عملية نصر

انطلقت عملية "نصر" في 5 يناير 1981 بقيادة جيش الجمهورية الإسلامية، ومشاركة حرس الثورة الإسلامية، وقوات التعبئة (بسیج)، وقوات "مقر الحروب غير النظامية" بقيادة الشهيد جمران. شمل مسرح العمليات مناطق جنوب "هويزة" و"كرخة كور" ومنطقة "فارسيات" الواقعة جنوب الأهواز. وبالرغم من أن العملية بدأت بنجاح لافت في مراحلها الأولى، إلا أنها واجهت تعثراً حاداً بسبب الهجمات المضادة العنيفة للجيش العراقي، وانتهت في 9 يناير بانسحاب المجاهدين الإيرانيين.

بعد عملية تحرير "سوسنكرد" في 17 نوفمبر 1980، تصاعدت المطالبات الشعبية والرسمية والدينية بطرد القوات العراقية من المناطق المحتلة. انعكست هذه الضغوط التي ترددت أصداؤها في وسائل الإعلام والخطب الدينية على مراكز صنع القرار، لاسيما المجلس الأعلى للدفاع. وبناءً عليه، أصدر أبو الحسن بني صدر (رئيس الجمهورية والقائد العام للقوات المسلحة آنذاك) في 17 ديسمبر 1980 أمراً عملياتياً إلى قيادة القوات البرية في الجيش جاء فيه: "تُكلف القوة البرية لجيش الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وفقاً للمخطط المعتمد من المجلس الأعلى للدفاع، بقيادة عملية هجومية فورية في منطقة الأهواز العامة، لتدمير العدو في قاطع (كرخة كور - دب حردان)، والاستعداد لترميم الخطوط الحدودية بناءً على الخطط المعدة، وسحب العمليات التعرضية إلى داخل أراضي العدو للسيطرة على الأهداف الموصوفة، على أن يبدأ الهجوم خلال أسبوع واحد".⁠[1]

حددت منطقة عمليات "نصر" جغرافياً على النحو التالي: من الغرب طريق (سوسنكرد – هويزة)، ومن الشرق نهر الكارون، وشمالاً طريق (حميدية – سوسنكرد)، أما جنوباً فكان يحدها طريق "معسكر حميد" الواقع على بُعد 40 كيلومتراً جنوب الأهواز. يقع نهر "كرخة كور" في قلب هذه المنطقة، حيث كان العراقيون يحتلون جزءاً من ضفته الشمالية. وكان الهدف الرئيسي للعملية هو "معسكر حميد" الاستراتيجي الواقع في الجهة الجنوبية الشرقية للمنطقة.⁠[2]

كُلفت القوات البرية للجيش بمهمة تدمير القوات العراقية في منطقة "كرخة كور" وجنوب غرب الأهواز. شاركت في هذه المهمة التشكيلات التالية: فرقة 92 المدرعة، فرقة 16 المدرعة، كتيبة 148 مشاة وكتيبة 291 مدرعة التابعتان للفرقة 77، مجموعات قتالية من حرس الثورة، مجموعات من مقر الحروب غير النظامية بقيادة مصطفى جمران.

ووفقاً لتقديرات الاستخبارات في المقر الأمامي للقوات البرية بالجنوب، كان يواجه القوات الإيرانية فرقتان عراقيتان كاملتان ومعززتان؛ وبذلك كانت القدرة القتالية المادية للعدو تعادل ضِعف القوة الإيرانية.⁠[3]

في يوم السبت 3 يناير 1981، توجه قادة الحرس الثوري في مناطق (حميدية، سوسنكرد، هويزة) ومسؤولو العمليات والاستخبارات إلى مقر قيادة فرقة 16 المدرعة للتوجيه والتنسيق. تقرر أن يضع الحرس الثوري سريتين بتجهيزاتهما تحت تصرف اللواء الثالث (همدان)، وخمس سريات تحت تصرف اللواء الأول (قزوين) التابع لفرقة 16؛ بحيث يتواجد فردان من الحرس بجانب كل وحدة مدرعة للقيام بمهام استطلاع الأرض. كما رافقت قوات الحرس الثوري القادمة من "خراسان" اللواء الثاني (دزفول).

أما منطقة "فارسيات"، فقد أوكلت مهامها لفرقة 92 المدرعة وفق المخطط؛ وكان من المقرر أن يتولى اللواء الأول التابع للفرقة 92 مهام الدفاع في مواجهة الأهواز، بينما تتقدم كتيبتان من الخيالة المدرعة –بعد عبور نهر الكارون– لمسافة ثلاثة كيلومترات باتجاه الطريق العام، وذلك بهدف تهديد طريق (الأهواز – خرمشهر)، وتقديم الدفع والمساعدة في المرحلة الثانية للسيطرة على معسكر حميد.⁠[4]

انطلقت عملية "نصر" في تمام الساعة 10:00 صباحاً من يوم 5 يناير 1981، بعد تمهيد ناري استمر لمدة 15 دقيقة. بدأ اللواء الثالث (همدان) تحركاً سريعاً من محور (أبو حميظة – سوسنكرد)، وبمباغتة قوات المشاة العراقية، تمكن نحو الساعة 12:00 ظهراً من عبور نهر "كرخة كور" بنجاح. أما اللواء الأول (قزوين)، الذي كان مقرراً انطلاقه من هويزة، فقد تقدم بوتيرة أبطأ نحو جنوب النهر. وفي محور "فارسيات"، بدأت العمليات بتأخير قدره 20 دقيقة (أي في الساعة 10:20)، وكان لهذا التأخير أثر سلبي؛ ومع ذلك، استطاعت القوات الصديقة بوجه عام التقدم لمسافة 30 كيلومتراً بخسائر طفيفة. في هذا اليوم، لم يجد العراقيون فرصة لترتيب صفوفهم، فكان عدد الأسرى كبيراً (نحو 800 أسير عراقي) مع غنائم وفيرة. وبذلك انتهى اليوم الأول بنصر مؤزر، حيث بعث بني صدر برقية إلى الإمام الخميني يخبره بنجاح عملية هويزة، ورد الإمام ببرقية شكر وتقدير للقوات المسلحة والمجاهدين مباركاً هذا النصر.⁠[5]

وفقاً للمخطط العملياتي، بدأت المرحلة الثانية في الساعة 08:00 صباحاً من يوم 6 يناير 1981. تقدمت القوات المدرعة والمشاة نحو منطقتي "حميد" و"جوفير"، وكانت قوات الحرس الثوري تسبقها بنحو كيلومتر واحد. ولكن بعد ساعة، اشتدت النيران العراقية بكثافة وتوقف تقدم المجاهدين.

وعلى الرغم من أن الأوامر الصادرة حتى الساعة 16:00 كانت تؤكد على الصمود، إلا أن القوات المدرعة بدأت بالانسحاب. وفي تلك الأثناء، وجدت قوات المشاة التابعة للحرس الثوري –التي كانت في الخطوط الأمامية ولم تكن على علم بالانسحاب– نفسها محاصرة تماماً من قبل العراقيين. أسفر هذا اليوم عن استشهاد 140 من المجاهدين والمتطوعين وطلبة الجامعات السائرين على نهج الإمام.⁠[6] وكان من بين شهداء هذا اليوم القائد حسين علم الهدى، أحد أبرز قادة الحرس الثوري.⁠[7]

في السابع من يناير، وقع اللواء المدرع الإيراني الثاني في شباك هجوم مضاد عراقي عنيف وتكبد أضراراً جسيمة.⁠[8] استمر هذا السياق التصاعدي، ورغم محاولات المجاهدين الإيرانيين للاستمرار في الهجوم والصمود، إلا أنهم أُجبروا في نهاية المطاف في التاسع من يناير على الانسحاب الكامل، بعد خسارة ما لا يقل عن 88 دبابة.⁠[9] وبذلك انتهت عملية "نصر" بعد 22 يوماً من المعارك الجوية وخمسة أيام من القتال البري، دون تحقيق مكاسب مادية أو الوصول إلى الأهداف المحددة مسبقاً.⁠[10] ومع تقدم القوات العراقية، وقعت مدينة هويزة تحت الحصار ثم سقطت تحت الاحتلال في 17 يناير 1981، وبقيت محتلة لمدة ستة عشر شهراً إلى أن تم تحريرها في 8 مايو 1982 خلال عمليات "بيت المقدس".⁠[11]

بدأت عملية "نصر" بمواجهة مباشرة بين قوتين مدرعتين، وصُنفت كأكبر حرب دبابات منذ حرب أكتوبر⁠[12] (حرب العرب وإسرائيل عام 1973 التي انتهت بهزيمة العرب).⁠[13] بعد احتلال هويزة، خيّم الركود على الجبهات؛ حيث أثبت أسلوب الهجوم المدرع النهاري والحرب النظامية التقليدية عدم جدواه. بالنسبة لإيران، أصبحت الحرب المدرعة غير ممكنة بسبب الخسائر الفادحة في الأرواح والمعدات، وعدم القدرة على تعويض العتاد نتيجة العقوبات الاقتصادية المفروضة. وفي المقابل، كان العراق قادراً على شراء واستخدام أحدث الأسلحة والمعدات دون قيود مالية أو سياسية. إن تكرار الحرب النظامية بين جيشين يعتمدان على التجهيزات المدرعة كان يعني الاعتراف بتفوق العراق واستقبال الهزيمة. لذا، أدت هذه العملية إلى دفع القوى الثورية لتنظيم صفوفها تدريجياً في إطار الحرس الثوري والتعبئة؛ حيث تغلبت استراتيجية "الشعب المتطوع" المعتمدة على الإيمان والالتزام على نقص المعدات وقيود الحرب النظامية المدرعة.⁠[14]

 


منابع و ارجاعات:

  • [1] خزائي، خداکرم، لشکر 16 زرهی قزوین در عملیات نصر (فرقة 16 المدرعة "قزوين" في عملية نصر)، طهران: مؤسسة حفظ آثار ونشر قيم الدفاع المقدس، 1394ش، ص 10 و11.
  • [2] المصدر نفسه، ص 12.
  • [3] حسيني، يعقوب وآخرون، ارتش جمهوری اسلامی ایران در هشت سال دفاع مقدس، ج2 (جيش الجمهورية الإسلامية الإيرانية في سنوات الدفاع المقدس الثماني، المجلد الثاني)، طهران: هيئة العقيدة والسياسة في الجيش، 1373ش، ص 114 و115.
  • [4] علامیان، سعید، حسن باقری، ج1، طهران: مركز نشر آثار الشهيد حسن باقري، 1390ش، ص 427 و428.
  • [5] لطف الله زادغان، عليرضا، روزشمار جنگ ایران و عراق، کتاب یازدهم: هویزه آخرین گام‌های اشغالگر (يوميات حرب إيران والعراق، الكتاب الحادي عشر: هويزة، آخر خطوات المحتل)، طهران: مركز دراسات وبحوث الحرب، 1380ش، ص 557، 559، 560.
  • [6] المصدر نفسه، ص 565-569.
  • [7] المصدر نفسه، ص 596.
  • [8] المصدر نفسه، ص 600.
  • [9] المصدر نفسه، ص 608 و616 و617.
  • [10] نمكي عليرضا، وخليلي حسين، حسین، تاریخ نبردهای هوایی دفاع مقدس، ج6 (تاريخ المعارك الجوية في الدفاع المقدس، المجلد السادس)، طهران: مركز المنشورات الاستراتيجية لسلاح الجو، 1396ش، ص 366.
  • [11] حبيبي، أبو القاسم، اطلس راهنما 4: دشت آزادگان در جنگ (الأطلس الدليلي 4: دشت آزادكان في الحرب)، طهران: مركز دراسات وبحوث الحرب، الطبعة الأولى، 1381ش، ص 74 و111.
  • [12] فصلية نگین ایران، السنة الأولى، العدد 3، شتاء 1381ش، ص 93.
  • [13] دایره المعارف انقلاب اسلامی ویژه نوجوانان و جوانان، ج2 (موسوعة الثورة الإسلامية للناشئة والشباب، المجلد الثاني)، طهران: دار سوره مهر للنشر، 1384ش، ص 49.
  • [14] فصلية نگین ایران، ص 93.

تکمیل، ویرایش یا گزارش خطا