العمليات
عملية قدس3
إعداد: محمدعلي عباسيأقدم
نقله إلى العربية: سيد محمود عربي
21 Views
تعد عملية "قدس 3" المهمة الثالثة ضمن سلسلة عمليات القدس المحدودة، والتي نفذت يومي 10 و11 يوليو 1985 تحت إمرة فرقة 19 "فجر" التابعة للحرس الثوري. استهدفت العملية السيطرة على التل 194 الواقع غرب "نهر ميمه" في قاطع دهلران العام، وتحديداً في منطقة تعرف بـ "دره سياه". وبالتزامن مع هذه المهمة، نفذ جيش الجمهورية الإسلامية عملية في قاطع "شرهاني" لتوفير الإسناد اللازم لنجاح عملية "قدس 3".
عقب عملية "بدر"، صدرت توجيهات لكافة الوحدات باختيار واستطلاع مناطق لتنفيذ عمليات محدودة. وبناءً على مقترحات المقار الفرعية، أبلغ مقر "خاتم الأنبياء" المركزى الوحدات بالمناطق المحددة. وفي 23 أبريل 1985، اقترح قائد فرقة 19 "فجر" بمحافظة فارس عدة محاور منها قصر شيرين وسومار، وخص بالذكر غرب "نهر ميمه" شمال بلدة "طيب" العراقية. ورغم توجيه المقر المركزي للفرقة بالعمل على قاطع "كاني شيخ"، إلا أن قيادة الفرقة أصرت على محور غرب نهر ميمه؛ نظراً لسيطرة القوات العراقية الكاملة على دهلران من خلال تمركزهم في المرتفعات، لاسيما العارضة 194. علاوة على ذلك، كانت الفرقة تمتلك معرفة استخباراتية دقيقة بالقاطع لوجود خطوط دفاعية سابقة لها فيه. وبموافقة المقر المركزي، بدأت الإجراءات التنفيذية في 28 يونيو 1985.[1] تضمن مخطط المناورة تدمير وأسر القوات العراقية في التل 194 وتثبيت المنطقة، إلا أنه تقرر لاحقاً وبسبب نقص القوة البشرية الاكتفاء بتنفيذ غارة انهدامية؛ أي: ضرب وانسحاب بعد جلب الأسرى والمغانم.[2]
يُعرف مسرح عمليات "قدس 3" لدى القوات العراقية بمرتفعات "عين منصور"، بينما يشتهر محلياً باسم "دره سياه(الوادي الأسود). يقع هذا القاطع في المحور العام (دهلران – طيب) غربي نهر "ميمه"، ويضم سلسلة من العوارض الحاكمة تشمل القمم (216، 214، 172، 194، 128، 137، و100). وتبرز أهمية المرتفع 208 في قاطع "بيات" شرقي النهر نظراً لإشرافه المباشر على الحافة الغربية لمنطقة "ميمه". تقع هذه المرتفعات شمال الخط الحدودي داخل الأراضي الإيرانية، وقد احتفظت بها القوات العراقية بعد انسحابها عقب تحرير خرمشهر نظراً لحساسيتها وموقعها الاستراتيجي.
تمركز الخط الدفاعي لقواتنا على المرتفع 216 تحت مسؤولية الكتيبة 205 التابعة لدرك باختران (کرمانشاه) – بإمرة فرقة 58 "ذو الفقار". في المقابل، تمركز الخط الأمامي العراقي أمام "أخدود مالحه" على المرتفع 194، مما مَنح العدو إشرافاً كاملاً على خطوطنا القتالية ومنطقة دهلران. تضمنت موانع العدو صفين من ألغام "فالمير" وعشرة صفوف من الأسلاك الشائكة الحلقية. كما أحيطت السواتر العراقية في هذا المحور بـ 16 صفاً من الأسلاك الحلقية، بينما نُصبت حول القواعد والمقرات ثلاثة حقول ألغام (متفجرة وتنويرية) و24 صفاً من الأسلاك الشائكة الخطية.[3]
في تمام الساعة 19:00 من يوم 10 يوليو 1985، احتشدت قطعات فرقة 19 "فجر" في قرية "فرح آباد"، وعقب أداء الصلاة تحركت الوحدات صوب مناطق التماس مع القوات العراقية. نتيجةً لمعوقات لوجستية وفنية شملت نقصاً في وسائط النقل، وانعدام الرؤية الكافية بسبب الظلام، وضيق المسارات الميدانية مما أدى إلى اختناقات مرورية؛ تأخر وصول القطعات إلى 'نقطة الانطلاق'. ويُذكر تحديداً إخفاق إحدى فصائل كتيبة 'القاسم بن الحسن' (ع) في بلوغ قاطع مأموريتها في التوقيت المحدد. وعلى الرغم من نجاح مجاهدي كتيبة 'الإمام المهدي' (عج) في تنفيذ تسلل تقاربي لأقرب نقطة من مواضع العدو، إلا أن الجاهزية العامة للوحدات المنفذة استغرقت وقتاً تجاوز الساعة الكاملة عن الموعد المحدد لساعة الصفر وبدء العلمية.
ومع اكتمال وصول كافة الكتائب إلى نقاط الانطلاق، أُعلنت حالة الاستعداد القصوى في تمام الساعة 02:40 من فجر يوم 11 يوليو 1985. وعقب ذلك بخمس دقائق، أعطى قائد فرقة 19 فجر، "نبي رودكي"، إشارة البدء تحت رمز العمليات: «ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً، يا إمام صادق (3 مرات)، الله أكبر».
باشرت كتيبة "القاسم بن الحسن" مهامها عبر محور الطريق الرئيسي، مستهدفةً القواعد العسكرية الواقعة على ميمنة وميسرة الطريق، بالإضافة إلى الحواجز القائمة على الطريق الأول. وفي الوقت ذاته، نجحت عناصر كتيبة "الإمام المهدي" في تطويق خنادق العدو بعد التسلل نحوها. أما كتيبة "الإمام علي"، المكلفة بالمحور الأيسر، فقد بدأت الاشتباك ونجحت في اختراق السواتر والخنادق العراقية في اللحظات الأولى للهجوم.[4]
شكّل عامل المباغتة وجهل القوات العراقية بطبيعة التضاريس أحد أبرز عوامل نجاح الكتائب وتطهير المنطقة. ورغم النجاح الذي حققته كتيبة "القاسم بن الحسن (ع)" في تدمير القواعد العراقية، إلا أنها لم تتمكن من تطهير الكمائن المتمركزة في الأخاديد المحيطة بالطريق بشكل كامل. وعليه، واجهت كتيبتا "الإمام المهدي (عج)" و"القاسم بن الحسن (ع)" في المحور الأيمن معوقات جسيمة أثناء الانسحاب؛ حيث أعاق العدو حركة القوات بنيران رشاشة كثيفة، مما تسبب في وقوع خسائر بشرية كبيرة في صفوف المجاهدين. وفي المقابل، لم تواجه كتيبة "الإمام علي (ع)" صعوبات تذكر أثناء العودة، مسجلةً نجاحاً تاماً في تحقيق أهدافها المرسومة.[5]
تُصنف عملية "قدس 3" ضمن العمليات الناجحة؛ حيث شملت نتائجها تطهير منطقة بمساحة تترواح بين 20 إلى 30 كيلومتراً مربعاً، وتحييد أكثر من 700 عنصر من القوات العراقية بين قتيل وجريح، وتدمير 10 مستودعات ذخيرة، و6 مدافع من طراز (106 ملم)، وسلاح دفاع جوي، بالإضافة إلى عدد كبير من الآليات العسكرية الخفيفة والثقيلة. وبشكل عام، أسفرت العملية عن تدمير الكتيبة الأولى من لواء المشاة 805 العراقي بالكامل، وتدمير 60% من الكتيبة الثانية، فيما لحقت خسائر فادحة بالكتيبة الثالثة.
كان العامل الحاسم في هذه العملية هو الروح المعنوية العالية للقوات الإيرانية، والتي مكنتها من تذليل الثغرات والمعوقات الميدانية. ومما يسترعي الانتباه أن خسائرنا البشرية خلال مرحلة الارتداد والانسحاب كانت تفوق خسائرنا أثناء مراحل الاقتحام والاشتباك؛ حيث سجلت «كتيبة الإمام المهدي (عج)» شهيداً واحداً وجريحين فقط أثناء تطهير وتدمير مواقع العدو، بينما تكبدت ۶ شهداء وأكثر من ۴۰ جريحاً خلال عملية الإخلاء والعودة.[6]
وفي ۱۰ تموز ۱۹۸۵، تزامنت عملیات «القدس» مع تحرك وحدات الجيش لاستعادة المناطق المحتلة في قاطع «شرهاني»؛ مما أدى إلى تشتيت تركيز العدو وجذب نيرانه المدفعية نحو ذلك المحور. وبناءً عليه، شكلت عمليات الجيش مناورة خداعية غير مباشرة وفرت إسناداً عملياتياً لعملية «قدس ۳».[7] وفي الساعة ۰۶:۴۵ من صباح يوم ۱۰ تموز، شن العدو هجوماً مضاداً تحت غطاء من القصف التمهيدي المكثف والإسناد الجوي القريب بواسطة المروحيات باتجاه المرتفع ۱۳۷، بالتزامن مع غارات جوية على مدينتي «موسيان» و«دهلران». وعلى الرغم من نجاح نيراننا في عرقلة تقدم دروع العدو وتدمير عدد منها، إلا أن قوات العدو تمكنت بحلول الظهر من التمركز خلف المرتفع ۱۳۷، وإحكام قبضتها على المرتفع ۱۹۴ بحلول المساء.[8]
[1]سلسله عملیات قدس: تحرک در جبههها و جلوگیری از آرامش دشمن (سلسلة عمليات القدس: تفعيل الجبهات وحرمان العدو من الاستقرار)، طهران: سپاه پاسداران انقلاب اسلامی، مرکز مطالعات و تحقیقات جنگ (حرس الثورة الإسلامية، مركز الدراسات وبحوث الحرب)، 2005، ص 40 و53.
[2] المرجع نفسه، ص 42.
[3] المرجع نفسه، ص 41 و42.
[4] المرجع نفسه، ص 45-47.
[5] المرجع نفسه، ص 47-49.
[6] المرجع نفسه، ص 49 و51 و52.
[7] دروديان، محمد، سیری در جنگ ایران و عراق، ج2: خرمشهر تا فاو، بررسی نظامی- سیاسی جنگ بعد از آزادی خرمشهر تا فتح فاو و آزادی مهران (تیرماه 1361 تا مردادماه 1365)، (دراسة في حرب إيران والعراق، المجلد 2: من خرمشهر إلى الفاو، تحليل عسكري-سياسي للحرب من تحرير خرمشهر حتى فتح الفاو وتحرير مهران (يونيو 1982 إلى أغسطس 1986)، طهران: حرس الثورة الإسلامية، مركز الدراسات وبحوث الحرب، الطبعة الخامسة، 1999، ص 132.
[8] نخعي، هادي؛ فراهاني، حميد رضا، روزشمار جنگ ایران و عراق: کتاب سیوهفتم: توسعه روابط با قدرتهای آسیایی (يوميات حرب إيران والعراق، الكتاب 37: تطوير العلاقات مع القوى الآسيوية)، طهران: مرکز مطالعات و تحقیقات سپاه پاسداران انقلاب اسلامی (مركز الدراسات والبحوث في حرس الثورة الإسلامية)، الطبعة الثالثة، 2011، ص 385.

