عملية كربلاء 3
نُفذت «عملية كربلاء 3» في 2 سبتمبر 1986م (11 شهريور 1365ه. ش) في المنطقة الشمالية الغربية من الخليج الفارسي. جرت هذه العملية بهدف تدمير أرصفة النفط العراقية «البكر» و «الأمية» و انتهت باحتلال هذين الرصيفين و تدمير معداتهما.
كانت المعركة البحرية «كربلاء 3» من أوائل سلسلة العمليات المحدودة للقوات البحرية التابعة لحرس الثورة في الخليج الفارسي و التي بعد الانتصار عززت حضور هذه القوة في المنطقة. بعد «عملية والفجر 8» (فبراير 1986م/بهمن 1364ه. ش) و فقدان «فاو»، بدأ العراق هجومه على الخطوط الدفاعية الإيرانية على طول الحدود (استراتيجية الدفاع المتحرك) و أعاد احتلال مدينة «مهران». اعتُبر عام 1986م (1365ه. ش) من قبل بعض القادة العسكريين و المسؤولين الإيرانيين «عام مصير الحرب»، لكن الاستراتيجية الجديدة للعراق شكّلت عائقاً كبيراً أمام تهيئة و تنفيذ عملية كبرى من جانب إيران.
لذلك و رداً على سلسلة تحركات الدفاع المتحرك العراقية، نُفذت عمليات «كربلاء 1» و «كربلاء 2» (تحرير «مهران» في يوليو 1986م/تير 1365ه. ش) و احتلال المرتفعات المشرفة على معسكر «حاج عمران» في (سبتمبر1986م/شهريور 1365ه. ش) و صُممت «عملية كربلاء 3» في إطار تهيئة الأرضية المناسبة لـ «عملية مصيرية» في شرق «البصرة».[1]
كانت محطتا النفط «الأمية» و «البكر» في الشمال الغربي من الخليج الفارسي أكبر مركز لتصدير نفط العراق، و قد دُمرتا في أوائل الحرب على يد الجيش الإيراني، لكن العراق بعد إعادة بناء الرصيفين ركّب أجهزة تتبع و بدأ برصد السفن التجارية و ناقلات النفط الموجودة في الخليج الفارسي.[2]
كما سيطر عبر رادارات «رازيت» على التحكم في المقاتلات و السفن الحربية و التجارية الإيرانية و شكّل تهديداً للأنشطة العسكرية و الاقتصادية الإيرانية بإطلاق النار عليها بمدافع مضادة للطائرات. بفضل تمتع القاعدتين برادارات معلوماتية قوية، أصبح العراق يسيطر حتى على حركة السفن التجارية و الحربية و ناقلات النفط في المنطقة. لذلك كان احتلال و تدمير الرصيفين ذا أهمية كبيرة للقادة العسكريين الإيرانيين. من جهة أخرى، في حال النجاح في العملية، كان الدفاع الجوي لأنظمة الصواريخ الساحلية العراقية في ميناء «أم القصر» سيصبح شديد الضعف و هذا الأمر كان ذا قيمة عسكرية كبيرة.[3]
كانت الأهداف الفرعية للعملية أيضاً استكمال إنجازات «عملية والفجر 8» (احتلال ميناء «فاو» و إغلاق مدخل العراق إلى الخليج الفارسي) و تقييد العراق في شمال الخليج الفارسي.[4]يقع الرصيفان «الأمية» و «البكر» في مياه الخليج الفارسي جنوب شرق «رأس البيشة» على مسافة أحد عشر كيلومتراً من بعضهما في خط واحد بالنسبة إلى خط الشمال. تقع سواحل الجمهورية الإسلامية شمال هذين الرصيفين و «فاو» و «خور عبد الله» و جزيرة «بوبيان» غربهما.[5]بسبب أهمية المحطتين، استخدم العراق لحماية منشآتهما قوتين برية و بحرية و كانت «الفرقة السابعة» للجيش متمركزة حولهما.
كما كانت سرية من مشاة البحرية موجودة كمراقبين على طول رصيف «الأمية». كان هؤلاء المراقبون بالإضافة إلى مهمتهم الرئيسية يرمون طوال الليل و النهار قنابل يدوية خاصة إلى البحر يصل شظاياها إلى دائرة نصف قطرها خمسين متراً. بُني الرصيفان من قبل شركات متعددة الجنسيات و يقعان جنوب شرق «أم القصر». كان رصيف «الأمية» أول رصيف يربط العراق بالبحر.[6]
أُسندت مهمة تنفيذ العملية إلى «لواء 14 الإمام الحسين (ع)». قبل تنفيذ العملية أنشأ هذا اللواء مراكز عائمة لنقل مدافع الهاون و الدبابات و المدافع المضادة للطائرات و جهّز القوارب بالأسلحة و السلالم و بنى أرصفة في المنطقة. كما ضمن النجاح في العملية باستخدام تكتيك العبور و التسلق على الرصيف و الاحتلال و التطهير[7].[8]
بدأت «عملية كربلاء 3» في الساعة 1:30 فجراً يوم 2 سبتمبر 1986م (11 شهريور 1365ه. ش) بشعار «حسبنا الله و نعم الوكيل» و بحضور مغاوير اللواء البحري «يونس» من «لواء الإمام الحسين (ع)» ككتيبة كسر الخط، بمرافقة ثلاث سرايا «حضرة نوح (ع)»، «حضرة موسى (ع)» و «حضرة إسماعيل (ع)». و انضمت إليهم كتائب «الإمام الرضا (ع)»، «الإمام محمد الباقر (ع)»، «الإمام موسى بن جعفر (ع)» و كذلك ألوية السفن «كوثر» و «أمير المؤمنين (ع)».[9]قبل ليلة واحدة من بدء العملية بدأت حوالي 120 عنصراً من الغواصين مهمتهم و رغم مشاكل مثل هبوب الرياح المعاكسة و تسرب الماء إلى الحجرة الخاصة باللاسلكي، وصلوا إلى مسافة ثلاثة كيلومترات من الرصيف.
و رغم أن المحاور اليسرى و الوسطى لم تنجح في الاقتراب من الرصيف، إلا أن سرية «حضرة موسى (ع)» بعد تطهير منصة المروحيات، تدمير العوائق و تجهيز المكان لدخول باقي القوات، فاجأت العراقيين و استعدت للقتال و بعد التحام القوات بدأت العملية رسمياً.[10]عبروا من شمال الرصيف و منصة المروحيات و طهّروا وسط الرصيف و احتلوا مركز قيادة القوات العراقية الذي كان في جنوب الرصيف في مبنى متهالك يُعرف بـ «الفندق».[11]
كما عطّلت القوات العراقية أجهزة اللاسلكي التابعة لـ «لواء الإمام الحسين (ع)» و منعت الاتصال الخارجي للقادة الإيرانيين بالمقاتلين داخل الرصيف. بالإضافة إلى ذلك قصف الجيش العراقي الرصيف من ارتفاع منخفض و استهدف الدفاع الجوي للرصيف. و أطلقوا النار بمدفعين عيار 57 ملم كانا لا يزالان في أيديهم على الجانب الأيمن من رصيف «الأمية» على مسار القوارب و الجانب الآخر من الرصيف. لكن بدخول سرية القوارب الإيرانية و تقليل الضغط على الغواصين و كذلك هجوم القوارب المسلحة بإطلاق مدفع 23 ملم و بندقية 106 ملم نحو الرصيف و احتلال أحد المدفعين، أصبح التحكم في الرصيف بيد المقاتلين الإيرانيين. و أجبروا العراقيين على الاستسلام برمي خمسة عشر لغماً في ممر «خور عبد الله» و بأخذ المدفع الثاني عيار 57 ملم كآخر موقع للعدو، مع احتلال مقر مركز القيادة، أنهوا عملية احتلال الرصيف.[12]
حاولت القوات العراقية استعادة الرصيف بإطلاق صواريخ بعيدة المدى على منصة المروحيات من ميناء «أم القصر» و إرسال ثماني سفن نحو الرصيف و قصفه، مما ضغط على القوات الإيرانية. في النهاية بسبب عدم وجود دعم جوي و بحري للقوات المقاتلة، اضطراب الترددات و انقطاع الاتصال بين القوات و القادة، انسحبت القوات الإيرانية و احتل العراق الرصيف الذي كان قد أُفرغ من المنشآت القيمة و المعدات.[13]
بالتزامن مع العملية في رصيف «الأمية»، بدأت القوات الإيرانية بمعونة فريق الهندسة التابع لمقر «نوح (ع)» معركة أخرى في رصيف «البكر». في الساعة 9 صباحاً ضخّت ستة مضخات كمية كبيرة من النفط من داخل أنابيب النفط «فاو– البكر» على الرصيف و أشعل المقاتلون الإيرانيون بنيران المدفعية 155 ملم ناراً كبيرة فاحترق نصف الرصيف مع معداته مع زورق «أوزا» (زورق صواريخ سريع الصنع السوفييتي السابق)[14]الذي كان راسياً بجانب الرصيف. بحيث كانت النار مرئية من مسافة 34 كيلومتراً و اشتهر إشعال النار في هذا الرصيف أيضاً باسم «عملية نار الرحمة».[15]
من خسائر العراق في هذه العملية يمكن الإشارة إلى تدمير طائرتين حربيتين، زورق قطر واحد، زورق صواريخ «أوزا» واحد، خمسة عشر مدفعاً مضاداً للطائرات، كمية كبيرة من الأسلحة الخفيفة و المتوسطة، تدمير كمية كبيرة من رادارات محطة «البكر» و أجهزة متقدمة متنوعة و التدمير الكامل لرصيف «الأمية» و جزء من رصيف «البكر». كما غُنمت في هذه العملية اثنا عشر مدفعاً مضاداً للطائرات، جهازا رادار جويان، جهاز رادار «رازيت» واحد، صاروخا «سهند» اثنان، أنواع ألغام بحرية، عشرة قوارب، جهاز رادار بحري و أنواع أسلحة خفيفة و متوسطة. قُتل حوالي ستين عراقياً و أُسر 110 أشخاص بينهم خمسة ضباط و قائد رصيف «الأمية» و من القوة البشرية الإيرانية بقي 75 شهيداً و 186 جريحاً و دُمر 25 قارباً.[16]
بعد احتلال رصيف «الأمية» أصدر العراق بياناً حرّف فيه الواقع و قلّل من أهمية الرصيفين،[17]لكن بعد اثنتي عشرة ساعة من الصمت، اعترف ضمناً بالفشل لتقليل رد الفعل العسكري و السياسي السلبي على فشل العملية و وصفه بأنه «تحرك غير ناجح».[18]في عام 1989م (1368ه. ش) صنع «رسول ملاقلي پور» فيلم «الأفق» استناداً إلى «عملية كربلاء 3». يصور هذا الفيلم جهود غواصي معلومات عمليات حرس الثورة لتدمير رصيف «الأمية».[19]
المصادر والمراجع
- [1]. إسحاقي، سيد محمد، نخعي، هادي، خداوردي خان، مهدي، نبرد الاميه (معركة الأمية)، طهران: مركز دراسات و بحوث الحرب التابع لحرس الثورة الإسلامية، 1996م (1375ه. ش)، ص 11 و 12 و 15 – 17؛ أنصاري، مهدي، فوزي، يحيى، لطف الله زادگان، علي رضا، روزشمار جنگ ايران و عراق ج44: ماجراي مك فارلين (يوميات الحرب الإيرانية-العراقية، المجلّد 44: قضية «ماكفارلين»)، طهران: مركز دراسات و بحوث الحرب التابع لحرس الثورة الإسلامية، 2001م (1380ه. ش)، ص 19؛ فوزي، يحيى، لطف الله زادگان، علي رضا، روزشمار جنگ ايران و عراق ج43: زمينه سازي در تدارك عمليات سرنوشت ساز (يوميات الحرب الإيرانية-العراقية، المجلّد 43: التهيئة لتجهيز العملية المصيرية)، طهران: مركز دراسات و بحوث الحرب التابع لحرس الثورة الإسلامية، 1999م (1378ه. ش)، ص 16؛ موسوعة الثورة الإسلامية مجلد3، الخاصة بالمراهقين و الشباب، طهران: دارالنشر: «سوره مهر»، 2015م (1394ه. ش)، ص 180 و181.
- [2]. سميعي، علي، كارنامه توصيفي عمليات هاي هشت سال دفاع مقدس (السجل الوصفي لعمليات ثماني سنوات الدفاع المقدس)، طهران: معاونية الدعاية و إدارة النشر، 1997م (1376ه. ش)، ص 257.
- [3]. إسحاقي، سيد محمد، نخعي، هادي، خداوردي خان، مهدي، نبرد الاميه (معركة الأمية)، ص 22 و 24 و 25 و 33 و 92.
- [4]. المصدر نفسه، ص 92 و 93.
- [5]. جنگ در سال 65 كارنامه يك ساله سپاه (الحرب في عام 65-السجل السنوي لحرس الثورة)، طهران: مركز دراسات و بحوث الحرب التابع للقيادة المركزية، 1988م (1367ه. ش)، ص 145 و 146.
- [6]. صحيفة «الجمهورية الإسلامية»، 3 سبتمبر 1986م (12 شهريور 1365ه. ش)، العدد 2106، السنة الثامنة، ص 2.
- [7]. إسحاقي، سيد محمد، نخعي، هادي، خداوردي خان، مهدي، نبرد الاميه (معركة الأمية)، ص 93 و 96.
- [8]. جنگ در سال 65 كارنامه يك ساله سپاه (الحرب في عام 65-السجل السنوي لحرس الثورة)، ص 145 و 149– 151 و 157.
- [9]. سميعي، علي، كارنامه توصيفي عمليات هاي هشت سال دفاع مقدس (السجل الوصفي لعمليات ثماني سنوات الدفاع المقدس)، ص 258؛ إسحاقي، سيد محمد، نخعي، هادي، خداوردي خان، مهدي، نبرد الاميه (معركة الأمية)، ص 101 و 102.
- [10]. فوزي، يحيى، لطف الله زادگان، علي رضا، روزشمار جنگ ايران و عراق (يوميات الحرب الإيرانية-العراقية)، المجلّد 43، ص 620 و 617؛ جنگ در سال 65 كارنامه يك ساله سپاه (الحرب في عام 65-السجل السنوي لحرس الثورة)، 1987م (1366ه. ش)، ص 163– 165.
- [11]. إسحاقي، سيد محمد، نخعي، هادي، خداوردي خان، مهدي، نبرد الاميه (معركة الأمية)، ص 161.
- [12]. روزشمار جنگ ايران و عراق (يوميات الحرب الإيرانية-العراقية) المجلّد 43، ص 618 و 621 و 641؛ جنگ در سال 65 كارنامه يك ساله سپاه (الحرب في عام 65-السجل السنوي لحرس الثورة)، ص 167 و 168؛ إسحاقي، سيد محمد، نخعي، هادي، خداوردي خان، مهدي، نبرد الاميه (معركة الأمية)، ص 171 و 173.
- [13]. جنگ در سال 65 كارنامه يك ساله سپاه (الحرب في عام 65-السجل السنوي لحرس الثورة)، ص 169– 171؛ إسحاقي، سيد محمد، نخعي، هادي، خداوردي خان، مهدي، نبرد الاميه (معركة الأمية)، ص 186 و 190 و 193.
- [14]. مسبوق، محمد، جواهري، علي رضا، عمليات مرواريد (عملية «مرواريد»)، طهران: مركز المنشورات الاستراتيجية لجيش الجمهورية الإسلامية الإيرانية، 2015م (1394ه. ش)، ص 222.
- [15]. فوزي، يحيى، لطف الله زادگان، علي رضا، روزشمار جنگ ايران و عراق، (يوميات الحرب الإيرانية-العراقية) المجلّد 43، ص 622؛ إسحاقي، سيد محمد، نخعي، هادي، خداوردي خان، مهدي، نبرد الاميه (معركة الأمية)، ص 167 و 17 و 179.
- [16]. سميعي، علي، كارنامه توصيفي عمليات هاي هشت سال دفاع مقدس (السجل الوصفي لعمليات ثماني سنوات الدفاع المقدس)، ص 260 و 261؛ فوزي، يحيى، لطف الله زادگان، علي رضا، روزشمار جنگ ايران و عراق (يوميات الحرب الإيرانية-العراقية) المجلّد 43، ص 642؛ إسحاقي، سيد محمد، نخعي، هادي، خداوردي خان، مهدي، نبرد الاميه (معركة الأمية)، ص 199.
- [17]. إسحاقي، سيد محمد، نخعي، هادي، خداوردي خان، مهدي، نبرد الاميه (معركة الأمية)، ص 170.
- [18]. سميعي، علي، كارنامه توصيفي عمليات هاي هشت سال دفاع مقدس (السجل الوصفي لعمليات ثماني سنوات الدفاع المقدس)، ص 259.
- [19]. فراستي، مسعود، فرهنگ فيلم هاي جنگ و دفاع ايران (موسوعة أفلام الحرب و الدفاع في إيران)، طهران: ساقي، المنظمة الفنية و أدب الدفاع المقدس، 2013م (1392ه. ش)، ص 41.