المفاهيم والمصطلحات

النيران التمهيدية

17 Views

مصطلح «النيران التمهيدية»(آتش‌تهیه) هو تعبير عسكري يُطلق على كثافة من النيران المُعدّة و المخطط لها مسبقاً و التي تُنفذ في وقت محدد بهدف إسناد الهجوم في المعركة. قد استخدم هذا الأسلوب القتالي خلال سنوات «الحرب المفروضة» من قبل كل من «إيران» و «العراق».

خلال فترة الدفاع المقدّس، قامت وحدات إسناد النيران بدعم القوات الإيرانية بكامل طاقتها و كان لها دور فعّال في تحقيق نجاح العمليات العسكرية. في المقابل، كان جيش «العراق» ينفّذ تمهيداً نارياً كثيفاً و واسع النطاق قبل شنّ هجماته المعاكسة ما ألحق خسائر كبيرة بجبهات القوات الإيرانية.

يهدف النيران التمهيدية إلى تفكيك منظومة القيادة لدى العدو، قطع الاتصالات و شبكات المخابرات، إرباك التنظيم الدفاعي و تحـييد وسائل إسناد النيران التابعة له. بعبارة أخرى، فإن النيران التمهيدية هو نيران تُلقى على العدو بغرض تهيئة أرضية الهجوم. في العديد من جيوش العالم، قد يشمل النيران التمهيدية استخدام نيران كيميائية أو نووية أو تقليدية، تُنفَّذ بواسطة أسلحة القوات البحرية و البرية و الجوية.

لكنّ القوات المسلحة للجمهورية الإسلامية الإيرانية و بسبب مرتكزاتها العقائدية و التزامها بالمبادئ و التعهدات الدولية المتعلقة بحظر استخدام الأسلحة النووية و الكيميائية، لم تلجأ إلى استعمال هذا النوع من الذخائر.ينفَّذ النیران التمهیدیة عادةً قبل بدء الهجوم و وفق برنامجٍ زمني محدد و بناءً على طلب عناصر القوة المهاجمة، يبدأ عند الساعة س(ساعة بدء الهجوم) و قد يستمر أثناء الساعة س أو بعدها و غالباً ما يُقسم النیران التمهیدیة، من أجل تحقيق هجوم ناجح على الأهداف المحددة، إلى عدة مراحل.

ففي المرحلة الأولى، ينبغي أن يوفّر السيطرة السريعة قدر الإمكان على وسائل إسناد النيران لدى العدو و مراكز قيادته، اتصالاته السلكية و اللاسلكية و نظام المراقبة لديه. أمّا في المرحلة الثانية، فيجب أن يشمل النیران التمهیدیة الأهداف التي سبق التعرّض لها بالهجوم، مثل المناطق الدفاعية، مناطق التجمّع و احتياطيات العدو.في المرحلة الأخيرة، ينبغي أن يتضمّن النیران التمهیدیة جميع الأهداف السابقة، إضافةً إلى المناطق الدفاعية الواقعة في الجزء الأمامي من مواضع العدو.قد يُخطَّط لتنفيذ النیران التمهیدیة من دون أن يُنفَّذ فعلياً. يعود قرار تنفيذ النیران التمهیدیة أو عدمه و كذلك تحديد مدته الزمنية، إلى قائد القوة المهاجمة، مع العلم أن قرار القائد يتم اتخاذه بناءً على توصية قائد المدفعية.

يُحدَد مدّة النیران التمهیدیة استناداً إلى الخبرات المستخلصة من الحروب السابقة، عدد الأهداف المتوافرة، كمية و نوع الأسلحة و الذخائر المتاحة و كذلك متطلبات قائد الوحدة المناورة التابعة. بعد أن يحدد رئيس شعبة العمليات (ركن 3) المدفعية المُساندة، مدة النیران التمهیدیة، تُستخرج المعلومات اللازمة من جدول النيران و تشمل وحدات الإسناد الناري، توقيت الرمي على الأهداف، عدد و نوع الذخائر، العناصر المطلوبة لكل وحدة نارية، ثم تُبلَّغ هذه الوحدات لتنفيذ النیران التمهیدیة. من أجل ضمان عدم تعرّض الأهداف التي يتم الاستيلاء عليها من قبل القوات الصديقة لنيرانٍ خاطئة، يتعيّن على مخطِّط الإسناد الناري مراقبة تقدّم القوات الصديقة بشكل مباشر و ميداني.

خلال سنوات الدفاع المقدس، وجّهت وحدات الإسناد الناري، اعتماداً على قدراتها التخصصية القتالية ولا سيّما في الاستخدام الصحيح للأسلحة و خاصة المدفعية، ضرباتٍ قاسية و متكررة إلى العدو في العديد من العمليات. نظراً إلى أن معظم العمليات الهجومية كانت تُنفَّذ ليلاً، كان النیران التمهیدیة يُخطط له وفقاً للوضع التكتيكي، غير أنّه و بسبب الالتزام بمبدأ المفاجأة، كان يُنفَّذ بأمرٍ بعد انكشاف الهجوم. و قد أدّى ذلك إلى أن تسفر نيران المدفعية الدقيقة عن زيادة كبيرة في خسائر العدو البشرية و المادية، الأمر الذي دفع العدو البعثي إلى استهداف مواقع وحدات المدفعية بهجمات جوية عنيفة، في محاولة لتجنّب آثار النیران التمهیدیة المدفعي.

نظرًا إلى الأهمية البالغة للنيران التمهيدية في إضعاف العدو و المساهمة الفعّالة في تحقيق الأهداف المرسومة، تُؤخَذ الاستعدادات اللازمة لتنفيذه ضمن خطط مناورة العمليات، بحيث يظهر دور النیران التمهیدیة بوضوح في معظم العمليات، من بينها عمليات «ثامن‌الأئمة»، «طريق‌القدس»، «والفجر 8»، «كربلاء1» و «كربلاء5».

فعلى سبيل المثال، في عملية «والفجر 8»، بالتزامن مع هجوم الغوّاصين على خنادق العدو و مع تنسيق النیران التمهیدیة مع الوحدات البرية و قوات الاقتحام، كان مشهد انفجار القنابل اليدوية داخل خنادق الحراسة المعادية ـ حيث كانت الخنادق تضيء لثوانٍ معدودة واحدة تلو الأخرى قبل أن تُدمّر ـ مشهداً مزلزلاً و مبعثاً على الفخر. قد غطّت النيران الكثيفة و القاتلة، المترافقة مع نيران الرشاشات الخفيفة للمشاة، ما يقرب من عشرين كيلومتراً من طول الجبهة و حوّلت خلال فترة قصيرة سكون المنطقة و هدوءها العميق إلى مشهدٍ مروّع و أجواءٍ مشبعة بالدخان و الانفجارات.

إن عدم التخطيط المسبق للنیران التمهیدیة أو غياب التنسيق في تنفيذه يُعدّ عاملاً بالغ الخطورة، إلى حدّ أنّه قد يؤدّي إلى فشل الهجوم برمّته. خلال سنوات الحرب المفروضة، استفاد الجيش العراقي، نظراً لتمتعه بدعمٍ جيّد في مجال الأسلحة و الذخائر و عدم معاناته من نقصٍ فيها، من النیران التمهیدیة بأقصى طاقته ضدّ المقاتلين الإيرانيين، متسبّباً في خسائر بشرية و مادية جسيمة و لذا، تشير معظم وثائق الحرب إلى النيران الثقيلة و الكثيفة التي كان العدو يشنّها على الجبهات الإيرانية.

على سبيل المثال، فيما يخص شدة النيران في اليوم السابع من عملية «والفجر 8»، ورد أنّ:«…النیران التمهیدیة للعدو كان ثقيلاً و كثيفاً إلى حدّ أنّ الغبار و الدخان غطّى مساحة واسعة من سطح الأرض و سماء المنطقة» و بخصوص عملية «كربلاء 8»، جاء أيضاً:«شدة النیران التمهیدیة للعدو كانت بحيث جعلت تحرّك القوات المشاة نحو الخطوط الأمامية أمراً مستحيلاً أو شديد الصعوبة».

كما استخدم الجيش العراقي الأسلحة الكيميائية ضمن النیران التمهیدیة: «الجيش العراقي، من منتصف الليل حتى الساعة 03:30 فجراً بتاريخ 11 أبريل 1987م (22 فروردين 1366هـ.ش)، نفّذ هجوماً كيميائياً على الخطوط الأمامية و الخلفية، خصوصاً من «خرمشهر» إلى «شلمچه» و«پنج ضلعی»(المنطقة الخماسية) و أطلق ما مجموعه أربعمائة صاروخ جوي، مروحيات، قذائف مدفعية و هاون، مما سبّب خسائر كبيرة للقوات الإيرانية بسبب الظلام و عدم الاستعداد المسبق.

بعد الهجوم الكيميائي، نفّذ العدو من الساعة 02:30 حتى 07:00 صباحاً باستخدام 45 كتيبة مدفعية موجودة في المنطقة النیران التمهیدیة. كان العدو البعثي، الذي لم يكن قادرًا على مواجهة المقاتلين الإيرانيين بشكل مباشر، يلجأ أحياناً لاستخدام الأسلحة الكيميائية ضمن النیران التمهیدیة لتحقيق أهدافه.[1]


[1] . تلخيص من «موسوعة الدفاع المقدس»، المجلد 1، طهران: مركز موسوعة بحوث علوم ومعارف الدفاع المقدس، 2010م، ص105–103.