة الإسلامية، قامت قوى المعادية للثورة بالتعاون مع مرتزقة حزب «البعث» العراقي، بتهريب الأسلحة من العراق عبر «أروندرود» و تسليح عناصره  و شرعت في تنفيذ أعمال تخريبية و عمليات اختطاف و قتل و مؤامرات. من ذلك أنّها في عام 1979م (1358هـ.ش) و خلال أيام شهر «محرّم» استهدفت مواكب عزاء أهالي الجزيرة بنيران أسلحتها و في خريف العام نفسه، استُشهد «رضا بندبهمن»، أوّل قائد لـ«لجنة الثورة الإسلامية» في «آبادان»، على يد عناصر تابعة للجماعة المسلّحة التي كان يقودها «الشيخ مكّي فيصلي» (و هو أحد شيوخ عرب «خرمشهر» و رئيس عشيرة «آل فيصل» و كان قد تعاون مع جهاز «السافاك» قبل الثورة و شغل عدّة دورات منصب نائب عن أهالي «خرمشهر» في مجلس الشورى الوطني).[8] قد لجأت هذه الجماعة، بعد انتصار الثورة الإسلامية، إلى حزب «البعث» و فرّت إلى العراق و نفّذت مرارًا عمليات تفجير في جزيرة «مينو» و «آبادان» و «خرمشهر»، ما أدّى إلى مقتل عددٍ كبير من المدنيين الأبرياء.[9]

قبلَ عدة أشهر من اندلاع الحرب، لجأَ ضابطُ اتصالات عراقي يُدعى «ابوعیاض» إلى حرس الثورة الإسلامية المتمركزة في جزيرة «مینو» و قد تمكّن بعد فكّ شيفرات أجهزة الاتصالات التابعة لـحزب البعث العراقي، من تزويد «ایران» بمعلومات كثيرة. كما كانت قوات الحرس في الجزيرة تُرسل تقارير عن إنشاء التحصينات المدرّعة، انتشار المدفعية و وسائل الإسناد الناري بعيدة المدى و تشكيلات هجوم القوات العراقية على الحدود، إلى حرس الثورة في «آبادان». كان «عبدالحسن بنادری»، قائد حرس الثورة في جزيرة «مینو» و «آبادان»، يسعى من خلال تقاريره إلى تنبيه قادة الجيش الإيراني و المسؤولين الحكوميين و منهم «ابوالحسن بنی‌صدر»، إلى أنّ الجيش العراقي يستعد لشنّ هجوم شامل.

في صيف عام 1980م (1359ه.ش) أطلقت عناصر معادية للثورة إحدى عشرة قذيفة هاون من بساتين النخيل في جزيرة «مینو» باتجاه مطار«آبادان» و في 23 أغسطس 1980م (1 شهریور 1359ه.ش)، قامت الشرطة العراقية باحتجاز زورق دورية إيراني في نهر«أروندرود» قرب الحدود المائية لجزيرة «مینو» و سُلّم طاقمه إلى جهاز أمن «بصرة».[10]

مع بدء الهجوم العراقي الشامل في 22 سبتمبر 1980م (31 شهریور1359ه.ش)، تقدّم القوات البرية المعادية على الحدود البرية في «شلمچه»، اضطرّ أهالي «شلمچه» إلى ترك منازلهم و ممتلكاتهم و لجؤوا إلى جزیره «مینو» حيث أُسكنوا في منازل سكّان قرى الجزيرة و مع تصاعد الغارات الجوية المعادية على المناطق السكنية في الجزير والتي أسفرت عن استشهاد و إصابة عددٍ كبير من النازحين و السكان، اضطرّ أهالي الجزيرة أيضًا إلى ترك منازلهم و مزارعهم.

احتلالُ جزيرة «مينو» لم يكن صعبًا على العدوّ، إلا أنّ البعثيين كانوا يعلمون أنّ الحفاظ عليها سيكون صعبًا جدًا و مكلّفًا من حيث الخسائر، لأنّ القوات المحليّة و حرس الثورة الإسلامية في «آبادان» كانوا يعرفون الجزيرة معرفةً تامّة و يستفيدون من الغطاء الكثيف لبساتين النخيل لضرب قوات البعث. بعد استكمال احتلال «خرمشهر» كان البعثيون ينوون نصب جسر بين أراضيهم و جزيرة «مينو» لإكمال حصار«آبادان»، لكنّ مقاومة مقاتلي الإسلام حالت دون ذلك.[11]

قد نُفّذت عملية «ظفر 2» في 7 يونيو 1985م (17 خرداد 1364ه.ش) في منطقة جزيرة «مينو»، حيث تقدّم مقاتلو إيران عبر نهر «أروندرود» إلى عمق مواقع قوات البعث و تمكّنوا من إلحاق خسائر كبيرة بهم. كما تمّ تدمير جميع التحصينات الفردية و الجماعية للعدوّ في المنطقة و تدمير جزء من معدّاته و أدواته. بعد هذه العملية الناجحة، عادت القوات الإيرانية سالمين إلى قواعدهم.[12]

خلال عملية «كربلاء 4» في يناير 1987م (دی 1365ه.ش)، كانت جزيرة «مينو» أحد المحاور العملياتية، حيث كانت نقاط الحراسة الحدودية في الجزيرة تتبادل إطلاق النار مع قوات العدو طوال الحرب الثمانية سنوات.

بعد انتهاء الحرب، عاد معظم الأهالي إلى الجزيرة، إلا أنّ تطهيرها من الألغام استمرّ حتى عقدين بعد الحرب. اليوم، تُعدّ جزيرة «مينو» منطقة سياحيةً جميلة في «آبادان» و تشكل جزءًا من المنطقة الحرة التجارية في نهر«أروندرود»[13] كما أنّ ضريح «سيد غريب» في الجزيرة هو بناء يعود تاريخه إلى مائة عام و يُعتبر مقدسًا و موضع احترام لأهالي الجزيرة.


[1] . فرهنگ جغرافیایی آبادی‌های کشور جمهوری اسلامی ایران آبادان (المعجم الجغرافي للمستوطنات في جمهورية إيران الإسلامية: آبادان)، ج90، طهران: وزارة الدفاع و الخدمات اللوجستية للقوات المسلحة، منظمة الجغرافیا للقوات الملسحة، 1986 (1365 هـ.ش)، ص 131

[2]. محمدي، مصطفى، «جزيرة مينو»، طهران: مؤسسة الفنون و الآداب للدفاع المقدس، 2014 (1393 هـ.ش)، ص 14 و 15.

[3] . فرهنگ جغرافیایی آبادی‌های کشور جمهوری اسلامی ایران آبادان (المعجم الجغرافي للمستوطنات في جمهورية إيران الإسلامية: آبادان)، ص131.

[4] . محمدي، مصطفى، «جزيرة مینو»، ص13 و 97.

[5] . پورجباري، پژمان، اطلس جغرافیای حماسی1: خوزستان در جنگ(أطلس الجغرافيا البطولية 1: خوزستان في الحرب)، طهران: صریر، 2010 م (1389 هـ.ش)، ص83.

[6] . منظمة الجغرافیا للقوات الملسحة، الـمعجم الجغرافي لمستوطنات محافظة خوزستان: أقضية «آبادان»، «المحمرة»، «دشت آزادگان»، المجلد 2، طهران: هيئة الأركان الجغرافية للقوات المسلحة، 2006 (1385 هـ.ش)، ص 209.

[7] . پورجباری، پژمان، اطلس جغرافیای حماسی1 (أطلس الجغرافيا البطولية 1)، ص83.

[8] . یکتا، حسین، روزشمار جنگ ایران و عراق، کتاب دوم: بحران در خوزستان(يوميات الحرب الإيرانية العراقية، الكتاب الثاني: الأزمة في خوزستان)، طهران: مركز الدراسات و البحوث الحربية لحرس الثورة الإسلامیة، 1998 (1377 هـ.ش)، ص 214.

[9] . محمدي، مصطفى، «جزيرة مینو»، ص15–18 و 20–22.

[10] . المصدر نفسه، ص27 و 29 و 32.

[11] . المصدر نفسه، ص64 و 65 و 71 و 72.

[12] . بهروزي، فرهاد، تقویم تاریخ دفاع مقدس (خرداد خونین)(تقویم تاريخ الدفاع المقدس (حزيران الدامي)) المجلد 58، طهران: مركز وثائق الثورة الإسلامية، 2020 (1399 هـ.ش)، ص 728.

[13] . محمدي، مصطفى، «جزيرة مینو»، ص99–101.