العمليات

عملية كربلاء 1

إعداد: فاطمة نوروزي نقله إلى العربية: سيد محمود عربي
21 Views

نفذ مقر "نجف" العملياتي التابع لحرس الثورة الإسلامية، بالتعاون مع جيش الجمهورية الإسلامية الإيرانية، عملية "كربلاء 1" عام 1986 في المرتفعات الغربية للبلاد (الجبهة الوسطى وقاطع مهران)، وذلك بهدف تحرير تلك المناطق.
وعقب انتهاء عملية "والفجر 8" وسقوط شبه جزيرة "الفاو" بيد القوات الإيرانية، شرع الجيش العراقي بتطبيق إستراتيجية "الدفاع المتحرك"، مستهدفاً مناطق واسعة في غرب إيران بسلسلة من الهجمات.[1] بدأت الهجمات العراقية من شمال وشرق السليمانية في 24 فبراير 1986، وتوجت باحتلال مدينة "مهران" في 17 مايو 1986.[2] وإثر ذلك، دخل مقر "نجف" إلى المنطقة لمنع التوغل العراقي في العمق الإيراني، فيما باشرت وحدات الاستطلاع الاستخباراتي مسح كافة خطوط العدو بهدف استعادة مدينة مهران ومرتفعات "قلاويزان" الاستراتيجية.[3]

تميزت الخطوط الدفاعية للعدو في المحور الشمالي (محور طريق إيلام – مهران والمزرعة النموذجية) بكثافة بشرية عالية وتحصينات هندسية معقدة. أما المحور الأوسط، الواقع بين نهر 'غاوي' وطريق دهلران – مهران، فكان يتمتع بقدرات قتالية أدنى مقارنةً بالقاطع الشمالي. وفيما يخص المحور الجنوبي الذي يضم سلسلة مرتفعات 'قلاويزان'، فقد رُصد فيه تواجد أقل للقطعات المعادية وتحصينات دفاعية هي الأضعف مقارنةً بالمحورين الآخرين.[4]

عند تصميم مناورة العمليات، جرى تدارس ثلاثة خيارات تكتيكية: الخيار الأول، الالتفاف عبر التلال الجنوبية والسيطرة على مرتفعات "قلاويزان" لتأمين مزايا الرصد والرمي للقوات الإيرانية؛ الخيار الثاني، استهداف تلال "غلامي" والمزرعة النموذجية لتجنب الاشتباك في مرتفعات قلاويزان الوعرة؛ الخيار الثالث، الدمج بين الخيارين. ورغم تفضيل "مقر نجف" للخيار الثالث، إلا أنه وبسبب نقص الإمكانات والقوى البشرية، اعتُمد الخيار الأول في نهاية المطاف.[5] وبناءً على هذه الخطة، جُعل المحور الرئيسي للعمليات في القاطع الجنوبي، وتحديداً مرتفعات قلاويزان وأكتافها وصولاً إلى نهر "غاوي".[6]

شكل "مقر نجف" هيكله القتالي من ست فرق، وخمسة ألوية، وكتيبة دروع مستقلة تابعة للحرس، بالإضافة إلى اللواء المدرع الرابع التابع للفرقة 21 "حمزة" من الجيش.
تولت مهام الإسناد كل من القوات الجوية، ومجموعة المدفعية 44 التابعة للجيش، ومجموعة المدفعية 62 التابعة للحرس، وكتيبة الإسناد الناري لمقر نجف، واللواءين الهندسيين 45 و43 من الحرس، بالإضافة إلى وحدات "جهاد البناء". وفي المقابل، كانت القوة القتالية العراقية في القاطع تتألف من 42 كتيبة مشاة و6 كتائب دروع.[7] ونتيجة لاستحواذ العراق على المرتفعات الحاكمة، كان يتمتع برؤية كاملة لمواضع القوات الإيرانية. لذا، قامت القوات الإيرانية بعملية إغارة وهمية وخداع تكتيكي بالمدفعية والنيران في محور المزرعة وتلال غلامي، مما أدى إلى مباغتة العدو. صُممت العملية على ثلاث مراحل: الأولى، تأمين مرتفعات قلاويزان وصولاً إلى قرية "سيد حسن"؛ الثانية، السيطرة على جبال حمرين وأخدود "ميغ سوخته"؛ الثالثة، الامتداد من قرية "فرخ آباد" حتى القمة 223.[8]

انطلقت عملية "كربلاء 1" في تمام الساعة 23:30 من ليلة 30 يونيو 1986، تحت رمز "يا أبا الفضل العباس أدركني". وقبل ساعة الصفر وبدء العملية بيوم واحد، نفذت كتيبتان من لشكر 17 "علي بن أبي طالب" مناورة التفافية حول مرتفعات "قلاويزان"، لتتمركز خلف خطوط العدو فجر يوم العملية. ونتيجة للاندفاع السريع للقوات الإيرانية، تم توسيع مراحل العملية لتصل إلى خمس مراحل.[9]

في المرحلة الأولى، حققت القوات مباغتة كاملة أدت لتقدم خاطف؛ وبحلول مساء اليوم الأول، تم تحرير القطاع الشرقي من قلاويزان، وسفوح جبال حمرین، وطريق "آب-زيادي"، وقرية "سيد حسن" الحيوية، مع سحق اللواء الأول كوماندوز العراقي فور وصوله لمنطقة الاشتباك.

في المرحلة الثانية أحكمت وحدات لواء 21 "إمام رضا" الحصار على مدينة مهران وتحريرها قبل ظهر اليوم الثاني، بالإضافة إلى تطهير "فرخ آباد" و"قلعة كهنة" ومخفر "رستم آباد".[10]

في المرحلة الثالثة تم تحرير قرية "فيروز آباد" وربط المواقع المحررة في مرتفعات قلاويزان لتشكل خطاً دفاعياً متصلاً.[11]

في المرحلة الرابعة صدت القوات هجوماً مضاداً عراقياً عنيفاً في قلاويزان يوم الجمعة 4 يوليو، بينما سيطر فرقة 10 "سيد الشهداء" على أجزاء من قمة "210".[12] وشهدت هذه المرحلة استشهاد نائب قائد لشكر 27 "محمد رسول الله "سيد محمد رضا دستواره".[13]

في المرحلة الخامسة نُفذت فجر 6 يوليو بهدف السيطرة على القمة الاستراتيجية 223؛ وأسفرت عن تدمير المقر التكتيكي لفرقة 17 مدرعة والمقر التكتيكي للواء 24 ميكانيكي التابع لفرقة 10 العراقية، مع وقوع قائد اللواء في الأسر.[14]

اختتمت عملية "كربلاء 1" أعمالها في 10 يوليو 1986 بتحقيق نصر استراتيجي حاسم بعد عشرة أيام من القتال المستمر. أسفرت المناورة عن تأمين كافة الأهداف المرسومة بل وتجاوزها، حيث تم تطهير ما يزيد عن 175 كيلومتراً مربعاً من الأراضي الإيرانية، شملت المرتفعات الحاكمة في "قلاويزان" و"حمرين"، ومخفرين حدوديين، بالإضافة إلى استعادة السيطرة على المحور الطولي الحيوي (إيلام – مهران – دهلران)، وتحرير مدينة مهران وقراها بالكامل. كما تمكنت التشكيلات الإيرانية من فرض إشراف ناري وسيطرة عملياتية على مدينتي "زرباطية" و"بدرة" داخل العمق العراقي.

تكبد الجيش العراقي خسائر جسيمة في الأرواح والمعدات،[15] بلغت 10,000 قتيل وجريح ووقوع 1,210 أسرى في قبضة قواتنا. وشملت الخسائر المادية تدمير 110 آليات (دبابة، ناقلة جند، مركبة)، فيما تم الاستيلاء على غنائم ضخمة تضمنت: 69 دبابة وناقلة جند، 8 آليات هندسية، 61 قطعة من أدوات الإسناد، و64 مركبة عسكرية[16]. وفي المقابل، قدمت القوات الإيرانية تضحيات بلغت 1,089 شهيداً و4,275 جريحاً.[17]

اعتبرت عملية تحرير "مهران" بمثابة الانهيار الفعلي لاستراتيجية "الدفاع المتحرك" التي انتهجها العراق. وقد حظي هذا الانكسار العسكري بصدى واسع النطاق في وسائل الإعلام العالمية؛ حيث وُصف بأنه الدليل القاطع على قابلية الجيش العراقي للهزيمة، مع التركيز المكثف على التداعيات والآثار النفسية المحبطة التي خلفتها هذه العملية في أوساط القيادة والقطعات العراقية.[18]

 

[1]عملية كربلاء 1، طهران: مرکز مطالعات و تحقیقات جنگ سپاه، (مركز الدراسات والبحوث الحربية التابع للحرس)، 2005، ص 17.

[2] حاجي وردي خان، مهدي، روزشمار جنگ ایران و عراق، کتاب چهل‌ودوم، ج1: تداوم استراتژی دفاع متحرک عراق، اشغال مهران، (يوميات الحرب الإيرانية العراقية، الكتاب الثاني والأربعون، ج1: استمرار استراتيجية الدفاع المتحرك العراقي، احتلال مهران)، طهران، سپاه پاسداران انقلاب اسلامی، مرکز اسناد و تحقیقات دفاع مقدس(حرس الثورة الإسلامية، مركز وثائق وأبحاث الدفاع المقدس، 2018، ص 443.

[3] عملية كربلاء 1، ص 22-23.

[4] نخعي، هادي، الحرب في العام 1986 (1365هـ.ش)، طهران: مركز وثائق وأبحاث الدفاع المقدس، 1988، ص 108.

[5] كيهان بناه، أمير حسين، الأطلس الدليل (10): مهران في الحرب، طهران: مركز وثائق وأبحاث الدفاع المقدس، 2011، ص 86.

[6] دروديان، محمد، سیری در جنگ ایران و عراق، ج2: خرمشهر تا فاو، (جولة في الحرب الإيرانية العراقية، ج2: من خرمشهر إلى الفاو)، طهران: مركز وثائق وأبحاث الدفاع المقدس، 2001، ص 254.

[7] عملية كربلاء 1، ص 27.

[8] كيهان بناه، أمير حسين، الأطلس الدليل (10)، ص 86.

[9] المصدر نفسه، ص 98.

[10] المصدر نفسه، ص 102-104.

[11] دروديان، محمد، جولة في الحرب الإيرانية العراقية، ج2، ص 259.

[12] عملية كربلاء 1، ص 36.

[13] كيهان بناه، أمير حسين، الأطلس الدليل (10)، ص 108.

[14] دروديان، محمد، جولة في الحرب الإيرانية العراقية، ج2، ص 261.

[15] كيهان بناه، أمير حسين، الأطلس الدليل (10)، ص 112.

[16] عملية كربلاء 1، ص 38.

[17] كيهان بناه، أمير حسين، الأطلس الدليل (10)، ص 112.

[18] دروديان، محمد، جولة في الحرب الإيرانية العراقية، ج2، ص 263-268.

مصادر للمزيد من القراءة:
1. حاجي خداوردي خان، مهدي، مهران در تحولات جنگ ایران و عراق (مهران في تطورات الحرب الإيرانية العراقية)، طهران: حرس الثورة الإسلامية، مركز وثائق وأبحاث الدفاع المقدس، 2010.
2. أختري، مقصود، سواتر الذكريات (خاكريز خاطرات)، طهران: جهاد البناء لمحافظة طهران، مركز حفظ ونشر آثار الدفاع المقدس، 1996.
3. مهران، طهران: مركز حفظ ونشر آثار الدفاع المقدس، 2006.
4. رزاق زاده، أمير، اطلس راهنما3: ایلام در جنگ (الأطلس الدليل (3): إيلام في الحرب)، طهران: حرس الثورة الإسلامية، مركز وثائق وأبحاث الدفاع المقدس، 2001.
5. شكري، سيد حسن، النون صفر (نوني صفر)، طهران: ‌ دفتر ادبیات و هنر مقاومت (مكتب أدب وفن المقاومة)، 1991.