العمليات

عملية قدس 4

إعداد: محمدعلي عباسي‌أقدم نقله إلى العربية: سيد محمود عربي
19 Views

تعد عملية "قدس 4" حلقة ضمن سلسلة العمليات المحدودة التي انطلقت في 23 يوليو1985م في قاطع عمليات هور الهويزة تحت إمرة حرس الثورة الإسلامية. استمرت المواجهات ثلاثة أيام، وأسفرت عن تحرير نصف مساحة بحيرة "أم النعاج" الواقعة شمال غرب هور الهويزة وجنوب شرق مدينة العمارة العراقية.
ساهم عاملان جوهريان في بلورة هذه العملية؛ الأول هو التغير الجغرافي الناتج عن عاصفة شديدة أدت إلى إزاحة "التهول" (جزر عائمة مكونة من القصب والنباتات المائية المترابطة) في "شط الدوب"، مما خلق اتصالاً مائياً مباشراً بين الشط وبحيرة أم النعاج. أما العامل الثاني، فكان النجاح في أسر عدد من عناصر الاستطلاع العراقيين، حيث وفرت إفاداتهم معلومات استخباراتية موثقة وجهت أنظار القيادة نحو أهمية البحيرة.[1]

 

تميزت هذه العملية عن نظيراتها (قدس 1، 2، 3، و5) بطبيعة التركيبة البشرية للوحدات المنفذة؛ حيث تشكلت القوة الضاربة من لواء 9 بدر التابع للحرس، والذي تألف -باستثناء القائد (إسماعيل دقايقي) وبعض الكوادر- من المجاهدين العراقيين (اللاجئين والمهجرين). وضم اللواء مزيجاً من العسكريين العراقيين المنشقين والمدنيين المتطوعين، حيث أُنيطت بهذا اللواء مهام الدفاع عن هذا القاطع العملياتي في منطقة الأهوار قبل البدء بتنفيذ عملية قدس 4.[2]

تكون النظام المنظم للواء 9 بدر في هذه المهمة من: كتيبة الشهيد بهشتي، كتيبة أنصار الحسين، كتيبة الشهيد دستغيب، وكتيبة الشهيد صدر، بالإضافة إلى سرية احتياط.[3]

شرعت وحدة الاستخبارات والعمليات في اللواء —المؤلفة من المجاهدين العراقيين، وعشائر الأهوار، وعناصر من حرس الثورة— في تنفيذ مهام الاستطلاع لمنطقة العمليات عبر محورين (شرقي وغربي) منذ أوائل تموز 1985. في المحور الغربي، نُفذ الاستطلاع بواسطة الزوارق التقليدية (البلم) ثم عبر الضفادع البشرية (الغواصين) لاستهداف نقاط المراقبة المعادية. أما في المحور الشرقي، فتم الاكتفاء بالزوارق وبمعاونة الأدلاء من أبناء العشائر. وبسبب كثافة الكمائن المعادية ونظام العلامات التحذيرية، اتسمت عمليات الاستطلاع بالبطء الشديد، مما حال دون الحصول على بيانات دقيقة وشاملة عن وضع العدو. وبرزت وحدات التنصت اللاسلكي كأداة استخباراتية فعالة، حيث أتاحت تحديد مواقع النقاط الحصينة، وتوزيع الكمائن وقوامها، ومواعيد الإمداد والتبديل، وأنواع التسليح وطلبيات الدعم.

تولت فرقة 29 من الجيش العراقي، المتمركزة في "المعيل"، مسؤولية الدفاع العام عن القاطع. كما انتشر اللواء 117 حرس حدود ومقره في أبو شعير في مواجهة "لواء بدر"؛ حيث تمركزت الكتيبة الخامسة وعناصر من الكتيبة الثانية في بحيرة "أم النعاج"، بينما انتشرت الكتيبة الرابعة من "أبو خصاف" باتجاه الجنوب في مواجهة ممر "خيط" المائي.[4]

قبل بدء العملية بيومين، نُقِلت القطعات المنفذة تدريجياً إلى قاطع العمليات مع الالتزام التام بمبدأ المباغتة. تمركزت قوات المحور الغربي في "المخفر 3" ومخافر الهور، بينما اتخذت قوات المحور الشرقي مواقعها بالقرب من "قناة لعوج" المائية و"بركة أبو شوش". كان معظم الأفراد على دراية تامة بطبيعة التضاريس (التوجيه الميداني). وقامت وحدات الهندسة (التخريب) بتطهير الممرات عبر تفجير العوائق العائمة والثابتة في مسارات التقدم، بينما استكملت وحدات الإسناد والخدمات القتالية كافة التجهيزات اللوجستية اللازمة.
قبيل بدء الهجوم، شنت الطائرات العراقية من طراز (PC-7) غارات جوية على المنطقة، ترافقها نيران مدفعية متقطعة. كما حاولت عناصر "فرسان الهور" (عشائر عراقية محلية) تنفيذ عمليات استطلاع ودوريات قتالية، إلا أن وجود الكمائن التابعة لقواتنا حال دون تحقيقهم لأهدافهم.[5]

وفي تمام الساعة 00:00 من ليل 23 يوليو 1985، انطلقت عملية "قدس 4". أدت سرعة التنفيذ وعنصر المباغتة إلى إحداث حالة من الإرباك والشتات في صفوف القوات العراقية، مما شل قدرتهم على اتخاذ إجراءات مضادة فعالة. ومن أبرز أحداث العملية أسر عامل اللاسلكي التابع لقيادة القطاع العراقي. وبعد سقوط المخافر وتحقيق الأهداف المرسومة، شرع العدو في تنفيذ قصف مدفعي مكثف وعنيف على المنطقة.[6]

وضعت عملية "قدس 4" أوزارها بعد ثلاثة أيام من الاشتباكات المتواصلة. أسفرت العملية عن تحرير نصف مساحة بحيرة "أم النعاج"، بدءاً من "شط الدوب" غرباً وصولاً إلى "بركة أم توسة" شرقاً. وعلى صعيد الخسائر المادية والبشرية، تم تحييد 800 عنصر من العدو (80 قتيلاً و100 جريح) مع وقوع 53 جندياً عراقياً في الأسر. وشملت المغانم العسكرية: 7 زوارق، 10 قوارب، 4 أجهزة لاسلكي، 50 بندقية كلاشينكوف، 5 رشاشات متوسطة، مدفعي هاون، 5 قواذف "آر بي جي"، ومنظارين بصريين. وفي المقابل، سقط في صفوف قواتنا 5 شهداء و25 جريحاً جراء الغارات الجوية المعادية.

تُعزى عوامل نجاح هذه العملية المحدودة إلى الدقة العالية في الاستطلاع الميداني للمحور الغربي، وقوة الاتصال بين القيادة والوحدات المنفذة، ودرجة الإحاطة العالية والتوجيه للقوات، وفعالية محطات التنصت، بالإضافة إلى السرعة والتنسيق المتناغم بين وحدات الغواصين ووحدات الإسناد الناري مع القوات العملياتية.[7]

 

[1]سلسله عملیات قدس: تحرک در جبهه‌ها و جلوگیری از آرامش (سلسلة عمليات القدس: تفعيل الجبهات والحيلولة دون استقرار العدو)، طهران: سپاه پاسداران انقلاب اسلامی، مرکز مطالعات و تحقیقات جنگ (حرس الثورة الإسلامية، مركز الدراسات وبحوث الحرب)، 2005، ص 57 و58.

[2] المصدر نفسه، ص 55.

[3] نخعي، هادي، مشهدي فراهاني، حميد رضا، حمیدرضا، روزشمار جنگ ایران و عراق، کتاب سی‌وهفتم: توسعه روابط با قدرت‌های آسیایی 24 خرداد تا 30 مرداد 1364(يوميات حرب إيران والعراق، الكتاب 37: تطوير العلاقات مع القوى الآسيوية (14 حزيران إلى 21 آب 1364 هـ.ش)، طهران: حرس الثورة الإسلامية، مركز الدراسات وبحوث الحرب، 2004، ص 484.

[4] سلسلة عمليات القدس، ص 59 و60.

[5] المصدر نفسه، ص 63 و64.

[6] دروديان، محمد. سیری در جنگ ایران و عراق ج2: خرمشهر تا فاو، بررسی نظامی - سیاسی جنگ بعد از آزادی خرمشهر تا فتح فاو و آزادی مهران تیرماه 1361 تا مردادماه 1365،(دراسة في حرب إيران والعراق، المجلد 2: من خرمشهر إلى الفاو؛ دراسة عسكرية - سياسية للحرب منذ تحرير خرمشهر حتى فتح الفاو وتحرير مهران (تموز 1982 إلى آب 1986)، طهران: حرس الثورة الإسلامية، مركز الدراسات وبحوث الحرب، 1999، ص 137.

[7] سلسلة عمليات القدس، ص 75 و76.